مع انتشار أنباء وقف إطلاق النار في التجمعات السكنية شمالي إسرائيل، دوّت صفارات الإنذار ثلاث مرات مساء أمس، محذّرة من صواريخ أطلقت من لبنان.
وفي سماء مدينة نهاريا الشمالية، أطلقت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية صواريخ اعتراض للتصدّي لها، ما تسبّب بانفجارات مدوّية. وقالت طواقم الإسعاف إن ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص أُصيبوا بشظايا في الساعات التي سبقت دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، من بينهم اثنان وُصفت إصابتهما بالخطِرة.
وعلى الأرض هنا، وفي مختلف أنحاء البلاد، تسود حالة من التشكيك في أسباب موافقة رئيس وزراء إسرائيل على الهدنة.
ويقول غال، وهو طالب من نهاريا: "أشعر وكأن الحكومة كذبت علينا. وعدونا بأن هذه المرة ستكون مختلفة، لكن يبدو أننا نتّجه مجدداً نحو اتفاق وقف إطلاق نار لا يحلّ شيئاً".
ويقول ماعور، وهو سائق شاحنة عمره 32 عاماً، تعرّض منزله لإصابة بصاروخ العام الماضي: "أعطينا الحكومة اللبنانية فرصة، لكنها فشلت في الالتزام بالاتفاق، ولم تنزع سلاح حزب الله".
وأضاف: "إذا لم نفعل ذلك نحن، فلن يفعل أحد. من المؤسف أنهم أوقفوا القتال. بدا وكأن هناك إنجازات كبيرة تحققت هذه المرة".
تنشر إسرائيل خمس فرق عسكرية في جنوب لبنان، وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قد قال، قبل يوم واحد فقط، إن القوات ستواصل تقدّمها.
وقد شكّل إعلان وقف إطلاق النار مفاجأة داخل إسرائيل - ويقال إن ذلك شمل حتى أعضاء في المجلس الوزاري الأمني المصغّر.
ووصفت وسيلة إعلام إسرائيلية تحظى باحترام واسع، أمس، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعا إلى اجتماع للمجلس الأمني قبل خمس دقائق فقط من إعلان وقف إطلاق النار.
وتشير تسريبات من الاجتماع إلى أن الوزراء لم يمنحوا فرصة للتصويت على الهدنة.
ويرى كثيرون في ذلك مثالاً جديداً على خضوع نتنياهو لضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف القتال، حتى عندما لا تتوافق الشروط أو التوقيت مع ما تريده إسرائيل.
وفي لبنان، ازدحمت الطرق بالمركبات بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، مع عودة السكان النازحين إلى منازلهم.
وقال غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق ورئيس حزب "يش عتيد": "يجب أن يأتي وقف إطلاق النار من موقع قوة، لخدمة المصالح الوطنية لإسرائيل".
وأضاف: "تشكّل نمط تفرض فيه علينا اتفاقات وقف إطلاق النار – في غزة، وفي إيران، والآن في لبنان. نتنياهو لا يعرف كيف يترجم الإنجازات العسكرية إلى مكاسب دبلوماسية".
وأوضح نتنياهو - بينما قدّم وقف إطلاق النار على أنه "فرصة للتوصّل إلى اتفاق سلام تاريخي مع لبنان" - أنه لم يقدّم سوى تنازلات محدودة على الأرض.
وقال إن حزب الله أصرّ على شرطين: انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، واعتماد مبدأ "الهدوء مقابل الهدوء".
وأضاف: "لم أوافق لا على الشرط الأول ولا على الثاني. هذان الشرطان غير متحققين. نحن باقون في لبنان ضمن منطقة أمنية موسّعة [...] نحن هناك، ولن نغادر".
وكانت إيران قد طالبت بإنهاء العمليات الإسرائيلية ضد حليفها حزب الله في لبنان، منذ موافقتها في وقت سابق من هذا الشهر على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مع الولايات المتحدة.
وبعد أن قال ترامب في البداية إن الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان "مواجهة منفصلة"، أوضح هذا الأسبوع أنه يحاول إيجاد ما وصفه بـ"قدر من فسحة التنفّس بين إسرائيل ولبنان"، في ظل تعثّر المفاوضات الأمريكية مع إيران، واقتراب موعد انتهاء فترة الهدنة الأسبوع المقبل.
وقد حرص كل من نتنياهو وقادة الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة على التأكيد أن وقف إطلاق النار الذي وافق عليه ترامب مع طهران لا يعني وقفاً لإطلاق النار في لبنان.
وأظهر استطلاع أجرته القناة 12 الإسرائيلية الأسبوع الماضي أن ما يقرب من 80 في المئة من المشاركين يؤيدون مواصلة الضربات ضد حزب الله.
كما أشارت ثلاثة استطلاعات منفصلة إلى أن غالبية الإسرائيليين تعارض أيضاً وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين الذي اتفق عليه ترامب مع إيران.
وقال موشيه دافيدوفتش، رئيس مجلس إقليم ماتيه آشر، لوسائل إعلام إسرائيلية: "يمكن توقيع الاتفاقات بربطة عنق في واشنطن، لكننا ندفع الثمن دماً وبيوتاً مدمّرة" في شمال إسرائيل.
وأضاف: "سكان الشمال ليسوا كومبارس في عرض علاقات عامة دولي".
وينصّ اتفاق الهدنة الذي وافقت عليه إسرائيل في لبنان بوضوح على أن إسرائيل "تحتفظ بحقّها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد هجمات مخطّطة أو وشيكة أو جارية" - على غرار ما فعلته خلال آخر وقف لإطلاق النار في نوفمبر 2024، حين واصلت شنّ ضربات منتظمة ضد أهداف اعتبرتها تهديداً.
ولا يرى سوى قلة من الإسرائيليين في هذه الهدنة مخرجاً من الصراع مع حزب الله.
لكن كثيرين يرون فيها دليلاً إضافياً على أن رئيسهم يتعرّض مجدداً لضغوط من أجل مواءمة سياساته مع مصالح واشنطن - وأن أهداف الحرب لدى الحليف الأمريكي الرئيسي ليست دائماً هي نفسها بالنسبة لإسرائيل.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة