آخر الأخبار

يدفعون الإتاوات وينامون في العراء.. سائقو دارفور في مرمى نقاط تفتيش الدعم السريع

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

دارفور- "أوقفونا أكثر من 45 مرة، في أي لحظة يمكن أن نُصاب بالرصاص، أو نُختطف، أو نُضرب، أو نُقتل. نحن نعلم ذلك، لكن لا خيار أمامنا"، يقول جمال عبد الله (45 عاما، اسم مستعار) أحد سائقي الشاحنات على خط جبل مرة – الجنينة، للجزيرة نت.

في رحلة يمزقها الرصاص والجوع والابتزاز، يخوض سائقو الشاحنات التجارية بإقليم دارفور غرب السودان معركة يومية لا تنتهي، من أجل كسب قوت يومهم وإيصال بضائع التجار إلى أسواق المدن المحاصرة.

وتنتصب العشرات من نقاط التفتيش، التي يلقبونها بـ"نقاط الموت"، يديرها مسلحو قوات الدعم السريع وعناصر مسلحة متنقلة، بين طويلة ومناطق جبل مرة مرورا بزالنجي والجنينة ومعبر أدري التشادي غربا، على طريق شديد الخطورة يتسبب في خسائر بشرية ومادية.

ومع دخول الحرب عامها الرابع، لم يعد سائق الشاحنة مجرد ناقل للبضائع، بل أصبح هدفا للاستهداف والاحتجاز والنهب، في ظل غياب للحماية وصمت حقوقي.

وحاولت الجزيرة نت التواصل مع قوات الدعم السريع للتعليق على هذه الانتهاكات، لكنها لم ترد حتى لحظة إعداد هذا التقرير.

مصدر الصورة شاحنة من منطقة طويلة متجه الي جبال مره (الجزيرة)

رحلة عذاب

وتبدأ الرحلة من طويلة مرورا بمنطقتي قولو ونرتتي في جبل مرة، حيث تنتصب أولى نقاط التفتيش، ثم تمتد من خور رملة وصولا إلى زالنجي وسط دارفور، ثم الجنينة عاصمة غرب دارفور، قبل الوصول إلى منطقة أدكونغ عند معبر أدري التشادي.

ولم تكن هذه النقاط مجرد حواجز عابرة. فبحسب شهادات متطابقة من سائقين تحدثوا للجزيرة نت شريطة حماية هوياتهم، يتحول كل حاجز إلى كمين مالي، حيث يبتز المسلحون السائقين لدفع رسوم.

ويقول علي نور (اسم مستعار)، سائق شاحنة بضائع: "عند كل حاجز، يطلبون منا نحو 200 ألف جنيه سوداني (نحو 50 دولارا أمريكيا). إذا لم تدفع، يضربونك أو يحتجزون الشاحنة لأيام. خسرت في رحلة واحدة أكثر من مليون جنيه رسوم ابتزاز".

إعلان

ويكشف علي أن هذه النقاط مقسمة حسب الانتماء القبلي، حيث تبدأ في منطقة خور رملة بنقطة لأولاد ش الذين يمتطون الدراجات النارية، ثم أولاد الرزيقات، مع انتشار للمهرية عند مدخل مدينة الجنينة، وهكذا تتنقل السيطرة من قبيلة إلى أخرى على امتداد الطريق، ولكل حاجز "سعر" مختلف.

جرائم موثقة

وتأتي هذه الممارسات ضمن نمط أوسع وثقته الأمم المتحدة. ففي 19 فبراير/شباط 2026، خلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإبادة جماعية في الفاشر، شملت الابتزاز والاحتجاز التعسفي والتعذيب. وقالت خبيرة البعثة منى رشماوي في تصريحات نقلتها وكالات صحفية: "إن الأدلة التي جمعناها لا تترك إلا استنتاجا واحدا.. هذه هي سمات الإبادة الجماعية".

وعلى مقربة من معبر أدري الحدودي مع تشاد، تتفاقم المعاناة. فهذا المعبر الحيوي لتجارة غرب دارفور يتحول أحيانا إلى فخ ينتظر السائقين لأيام، بسبب الإغلاقات المفاجئة والتعقيدات البيروقراطية.

ويقول محمد آدم (52 عاما)، سائق شاحنة بضائع: "أحيانا ننتظر عند المعبر 5 أيام أو أكثر. لا طعام، لا ماء نظيف، لا مكان للنوم. ننام في العراء. وشاحنتنا محملة ببضاعة قابلة للتلف، نخسر فيها كل يوم".

ويضيف: "في مارس/آذار الماضي، فتحوا المعبر فجأة. تدافع عشرات المسافرين للدخول على عربات ‘الكاروا’ -وهي عربات تجرها الحمير- الوسيلة الوحيدة المسموح بها للتحرك هنا، حيث يتم عبرها نقل المسافرين والسلع خاصة الدقيق والسكر والوقود".

مصدر الصورة شاحنات تجارية بدارفور (الجزيرة)

طرق بديلة وخسائر

وفي محاولة لتجنب نقاط التفتيش والابتزاز، يلجأ بعض السائقين إلى المغامرة ليلا، لكنها تحمل مخاطر أخرى لا تقل فتكا. ففي طريق زالنجي – الجنينة الوعر، يحاول السائقون أحيانا الالتفاف عبر دروب خطيرة تتطلب مهارة عالية. ويدفع بعضهم مبالغ مالية كبيرة لاستصحاب "صاحب معرفة" هو جندي من قوات الدعم السريع ينتمي إلى القبائل المنتشرة على الطريق، لتسهيل مهمة العبور.

ويحذر علي نور قائلا: "أحيانا يتم بيع الشاحنة والركاب لجهات مسلحة أخرى، فيصبح الابتزاز أكبر". ويقول سائق آخر للجزيرة نت (فضل عدم ذكر اسمه): "مرة حاولنا الالتفاف على حاجز في خور رملة، فسلكنا طريقا وعرة. انزلقت إحدى الشاحنات وكادت تسقط في الوادي. قضينا يومين ننتظر من يساعدنا. منذ ذلك الحين، فضلت دفع الابتزاز على المخاطرة بحياتي".

ولا تقتصر معاناة السائقين على الخطر الجسدي، بل تمتد إلى خسائر مالية تهدد بقاءهم في المهنة. ويشرح خالد إبراهيم، تاجر بضائع من زالنجي (رفض ذكر اسمه الكامل) للجزيرة نت: "سائق الشاحنة غالبا لا يملكها، بل هو أجير. عندما يدفع الابتزاز أو تتعطل الشاحنة، فالخسائر تخص صاحب البضاعة، والسائق يدفع الثمن جسديا".

ويضيف: "ارتفعت تكاليف النقل 4 أضعاف منذ بدء الحرب، وهذا ينعكس على أسعار السلع. المواطن البسيط هو الضحية الأكبر، وغالبية السائقين يغامرون ليلا لتجنب دفع مبالغ كبيرة لأصحاب الدراجات النارية". وتأتي هذه المعاناة في وقت حذر فيه برنامج الأغذية العالمي من أن المجاعة قد انتشرت في أجزاء من دارفور.

غياب الحماية

وفي ظل هذه المعاناة، يتحدث السائقون عن غياب أي جهة تحميهم "لا حماية من الحكومة، ولا منظمات حقوقية فاعلة على الأرض".

إعلان

ويقول جمال عبد الله: "نتمنى أن تتدخل الأمم المتحدة لتأمين الطرق الرئيسية. لكن لا أحد يهتم. أعرف زملاء اختفوا منذ أشهر. لا نعرف أأحياء هم أم أموات".

ومع ذلك، يواصل السائقون رحلتهم. يعبرون نقاط التفتيش، ويدفعون الإتاوات، وينامون في العراء، فقط لضمان وصول البضائع إلى الأسواق ولقمة العيش إلى أسرهم.

في وقت تنشغل فيه الأوساط الدولية بصراعات أخرى، يبقى سائقو الشاحنات يدفعون الثمن غاليا، في انتظار تدخل ينهي معاناتهم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل إيران أمريكا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا