في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت- في قلب مبنى صامت تأسس في ثمانينيات القرن الماضي في بيروت، والمعروف بـ"مستشفى الشرق الأوسط"، تتكشف اليوم حكاية مختلفة تماما عما أنشئ من أجله المكان.
لم يعد المستشفى فضاء للعلاج، بل تحول بفعل الحرب والنزوح إلى مركز إيواء يضم مئات العائلات التي لم تجد ملاذا آخر، لتستعيد جدرانه حياة مؤقتة وثقيلة، يختلط فيها البقاء بالانتظار.
داخل هذا المبنى الذي فتح تحت ضغط الحاجة، تجلس أميرة في زاوية تطل على الممرات المكتظة بالعائلات، تتحدث بصوت منهك، وتقول للجزيرة نت إنهم حين وصلوا إلى المكان وجدوه مهجورا منذ نحو 30 عاما، بلا تجهيزات ولا مقومات حياة، لكنهم لم يملكوا خيارا سوى فتح أبوابه أمام العائلات التي تقطعت بها السبل.
تستعيد أميرة لحظة الوصول الأولى، وتصفها بأنها كانت فوضوية وثقيلة بالاحتياج. شيئا فشيئا، بدؤوا باستقبال العائلات حتى تجاوز العدد 550 شخصا، ليتحول المبنى سريعا إلى فضاء مزدحم بالحياة والقلق معا. كانت الغرف، كما تقول، أقرب إلى فراغات منسية، فاضطر كل من وصل إلى أن يصنع مكانه من الصفر.
واضطرت آلاف العائلات في جنوب لبنان ومناطق متفرقة من البلاد إلى مغادرة منازلها في ظل القصف الإسرائيلي المتواصل على البلاد منذ الثاني من مارس/آذار الماضي، بحثا عن أماكن أكثر أمانا داخل المدن، مما أدى إلى ظهور مراكز إيواء غير تقليدية، من بينها مبان مهجورة تحولت إلى ملاذ مؤقت للنازحين.
كل عائلة تولت تنظيف غرفتها بما تيسر، وفي كثير من الحالات تقاسمت أكثر من عائلة الغرفة الواحدة، في محاولة جماعية لإزالة الغبار وإعادة ترتيب ما يمكن ترتيبه من حياة معلقة بين الحرب والنجاة.
وتستعيد أميرة تفاصيل الأيام الأولى، حين طفحت مياه الصرف داخل المبنى، قبل أن يتدخل أحد فاعلي الخير لإصلاح جزء من المشكلة وتخفيف حدتها، لكن أزمة المياه بقيت، كما أن الإمدادات تصل مرة أو مرتين في اليوم فقط، وبكميات لا تكفي احتياجات هذا العدد الكبير من الناس، الذين يبحثون عن الحد الأدنى من حقهم في النظافة والعيش الكريم.
وبهدوء، تشير إلى أن بعض العائلات لا تملك مكانا آخر تلجأ إليه، في حين اختارت هي البقاء رغم قدرتها على المغادرة، لأن الرحيل يعني ترك الآخرين وحدهم، وتقول إن هذا المكان، بكل ما فيه من هشاشة، تحول إلى خيار جماعي للبقاء لا أكثر.
ثم تنتقل للحديث عن تفاصيل الحياة اليومية داخل المركز: حفاضات لا تكفي، حليب أطفال يطلب باستمرار، ومستلزمات أساسية تؤمن بصعوبة. ومع ذلك، نشأت داخل المبنى مبادرة صغيرة أطلقها متطوعون لتوزيع ما يتوفر من مساعدات، في محاولة لتخفيف بعض العبء عن العائلات.
في طوابق المبنى، تشير أميرة إلى مشهد متناقض فتم تنظيف وتأهيل سبعة طوابق من المبنى تدريجيا لتصبح صالحة للسكن، فيما تبقى الطوابق من 8 حتى 12 مناطق شبه مهجورة، تفتقر إلى المياه والكهرباء وتغرق في الإهمال، وكأنها خارج حدود الحياة.
أما الكهرباء، فتدار بإمكانات محدودة، بعد أن جرى تأمينها عبر تبرع خلال الشهر الماضي، في حين تتحمل العائلات هذا الشهر كلفة الاشتراك بواقع 10 دولارات لكل غرفة. والغاز يصل أحيانا عبر مساعدات متقطعة، وأحيانا أخرى يضطر السكان لتأمينه بأنفسهم، في ظل واقع اقتصادي لا يرحم.
وتختم أميرة حديثها بنظرة طويلة نحو الممر الممتد أمامها، قائلة إن ما يعيشونه داخل هذا المبنى "لا يشبه السكن"، بل هو محاولة يومية للتكيف مع واقع قاس فرضته الحرب والنزوح.
في زاوية أخرى من المبنى نفسه، تقف النازحة جميلة شبلي داخل "المطبخ"، وهي مساحة تحولت من ركن خدمي إلى قلب نابض للحياة اليومية، تتفقد بيدها ما توفر من خضار ومواد أولية، وتعيد ترتيبها بعناية، كأنها تحاول أن تستعيد من هذا الركن الضيق شيئا من الاستقرار وسط الفوضى.
بين صوت الغليان الخافت وتصاعد البخار، تعود جميلة إلى البدايات، حين قررت مجموعة من الفتيات فتح هذا "المطبخ" بأيديهن، ليكون أكثر من مجرد مكان للطهي، بل مساحة حياة صغيرة داخل مركز الإيواء.
لم يكن المطبخ مجرد موقع لإعداد الطعام، بل تحول تدريجيا إلى مساحة أمان، الفتيات يتولين كل التفاصيل بأنفسهن، يقطعن الخضار، يطهين الطعام، ويتابعن كل مرحلة بدقة نابعة من حاجة عميقة لمعرفة ما يصل إلى موائدهن وموائد أطفالهن، في مواجهة قلق الوجبات الجاهزة ومصادرها المجهولة.
في هذا الركن، تتراكم ملامح حياة غابت خلف النزوح: أوان بسيطة مصطفة، بخار يتصاعد بصمت، وروائح طعام تستدعي ذاكرة البيوت البعيدة. لا يقتصر الطبخ على سد الجوع، بل يتحول إلى محاولة يومية لترميم ما تكسر، وإعادة خلق إيقاع حياة مألوف داخل بيئة قاسية.
تقوم المبادرة بالكامل على جهود الفتيات، اللواتي يؤمن ما تيسر من المواد الأساسية في سباق دائم مع النقص. لكن شح الإمكانات يفرض إيقاعه القاسي فغالبا ما يكون الغداء وجبة واحدة، لا تكفي لتلبية احتياجات العائلات المتزايدة.
ومع انقضاء النهار، يتسلل القلق إلى تفاصيل الليل، كثيرون ينامون وهم يفكرون في وجبة لم تتوفر، أو في فطور بسيط قد يخفف من ثقل يوم جديد. تحاول الفتيات أحيانا إعداد وجبة صباحية إضافية، لكن محدودية الموارد تجعل الاستمرار تحديا يوميا.
بصوت يختلط فيه الامتنان بالعجز، تختصر جميلة حكاية المكان: ليس "المطبخ" مجرد مصدر للطعام، بل محاولة يومية للحفاظ على كرامة تتآكل تحت ثقل النزوح، وإبقاء ما تبقى من الحياة حيا، ولو بقدر وجبة.
من جانبه، يوضح المدير اللوجستي لدى منظمة أطباء بلا حدود في منطقة بيروت، محمد دندش، في حديثه للجزيرة نت، أن الفرق الميدانية وصلت إلى مستشفى الشرق الأوسط في 13 مارس/آذار الماضي، لتتبين منذ اللحظة الأولى الحاجة الملحة لإعادة تأهيل شبكات المياه والمرافق الصحية.
ويشير دندش إلى أن التدخلات شملت تأمين خزانات مياه، حيث جرى توفير نحو 10 آلاف لتر في الطابق الأرضي، و8 آلاف لتر على السطح، بهدف تأمين الحد الأدنى من احتياجات المقيمين، إلى جانب تمديد شبكات المياه وصيانة المرافق الصحية.
ويتابع أن العمل نفذ على مرحلتين؛ بدأت الأولى بصيانة تدريجية للحمامات، حماما تلو الآخر في كل طابق، قبل الانتقال إلى تأهيل معظم الحمامات من الطابق السابع حتى الأرضي، لتصبح قابلة للاستخدام، في ظل قدم المبنى وتهالك بنيته التحتية.
ويؤكد دندش أن الجهود لا تقتصر على البنية التحتية، بل تمتد إلى تأمين احتياجات النظافة الشخصية، بالتنسيق مع فرق الحد من المخاطر والجهات الرسمية، إضافة إلى دعم توفير مياه الشرب ومياه الخدمة، في محاولة لتخفيف الضغط عن آلاف المقيمين داخل هذا المركز الطارئ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة