آخر الأخبار

قصة جديدة من جحيم سيدي تيمان

شارك

غزة – لم تكن لحظة الإفراج عن الأسير المقعد يحيى أبو سيف، من قطاع غزة، معانقة للحرية بمفهومها العميق، بقدر ما كانت لحظات مثقلة بالقسوة والعجز، وهو الذي فقد معظم عائلته في حرب الإبادة على غزة، قبل أن يجد نفسه مريضا وعاجزا ومحمولا على كرسي متحرك، لم يمنع ذلك اعتقاله ولا ما رافقه من تنكيل.

في سجن "سيدي تيمان" سيئ السمعة، يقول أبو سيف – للجزيرة نت – إنه أمضى "أطول وأسوأ سنة" في عمره، وهو يواجه جسده ومرضه قبل أن يواجه سجانه، دون أن تتاح له فرصة التنقل على كرسيه المتحرك داخل السجن.

كان كل يوم يمر عليه يشبه الذي سبقه، لكن بثقل أكبر، وألم يتراكم بصمت. جسد لا يقوى على الحركة بسهولة، وتحقيق وشبح وتنكيل واحتياجات طبية لا تنتظر، وظروف لا تمنح مساحة كافية للراحة أو حتى للتخفيف من وطأة التعب. وفي هذا الإيقاع القاسي، تتحول تفاصيل حياته الصغيرة في سجنه إلى محطات شاقة تتطلب صبرا يفوق الوصف.

لم يكن السجن حول الأسير المحرر جدرانا فقط، بل حالة من العجز الإجباري، يجبر فيها على التعايش مع ما لا يستطيع تغييره. ومع غياب كرسيه المتحرك داخل المكان بعد رفض السجان إدخاله إليه، تحول التنقل البسيط عنده إلى عبء إضافي، وكأن الجسد يختبر في حدوده القصوى كل يوم.

حياة أبو سيف – كما يصفها – كانت نموذجا لمعاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، خاصة أصحاب الأحكام العالية والمؤبدات، والتي لم تقتصر على فقدان الحرية والعزل والتحقيق والتعذيب والتنكيل، بل تمتد لتشمل صراعا يوميا مع المرض في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية.

مصدر الصورة أبو سيف: في سجن "سيدي تيمان" قضيت أطول وأسوأ سنة (الجزيرة)

قلق دائم وانتظار مفتوح

بين أمراض مزمنة تتفاقم، وآلام لا تجد علاجا مناسبا، يعيش مئات الأسرى المرضى واقعا قاسيا تتحول فيه المعاناة الصحية إلى عبء إضافي يهدد حياتهم، بينما يعيش ذووهم حالة من القلق والألم، في ظل انقطاع التواصل مع أبنائهم وحرمانهم من الزيارات، بما في ذلك زيارات الصليب الأحمر، فضلا عن سياسات الإخفاء القسري، ما يزيد من حالة الغموض حول مصيرهم وأوضاعهم الصحية.

إعلان

وفي هذا السياق، تقول عفاف أبو السبح، والدة الأسير فادي أبو السبح، للجزيرة نت: "اعتُقل ابني في 18 مايو/أيار 2019 أثناء توجهه لتلقي العلاج في الضفة الغربية بموجب تحويلة طبية رسمية، رغم أنه كان يعاني من إصابات خطيرة في مختلف أنحاء جسده".

وتضيف: "حكم عليه بالسجن 5 سنوات، وكان من المفترض الإفراج عنه في 19 مايو/أيار 2024، لكن إدارة السجون رفضت إطلاق سراحه وقررت تمديد اعتقاله استنادا إلى قوانين الطوارئ والحرب الجديدة، التي تمنحها صلاحيات مفتوحة للإبقاء على الأسرى رهن الاعتقال إلى حين انتهاء حروبها على مختلف الجبهات دون سقف زمني واضح، الأمر الذي راكم آلامنا ومعاناتنا".

وتشير إلى أن وضعه الصحي يتدهور بشكل مستمر، "ابني يعاني من كسور متعددة، ويعيش بوجود صفائح معدنية في ساقيه، ومع ذلك يحرم من العلاج ومن نقله إلى المستشفى، بل وحتى من الزيارة، في انتهاك صارخ لكل الحقوق الإنسانية".

وتتابع: "تم نقله بين عدة سجون إسرائيلية، منها عسقلان وهداريم وريمون ونفحة، في ظروف قاسية تزيد من معاناته الصحية والنفسية، وكأن الألم لا يكفيه حتى يضاعفوه عليه".

وتختم بقولها: "ما يتعرض له ابني هو حكم بالموت البطيء، ونطالب بإنهاء معاناته فورا وتمكينه من العلاج والإفراج عنه، فاستمرار احتجازه بهذه الطريقة جريمة لا يمكن السكوت عنها".

أمراض خطيرة وإهمال طبي

ووفق نادي الأسير الفلسطيني، فقد تجاوز عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي حتى بداية أبريل/نيسان عام 2025 حاجز الـ 9600 أسير ومعتقل، من بينهم 84 أسيرة و350 طفلا.

وذكر أن من إجمالي الأسرى 116 أسيرا محكوما بالمؤبد، ومنهم ما يزيد على 1200 يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة. واستشهد أكثر من 89 أسيرا نتيجة الإهمال الطبي أو التجويع أو أثناء التحقيق والتعذيب، منهم 52 شهيدا من معتقلي غزة.

كما بلغ عدد المعتقلين الإداريين (بلا تهمة أو محاكمة أو سقف زمني) 3532، وهي أعلى نسبة بين الأسرى وفق النادي. فيما بلغ عدد من صنفهم الاحتلال تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين" 1251 معتقلا، علما أن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال.

ويؤكد رئيس نادي الأسير الفلسطيني عبد الله الزغاري للجزيرة نت تصاعد أعداد الأسرى المرضى الذين يعانون من أمراض خطيرة ومزمنة، في مقدمتها السرطان والفشل الكلوي والسكري وارتفاع ضغط الدم والجرب، إضافة إلى اضطرابات نفسية حادة نتيجة ظروف الاحتجاز القاسية.

ويقول للجزيرة نت: "لا تقف معاناة المعتقلين عند حدود المرض، بل تتفاقم بفعل سياسات ممنهجة تشمل سوء التغذية، وحرمانهم من وجبات كافية، وقطع المياه لفترات طويلة، ومنع الاستحمام، إضافة إلى عدم توفير الأدوية أو نقل الحالات الخطيرة إلى المستشفيات".

كما يشير إلى تصاعد الانتهاكات الجسدية والنفسية، بما في ذلك التعذيب والاعتداءات الممنهجة، التي أدت إلى وفاة عدد من المعتقلين، خاصة من قطاع غزة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، مؤكدا توثيق استشهاد العشرات تحت التعذيب كسياسة انتقامية داخل السجون.

مصدر الصورة عبده: الأسرى المرضى يُتركون دون علاج فعال، رغم إصابتهم بأمراض خطيرة (الجزيرة)

أخطر أوجه الانتهاكات

في ظل هذا الواقع، تتعالى الدعوات لتدخل دولي عاجل يضمن حماية الأسرى المرضى، ووقف الانتهاكات بحقهم، وتوفير الرعاية الصحية اللازمة وفق المواثيق الدولية والإنسانية.

إعلان

وهنا يصف مدير الإعلام بوزارة الأسرى والمحررين في غزة إسلام عبده في حديثه للجزيرة نت ملف الأسرى المرضى بأنه "أحد أخطر أوجه الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية، في ظل سياسة القتل البطيء والممنهج".

ويوضح أن الأسرى المرضى يُتركون دون علاج فعال، رغم إصابتهم بأمراض خطيرة، مع تأخير متعمد في التحويلات الطبية والفحوصات، مما يؤدي إلى تدهور حالتهم بشكل خطير قد يفضي إلى الوفاة.

أما المختص في شؤون الأسرى والأسير السابق أحمد أبو راس فيقول إن أوضاع الأسرى المرضى تتدهور بشكل "غير مسبوق"، في ظل سياسات ممنهجة تهدف إلى إنهاكهم جسديا ونفسيا.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن "مئات الأسرى المرضى يُحرمون من التشخيص المبكر والعلاج، وتؤجل تحويلاتهم الطبية، بينما تُستخدم العيادات داخل السجون كإجراء شكلي لا يقدم علاجا حقيقيا، ما أدى إلى استشهاد عدد منهم".

مصدر الصورة أبو دقة: قضية الأسرى المرضى يجب أن تكون على رأس الأولويات الإنسانية والحقوقية (الجزيرة)

ممارسات خارج القانون الدولي

في ظل تصاعد الانتهاكات بحق الأسرى داخل السجون، تتزايد المخاوف الحقوقية والإنسانية بشأن أوضاع الأسرى المرضى، حسب عضو لجنة الأسرى والقوى الوطنية والإسلامية عصام أبو دقة، في حديثه للجزيرة نت: "قضية الأسرى المرضى يجب أن تكون على رأس الأولويات الإنسانية والحقوقية، وإنقاذ حياتهم مسؤولية لا يمكن تأجيلها، لأن الحق في العلاج والكرامة حق أساسي لكل إنسان مهما كانت الظروف".

بينما يقول مسؤول الإعلام في مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان عبد القادر هيلان إن م ا يجري من انتهاكات بحق الأسرى، من إهمال طبي ممنهج، خاصة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023 "يمثل اختبارا حقيقيا لمنظومة العدالة الإنسانية"، مشددا على أن إنقاذ حياة الأسرى المرضى "واجب فوري لا يحتمل التأجيل، خاصة في سياق ما خلفته الحرب من أعباء إنسانية مضاعفة".

ويحمل الاحتلال مسؤولية عرقلة جميع الإجراءات التي تقوم بها المؤسسات الحقوقية والدولية المتعلقة بملف الأسرى، بما في ذلك تقويض الجهود الرامية إلى تطبيق المعايير القانونية والإنسانية ذات الصلة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا