أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس دونالد ترمب والدبلوماسية المكوكية التي قام بها كبار القادة العسكريين والحكوميين الباكستانيين في عواصم المنطقة، آمالا في إنهاء الحرب مع إيران عن طريق التفاوض. وقد يتخذ ذلك في البداية شكل "اتفاق إطاري" بين الولايات المتحدة، وإيران لوضع الأساس لاتفاق نهائي.
وفي حديثه للصحفيين في البيت الأبيض يوم الخميس، أبدى ترمب نبرة متفائلة، قائلا إن الحرب "على وشك الانتهاء"؛ حيث تم حل "جميع" القضايا تقريبا. وسيتم تناول الخلافات المتبقية في محادثات أكد أنها ستستأنف قريبا. كما قال إنه قد يسافر إلى إسلام آباد إذا تم توقيع اتفاق نهائي هناك.
وعلى الرغم من ميل ترمب إلى الإدلاء بتصريحات مبالغ فيها، فإن تصريحاته هذه المرة بدت مدعومة بسلسلة من الأنشطة الدبلوماسية المكثفة في المنطقة؛ فقد أشارت الزيارة المفاجئة التي قام بها قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى طهران لإجراء محادثات مع المسؤولين الإيرانيين- على ما يبدو لنقل رسائل من واشنطن- إلى أن الأجواء يتم تهيئتها لجولة أخرى من المفاوضات بين الولايات المتحدة، وإيران.
وكانت الرسائل التي نقلها تهدف إلى معالجة الخلافات بين الجانبين حول القضايا المتبقية، فضلا عن مناقشة الجهود الرامية إلى تأمين وقف إطلاق النار في لبنان.
وفي الوقت نفسه، انطلق رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في جولة شملت ثلاث دول، هي السعودية، وقطر، وتركيا، لإطلاع قيادات هذه الدول على آخر مستجدات المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب.
ويشير هذا أيضا إلى أن النشاط الدبلوماسي كان على قدم وساق؛ استعدادا لجولة أخرى من المحادثات المباشرة بين واشنطن، وطهران.
ومع استمرار وقف إطلاق النار من جانب الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران منذ 8 أبريل/ نيسان، فقد أدى الإعلان عن هدنة لمدة عشرة أيام بين لبنان، وإسرائيل، بوساطة من الولايات المتحدة، إلى ارتفاع مؤشرات التفاؤل، واعتبر ذلك على نطاق واسع خطوة نحو اتفاق سلام بين واشنطن، وطهران.
ورحبت إيران بالهدنة التي حظيت بتأييد عالمي، فيما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي؛ إن طهران تنظر إلى الهدنة على أنها جزء من تفاهم أوسع مع واشنطن، تم التوصل إليه خلال محادثات بوساطة باكستان.
وفي الواقع، أثير جدل بعد وقت قصير من إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة، وإيران، عندما قالت إيران وباكستان؛ إن هذا يشمل هدنة في لبنان كجزء من وقف إطلاق نار إقليمي أوسع، لكن ترمب نفى ذلك.
وقد استلزم ذلك إجراء محادثات بين إسرائيل، والولايات المتحدة، ولبنان، والتي توجت بوقف إطلاق النار في لبنان. وردا على ذلك، أعلنت إيران أنها ستسمح بمرور جميع السفن التجارية عبر مضيق هرمز خلال الفترة المتبقية من الهدنة المؤقتة، قبل أن تتعقد الأمور قليلا.
وجاء كل هذا في أعقاب المفاوضات التي عقدت بين الولايات المتحدة، وإيران في إسلام آباد في 12 أبريل/ نيسان.
وكان هذا أعلى مستوى من المحادثات المباشرة بينهما منذ أكثر من أربعة عقود، حيث لم تكن خلالها العلاقات الدبلوماسية قائمة بين البلدين. وقد أشار إرسال كلا الجانبين وفودا رفيعة المستوى إلى جديتهما في إيجاد مخرج من الصراع.
وقد سارعت العديد من وسائل الإعلام الدولية إلى الإعلان عن أن المحادثات لم تكن حاسمة، وأنها انتهت بالفشل، كما لو كان من الممكن التوصل إلى اتفاق بشأن مثل هذه القضايا الشائكة في غضون ساعات قليلة.
في الواقع، لم تكن محادثات إسلام آباد إنجازا كبيرا ولا إخفاقا؛ حيث عاد الوفدان إلى عاصمتيهما للتشاور مع قيادتيهما في جو إيجابي بشكل عام، ولم يذكر أي من الطرفين أن المحادثات انهارت.
وقد بقي الخيار الدبلوماسي مطروحا لكليهما، مما أبقى الباب مفتوحا أمام إمكانية مواصلة المفاوضات. واستمرت المشاركة الدبلوماسية عبر باكستان، التي كثفت جهودها لإقناع الطرفين بإبداء المرونة والحفاظ على قنوات الاتصال الخلفية؛ لتضييق الفجوات في مواقفهما.
وكشفت محادثات إسلام آباد عن مدى تباعد مواقف الطرفين، كما يتضح من النقاط الخمس عشرة التي طرحتها الولايات المتحدة، والنقاط العشر التي قدمتها إيران.
وشملت المطالب الأساسية لطهران ضمانات بعدم شن هجمات أمريكية أو إسرائيلية مستقبلية على إيران وحلفائها الإقليميين، ورفع العقوبات، وإلغاء تجميد الأصول، والاعتراف الدولي بحقها في التخصيب، واستمرار سيطرتها على مضيق هرمز.
وتضمنت مطالب الولايات المتحدة التزامات إيرانية صارمة بعدم السعي للحصول على أسلحة نووية، والإصرار على عدم قيام طهران بأي تخصيب، وإزالة مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب خارج البلاد، وإعادة فتح مضيق هرمز.
وعندما انتهت المحادثات؛ ادعى الجانب الأمريكي أن إيران لم تستجب لمخاوفه النووية، بينما أكدت إيران أن المفاوضين الأمريكيين قدموا مطالب غير واقعية.
لكن كلا الطرفين أقرّ بتحقيق تقدم، على الرغم من بقاء قضايا رئيسية دون حل، بما في ذلك الوضع المستقبلي لمضيق هرمز. واقترحت الولايات المتحدة تقاسم عائدات الرسوم الجمركية لمضيق هرمز، لكن إيران رفضت.
وسعت الاتصالات غير المباشرة اللاحقة إلى معالجة النقاط الخلافية بشأن القضية النووية والممر المائي الإستراتيجي، حيث حثّ الوسطاء الباكستانيون كلا الطرفين على أن يكونا أكثر مرونة.
ومن المتوقع أن تهيمن هذه القضايا على المحادثات في الجولة ثانية في حال انعقادها، حيث يصرح الوسطاء الباكستانيون سرا بأنهم حققوا تقدما بشأن "القضايا الخلافية"، رغم أن المسؤولين الإيرانيين أبدوا موقفا أكثر حذرا.
ويتمثل الاختلاف الأساسي الذي يجب حله، في القضية النووية؛ حيث تقترح الولايات المتحدة ألا تقوم إيران بأي تخصيب لمدة 20 عاما، وهو ما تعتقد أنه سيضمن عدم سعي طهران إلى برنامج للأسلحة النووية.
وقد أكدت إيران مرارا أنها لن تصنع قنبلة نووية، لكن لها الحق في التخصيب للأغراض السلمية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي هي عضو فيها. وقد أعلن محمد إسلامي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، أن المحادثات يجب أن تعترف بحقوق إيران ومصالحها وكرامتها حتى تؤتي ثمارها.
والسؤال هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستوافق على تخصيب نووي بنسبة أقل من 3%، وهي نسبة أقل بكثير من درجة التخصيب اللازمة للأسلحة، لمدة خمس سنوات، وهو ما عرضته إيران حسبما ورد.
أما المسألة الأخرى المتعلقة بإزالة المواد النووية، فيمكن على الأرجح معالجتها من خلال عرض طهران تخفيف تركيز مخزونها البالغ 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب إلى أدنى مستوى ممكن داخل إيران، مع منح الوكالة الدولية للطاقة الذرية حق الوصول الكامل للتحقق.
وتريد إيران رفع جميع العقوبات، لكنها لن توافق على إخراج مخزوناتها من البلاد. عندما ادعى ترمب مؤخرا أن إيران قد قبلت مطلب الولايات المتحدة، سرعان ما نفي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية ذلك، قائلا: "لن يتم نقل اليورانيوم المخصب إلى أي مكان".
ويبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت الجولة المقبلة من المحادثات ستتمكن من كسر الجمود بشأن القضايا النووية ومضيق هرمز؛ حيث إن المخاطر كبيرة بالنسبة للطرفين اللذين يبدو أنهما يريدان مخرجا من الحرب، لكن العقبات لا تزال قائمة، ولا يزال بإمكان إسرائيل أن تلعب دور المفسد وتضع العراقيل أمام أي إنجاز يمكن تحقيقه. إنها ساعات عصيبة تظلل العالم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة