آخر الأخبار

"كل ما تبقى هو الرمل".. الأقمار الصناعية تكذب ترمب وتفضح "الاحتلال الدائم" في غزة

شارك

في 4 مارس/آذار 2026، التقطت الأقمار الصناعية التابعة لشركة بلانت (Planet) صورة لموقع في رفح جنوبي قطاع غزة كان يُفترض أن يصبح نواة لما يُعرف بـ"المدينة الخضراء"، وهو أحد المشاريع التي روّجتها الخطط الأمريكية الإسرائيلية لإعادة إعمار القطاع بعد الحرب. لكن الصورة لم تُظهر أي نشاط بناء أو إزالة ركام، بل كشفت عن أعشاب بدأت تنبت فوق أنقاض المدينة المدمرة، في مشهد يعني أن أعمال "الإعمار" قد توقفت منذ أسابيع.

وفي اللحظة ذاتها، وعلى بُعد كيلومترات قليلة شرقا، كانت الجرافات الإسرائيلية تعمل بلا انقطاع توسّع نقاطا عسكرية، وتشقّ طرقا جديدة، وتُعبّد مواقع تحصين ترسخ بها وجود الاحتلال بشكل دائم.

"في غزة، لا يوجد إعمار، إذ إن الإعمار مشروط ومعلّق إلى أجل غير مسمى، في مقابل بنية عسكرية إسرائيلية تتوسع يوميا بوتيرة ثابتة"

يكشف هذا التناقض عن منطق يحكم ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة رغم الشروط التي وافقت عليها تل أبيب مع الوسطاء من أجل إيقاف حرب الإبادة التي استمرت أكثر من عامين. فالاحتلال لا ينفذ إعمارا، إذ إن الإعمار مشروط ومعلّق إلى أجل غير مسمى، في مقابل بنية عسكرية تتوسع يومياً بوتيرة ثابتة لا تتأثر بجبهات الحرب التي أشعلتها إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة ولا باتفاقيات التهدئة الموقّعة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 معركة "السحابة" والكاميرا والصاروخ.. الرواية الأخرى لحرب إيران
* list 2 of 2 لماذا تكسب إسرائيل المعارك وتخسر الحروب؟ end of list

وقد حلّل فريق وحدة التحقيقات الرقمية في شبكة الجزيرة صور الأقمار الصناعية الممتدة بين 25 فبراير/شباط و15 مارس/آذار 2026 من مصادر الأقمار الصناعية بلانت وسنتينل (Sentinel)، فرصد 3 مسارات متزامنة تؤكد هذا المنطق وتوثّقه.

مصدر الصورة

إعمار من خيال

المسار الأول هو تباطؤ أعمال الإعمار المزعوم. ففي رفح، أظهرت المقارنة بين صور 20 فبراير/شباط، و4 مارس/آذار ركودا واضحا في الموقع المرشح لـ"المدينة الخضراء".

ويبدو أن هذا الركود هو الوجه الحقيقي لمشاريع طُرحت بزخم إعلامي هائل ثم تلاشت على الأرض. فقد وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن خطته ذات العشرين نقطة ستحوّل غزة إلى "ريفييرا" الشرق الأوسط. وفي دافوس مطلع 2026، عرض صهره جاريد كوشنر صوراً مولّدة بالذكاء الاصطناعي لناطحات سحاب ومنتجعات ساحلية ومطار و100 ألف وحدة سكنية في "رفح الجديدة"، وأعلن ترمب تعهدا أمريكيا بـ10 مليارات دولارات ضمن "مجلس السلام" الذي أسسه بديلاً فعلياً عن الأمم المتحدة في القطاع. نصّت الخطة صراحةً على أن "إسرائيل لن تحتل غزة أو تضمها"، واشترطت إرسال المساعدات "فورا ودون تدخل".

"تمنح الخطط الواهية في غزة بعد الحرب إسرائيل القدرة على التحكم في وتيرة كل شيء: إيقاف الإعمار وتسريع بناء المنشآت العسكرية في آنٍ واحد"

لكن هذه الخطط التي تدعو لتهجير الفلسطينيين وبناء ناطحات سحاب ومنتجعات ساحلية ومراكز بيانات بدلاً منهم، تشترط جميعها نزع سلاح المقاومة الفلسطينية بالكامل، وخاصة حركة حماس، وانسحابا عسكريا للاحتلال لم يقبله الإسرائيليون أصلاً. ما يجعلها في المحصلة أدوات لفرض واقع الاحتلال على الفلسطينيين لا مشاريع إنسانية أو حلول سياسية. تمنح هذه الخطط الاحتلال القدرة على التحكم في وتيرة كل شيء: إيقاف الإعمار وتسريع بناء المنشآت العسكرية في آنٍ واحد.

مصدر الصورة

البناء "العدواني" مستمر

أما المسار الثاني فهو استمرار البناء العسكري الإسرائيلي دون أي تباطؤ. فقد كشفت صور 10 مارس/آذار عن أعمال توسعة وإعادة تنظيم في نقطة عسكرية شرق مدينة غزة، وأعمال إزالة ركام من محيط الموقع العسكري المقام على تلة المنطار في حي الشجاعية، والذي يُعد أحد أكثر المواقع الاستراتيجية ارتفاعاً وإشرافاً على المدينة. وفي خانيونس جنوبي القطاع، رصدت الصور تعبيدا وتطويرا مستمرا لنقطة عسكرية بين 28 فبراير/شباط و10 مارس/آذار.

مصدر الصورة

أما أبرز أعمال البناء التي قام بها الاحتلال فقد ظهر في منطقة جحر الديك جنوب شرق مدينة غزة، حيث أظهرت الصور شقّ طريق يربط بين موقعين أحدهما عسكري والآخرتم تمهيده في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، تلته أعمال توسعة إضافية ظهرت في صور 15 مارس/آذار، ما يشير يرجح إلى تحويل الموقع الممهّد إلى نقطة عسكرية جديدة.

مصدر الصورة

ولا يمكن فهم هذا النمط من البناء العسكري المتواصل بمعزل عمّا كشفته مجموعة العمارة الجنائية (Forensic Architecture) في تحقيقها المنشور أواخر 2025، والذي رصد 48 موقعاعسكريا إسرائيليا شرق الخط الأصفر، منها 13 موقعاً أُنشئ بعد اتفاق التهدئة في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

مصدر الصورة

وبحسب التحقيق، فإن هذه المواقع لم تعد أكواماً ترابية مؤقتة كما كانت في البداية، بل تحولت إلى قواعد مُعبّدة ومُضاءة ومجهزة بأبراج مراقبة ومبانٍ جاهزة واتصالات دائمة، وهي مرتبطة بشبكة طرق تصلها بالبنية التحتية العسكرية الإسرائيلية خارج القطاع. وهذه كلها ليست ترتيبات مؤقتة لضمان "وقف إطلاق النار"، إنها بنية احتلال دائم تؤكده تصريحات المسؤولين الإسرائيليين.

"المنطقة العازلة الإسرائيلية في غزة ليست أداة أمنية محايدة، بل هي آلية استعمارية مألوفة لتحويل الأراضي المحتلة إلى مناطق استيطانية"

وفي مقال بعنوان "كل ما سيجدونه هو الرمل" نشره في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس في أبريل/نيسان 2026، وضع المعماري والباحث الإسرائيلي إيال وايزمان ما يجري في غزة ضمن إطار تحليلي أوسع يربط بين تدمير البيئة المبنية وإبادة شروط الحياة. يرى وايزمان أن المنطقة العازلة الإسرائيلية في غزة ليست أداة أمنية محايدة، بل هي آلية استعمارية مألوفة استُخدمت تاريخياً في الضفة الغربية والجولان لتحويل الأراضي المحتلة إلى مناطق استيطانية. كل "منطقة أمنية مؤقتة" تتحول مع الوقت إلى حقيقة دائمة على الأرض، وهو بالضبط ما تُظهره صور الأقمار الصناعية اليوم شرق الخط الأصفر.

الخط الذي تراه إسرائيل

والخط الأصفر نفسه بات يحمل دلالات تتجاوز كونه خطاً مؤقتاً لوقف إطلاق النار. ففي السابع من ديسمبر/كانون الأول 2025، وصفه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الفريق إيال زامير الخط صراحةً بأنه "خط حدودي جديد" لإسرائيل، و"خط دفاعي أمامي" و"خط نشاط هجومي". وأكد زامير أن إسرائيل تتمتع بـ"سيطرة عملياتية على أجزاء واسعة من قطاع غزة" وأنها "ستبقى على خطوط الدفاع هذه". هذا التصريح العلني يناقض مباشرةً اتفاق التهدئة الذي يشترط انسحابا إسرائيليا تدريجيا.

إعلان

ولم يكن زامير وحيداً في الكشف عن النوايا الإسرائيلية الحقيقية. ففي 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من مستوطنة بيت إيل في الضفة الغربية أن إسرائيل "لن تغادر غزة أبداً"، ووعد بإنشاء "نواتات ناحال" (غاريني ناحال – Garinei Nahal) في شمال القطاع، في إشارة صريحة إلى الكيبوتسات العسكرية الزراعية التي شكّلت النواة الأولى للمستوطنات حتى قبل تأسيس دولة الاحتلال مع النكبة.

"أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن إسرائيل لن تغادر غزة أبدا، ووعد بإنشاء مستوطنات في شمال القطاع"

ورغم أن مكتب كاتس تراجع لاحقا عن التصريح بناءً على ضغط أمريكي على ما يبدو، إلا أنه عاد بعد يومين ليؤكد رؤيته مجددا، قائلا إن هذا ما قاله منذ البداية وما يزال يقوله. حركة "نحلة" الاستيطانية رحّبت بتصريحات كاتس ووصفتها بأنها "خطوة صحيحة وذات معنى نحو استعادة الوجود اليهودي في غزة".

الإبادة لم تتوقف!

لكن البناء العسكري والتصريحات السياسية ليسا الوجه الوحيد لاستمرار الحرب. فرغم اتفاق التهدئة الموقّع في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تتوقف عمليات القتل الإسرائيلية في القطاع. بحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار إلى 750 شهيداً وأكثر من 2090 جريحاً حتى منتصف أبريل/نيسان 2026، ليصل إجمالي الشهداء منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 72300 شهيد و172 ألف جريح.

"منذ اتفاق التهدئة في أكتوبر 2025 وحتى منتصف أبريل 2026، ارتفع عدد الشهداء في غزة إلى 750 شهيدا وأكثر من 2090 جريحا وفق الأرقام الرسمية"

وتُعدّ هذه الأرقام حدا أدنى؛ إذ قدّرت دراسة ميدانية مستقلة نُشرت في مجلة ذا لانست في فبراير/شباط 2026 أن عدد القتلى الفعلي بسبب "العنف المباشر" حتى مطلع 2025 وحده بلغ نحو 75200، أي بزيادة تقارب 35% عن أرقام الوزارة الفلسطينية للفترة ذاتها، ما يعني أن الأرقام الرسمية تمثّل أرضية متحفظة بعكس الادعاءات الإسرائيلية.

وقد وثّق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أكثر من 2073 انتهاكاً إسرائيلياً لاتفاق التهدئة بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ومارس/آذار 2026، تضمّنت 750 حالة إطلاق نار مباشر على مدنيين، و973 عملية قصف جوي ومدفعي، و263 عملية هدم ممتلكات، و87 توغلا بريا في مناطق سكنية خارج الخط الأصفر.

وبحسب التحليلات المحدثة للجزيرة، فإن إسرائيل شنّت هجمات على غزة في 160 يوما من أصل 182 يوماً منذ بدء التهدئة، أي أن 22 يوماً فقط مرّت دون انتهاك إسرائيلي موثق. أما مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان فأكدت من جانبها مقتل 200 فلسطيني على الأقل منذ نهاية فبراير/شباط 2026 وحده، فيما حذّرت لجنة التحقيق الأممية في أبريل/نيسان 2026 من أن إسرائيل لا تزال ترتكب "أفعالاً إبادية"في القطاع.

والمسار الثالث الذي رصدته تحقيقاتنا يؤكد هذا المنطق التوسعي عبر الخروقات المتكررة للخط الأصفر ذاته. فقد أظهرت صور ملتقطة في 4 و10 مارس/آذار 2026 آثار آليات عسكرية إسرائيلية خارج حدود الخط الأصفر في شمال القطاع. وفي أحد المواقع، تكرّر التجاوز مرتين خلال الشهر ذاته، مصحوباً بأعمال حفر وتجريف محدودة، وهي خروقات تتعارض صراحةً مع اتفاق التهدئة الموقّع في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

إعلان

كما أظهرت الصور إنشاء ساترين ترابيين في بيت لاهيا يفصل بينهما أكثر من 580 مترا، في تعدٍّ واضح على حدود الخط المرسوم. وهذا يكشف عن منطق دائري وصفه وايزمان في تحليله بأن كل موقع عسكري "مؤقت" يصبح نقطة انطلاق للتوسع التالي، وكل خرق يُنتج واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه.

وقد وثّقت وحدة التحقيقات الرقمية في يناير/ كانون الثاني الماضي أن إسرائيل حرّكت العلامات الصفراء الخرسانية التي تحدد الخط إلى مناطق أعمق داخل القطاع في مواقع عدة، بمسافات تصل إلى مئات الأمتار عن الخرائط العسكرية الرسمية. وأكدت تقارير صحفية كذلك في يناير/كانون الثاني 2026 أن هذا التحريك يجري بصورة سرية ومن دون إنذار، مما يخلق واقعاً جغرافياً جديداً على الأرض يستبق أي تفاوض أو مواجهة.

لكن التحدي لا يقتصر على ما يجري في الميدان، بل يمتد إلى القدرة على توثيقه. فمنذ مارس/آذار 2026، فرضت شركة بلانت لابز (Planet Labs)، التي تُعد أبرز مزوّد تجاري لصور الأقمار الصناعية، قيوداً متصاعدة على الوصول إلى صور الشرق الأوسط، بدأت بتأخير 96 ساعة ثم توسعت إلى 14 يوماً، قبل أن تعلن في الرابع من نيسان/أبريل 2026 عن حجب "غير محدد المدة" لجميع الصور الملتقطة من مناطق النزاع اعتباراً من 9 آذار/مارس، استجابةً لطلب من الحكومة الأمريكية.

"كل موقع عسكري مؤقت في غزة يصبح نقطة انطلاق للتوسع التالي، وكل خرق يُنتج واقعا جديدا يصعب التراجع عنه"

كما فرضت شركة فانتور (Vantor) قيودا مماثلة على صور المناطق التي تعمل فيها القوات الأمريكية وحلفاؤها. هذه القيود، التي تُبرَّر بحماية القوات من الاستهداف، تُقيّد بشدة قدرة وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان على مراقبة ما يجري في غزة والمنطقة، وتحوّل التحقيق الاستقصائي القائم على صور الأقمار الصناعية إلى ممارسة شديدة الصعوبة.

تكشف هذه المعطيات مجتمعةً عن مشروع إعادة هندسة جغرافية وديموغرافية للقطاع يمضي بخطوات محسوبة ومتراكمة. الخط الأصفر الذي رُسم كخط مؤقت لوقف إطلاق النار يتحول إلى حدود دائمة بقوة الأمر الواقع، والمواقع العسكرية الـ48 شرقه تتحول من مخيمات ترابية إلى قواعد بنية تحتية متكاملة.

وبعد 6 أشهر من التهدئة، منحت منظمات أوكسفام وأنقذوا الأطفال وأطباء من أجل فلسطين خطة ترمب 5 نقاط من أصل 26، وهو فشل واضح على كل المحاور من حماية المدنيين، ووصول المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار، وحرية التنقل والعودة. أما المجلس التنفيذي الذي كان يُفترض أن يُشرف على إعمار غزة فلم يعقد اجتماعاً واحداً قبل أن تُجمّده الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران إلى أجل غير مسمى.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا