آخر الأخبار

انهيار “الجدار الطيب”.. كيف تغيرت خطط إسرائيل في جنوب لبنان بعد 7 أكتوبر؟ | الحرة

شارك

تمثل منطقة جنوب لبنان في الوجدان السياسي والعسكري الإسرائيلي معضلة جغرافية وتاريخية عابرة للأجيال، حيث تحولت هذه البقعة من الأرض من ريف زراعي هادئ إلى ساحة اختبار لسيناريوهات الأمن القومي الإسرائيلي بعد تحولها في فترات مختلفة من التاريخ إلى منطلق للعمل المسلح ضد إسرائيل.

وتعود هذه المنطقة الممتدة من الحدود اللبنانية – الإسرائيلية حتى نهر الليطاني شمالا، إلى الواجهة مجددا بعد اجتياحها من قبل الجيش الإسرائيلي بهدف طرد مقاتلي “حزب الله” وإبعادهم عن الحدود. وتكشف المواجهة الإسرائيلية المستمرة مع “حزب الله” بعد السابع من أكتوبر 2023، عن محاولة إسرائيلية حثيثة لفك ارتباط الجغرافيا بالديموغرافيا عبر استراتيجيات تتراوح بين الهدم الممنهج للقرى الحدودية اللبنانية وإنشاء منطقة عازلة دائمة خالية من السكان على حدودها مع لبنان.

لا يمكن فهم الخطط الإسرائيلية التي أعدتها في السابق وتعدّها اليوم لجنوب لبنان، من دون العودة إلى تاريخ إعلان دولة إسرائيل في العام 1948، وهو العام الذي يسميه الفلسطينيون في أدبياتهم عام “النكبة”. الباحث والمؤرخ اللبناني أحمد بيضون يرى في دراسته المعنونة بـ “الشريط الحدودي في لبنان الجنوبي – نظرة محلية”، أن “مأساة الجنوب هي ابنة النكبة الفلسطينية”. يشرح بيضون أن الآلاف من الفلسطينيين في ذلك الحين عبروا الحدود إلى لبنان، وكان معظمهم من منطقة الجليل.

وكان لسكان لبنان الجنوبي، المسيحيين منهم والمسلمين علاقات تقليدية وثيقة في مجالات العمل والتجارة والصداقة، وحتى التصاهر، بسكان فلسطين الشمالية. ومع قيام إسرائيل، فُرضت عزلة قسرية على الجنوب، ما دفع السكان للتوجه نحو بيروت في هجرات ريفية واسعة، وبدأت إسرائيل منذ الخمسينيات ممارسة سياسة “القضم” التدريجي للحدود، بحسب بيضون، حيث كانت تزيح العلامات الحدودية أمتارا هنا وهناك لامتصاص الأراضي الزراعية.

تطورت الأمور مع نهاية الستينيات عندما تحول الجنوب إلى “أرض فتح”، خصوصاً بعد توقيع اتفاق القاهرة في العام 1969، الذي شرع العمل الفلسطيني المسلح من جنوب لبنان. يوضح بيضون أن الوجود العسكري الفلسطيني الجديد اكتسب شعبية أولية بين أبناء القرى الحدودية بسبب التيار القومي العربي، لكنه سرعان ما اصطدم بالواقع المحلي. السكان الذين عانوا مأساة 1948 لم يرغبوا في تكرارها على أرضهم، وبدأوا يشعرون أن وجود القواعد العسكرية وسط قراهم يحولهم إلى دروع بشرية وأهداف للقصف الإسرائيلي. هذا التوتر هو الذي خلق الفراغ الذي استغلته إسرائيل لاحقاً لزرع وكلائها المحليين، بعد طرد الفدائيين الفلسطينيين خارج لبنان في اجتياح العام 1982.

مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وتفكك الجيش اللبناني على أسس طائفية، وجدت إسرائيل فرصتها الذهبية لإنشاء “جيش بديل” يحمي حدودها الشمالية دون الحاجة لتوريط جنودها بشكل دائم. هنا برز اسم الرائد سعد حداد، الضابط الذي انشق عن الجيش اللبناني ليؤسس ما عرف بـ “جيش لبنان الحر” ثم “جيش لبنان الجنوبي”.

كان خطاب حداد يرتكز على فكرة حماية الأقليات من “الغزو الغريب”، وهو مصطلح كان يقصد به الفلسطينيين أولاً، ثم السوريين والإيرانيين لاحقاً. في مقابلة مسجلة تعود لعام 1979، عبّر حداد عن مخاوفه من التغلغل الإيراني المبكر في المنطقة: “الجميع يعلم أن المجموعة الأولى من الإيرانيين المجندين وصلت إلى سوريا بدمشق.. نحن متأكدون من مصادر معلومات موثوقة. نيتهم واضحة، فهم لا يأتون كزوار، بل يأتون كإرهابيين. إنهم يأتون لبدء عمل عسكري ضدنا وضد إسرائيل، ومن أجل ذلك قررنا أن نكون على أهبة الاستعداد الكامل في كل المنطقة… إنهم يعلمون أن قدومهم ليس للمنفعة، بل لتدمير بلدهم وإجبارهم على الهجرة لإعطاء الأرض لمنظمة التحرير الفلسطينية”.

أسس حداد ما يشبه “الدويلة” في الشريط الحدودي، بدعم مالي وعسكري إسرائيلي كامل. كانت إسرائيل تضخ نحو 35 مليون دولار سنوياً لدعم ميليشياته ولم يكن التعاون عسكرياً فقط، بل شمل مشروع “الجدار الطيب” الذي اعتمده إسرائيل في العام 1976، لفتح الحدود الاسرائيلية مع سكان القرى الحدودية اللبنانية وتقديم خدمات طبية واقتصادية لهم، بهدف كسب ولائهم وتحويل المنطقة إلى حزام أمني لمواجهة الفصائل الفلسطينية.

لكن هذا النموذج، رغم استمراره لسنوات، كان يحمل، بحسب دراسة أحمد بيضون، بذور فنائه بداخله. فقد أدى التلاعب الإسرائيلي بمخاوف الأقليات إلى تعميق الشرخ الطائفي. يروي أحمد بيضون كيف أن إسرائيل وعبر وكلائها الكتائبيين والمحليين، عمدت إلى تدمير قرى شيعية وسنية بالكامل (مثل قرية حانين ويارين ومروحين) لتأمين تواصل جغرافي بين الجيوب المارونية. هذا الفعل ولد مرارة عميقة لدى السكان الشيعة الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة المنظمات الفلسطينية وسندان الاحتلال ووكلائه. وانتهت هذه التجربة تماماً في العام 2000 مع انسحاب الجيش الإسرائيلي وانهيار جيش لبنان الجنوبي، وتوزعت عناصره بين من سلموا أنفسهم للدولة اللبنانية ليحاكموا محاكمات شكلية ويعفى عنهم ضمن تسوية، وبين من دخلوا إلى إسرائيل مع عائلاتهم حيث يعيشون اليوم هناك.

مراسل “الحرة” في إسرائيل يحيى قاسم، يشرح، بناء على النقاش الداخلي الإسرائيلي ان إعادة استخدام أفراد جيش لبنان الجنوبي سابقاً، الموجودين والمتجنسين في إسرائيل، لإدارة منطقة تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان اليوم، يبدو سيناريو مستبعد نوعا ما بالنظر الى التحولات الاجتماعية التي طرأت عليهم. بحسب قاسم، فإن لدى هؤلاء مشاكل اقتصادية واجتماعية وفي بعض الاحيان انفصام بين هويتهم اللبنانية والاسرائيلية وفقا للكثير من التقارير.

أما فيما يتعلق بإيجاد عناصر لبنانية تتعامل مع إسرائيل في جنوب لبنان، على غرار ما حدث قبل العام 2000، فهذا ايضاً سيناريو مستعبد، بحسب تقديرات قاسم، لان الواقع السياسي والأمني في لبنان مختلف عما كان عليه في سنوات الثمانينيات والدولة تبدو أكثر قوة مما كانت عليه سابقاً قبل اتفاق الطائف، و”مع كل الانتقادات والوهن الذي تبديه في حصر سلاح حزب الله لكنها لا تزال تشكل هيكلاً سلطوياً قوياً هناك ولا نقاش في إسرائيل اليوم حول مثل هذا السيناريو”.

كوبي مايكل، الباحث الكبير في معهد “مسغاف” وفي معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، يمثل صوت العقل الاستراتيجي الإسرائيلي الذي لا يثق في الوكلاء المحليين ولا في الوعود السياسية. في مقابلة مطولة مع “الحرة” حول الوضع في لبنان، يوضح مايكل أن إسرائيل غيرت عقيدتها الأمنية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، وانتقلت من استراتيجية “الاحتواء” إلى استراتيجية “المسؤولية المباشرة”.

“إسرائيل ليس لديها مطالب أو طموحات إقليمية عندما يتعلق الأمر بلبنان. إسرائيل لديها مطالب أمنية فقط. المشكلة هي أن دولة لبنان، أو حكومة لبنان، والجيش اللبناني غير قادرين على القيام بما يتعين عليهم القيام به وفقاً للالتزامات التي أخذوها على عاتقهم. الجيش اللبناني غير قادر، وأعتقد أنه حتى غير راغب، في مواجهة حزب الله وتفكيكه. هناك شريحة شيعية كبيرة جداً في الجيش اللبناني تتماهى مع حزب الله أو حتى تدعمه. لذا، لا يوجد تماسك كافٍ في الجيش اللبناني للقيام بمثل هذه المهمة”.

يرى مايكل أن نهر الليطاني هو “العلامة الميدانية للمنطقة العازلة” التي ستمكن الجيش الإسرائيلي من منع حزب الله من دخول المنطقة وترهيب سكان الشمال. وهو يرفض بشكل قاطع فكرة إعادة إحياء “جيش لبنان الجنوبي” أو البحث عن خليفة لسعد حداد، معتبراً أن إسرائيل لا تريد تكرار هذه التجربة. وبدلاً من الاعتماد على وكيل محلي، يقترح مايكل استراتيجية تعتمد على “إضعاف حزب الله إلى درجة تجبر الدولة اللبنانية على تحمل مسؤوليتها”، مع احتفاظ إسرائيل بحرية العمل العسكري الكاملة لضرب أي تهديد ينشأ، وهذا أقرب إلى الاتفاق الذي توصلت إليه إسرائيل في غزة.

كما يطرح مايكل مقارنة مهمة بين المنطقة العازلة المنشودة في لبنان وتلك الموجودة في غزة (الخط الأصفر) والجولان السوري، مؤكداً أن إسرائيل ستتولى المسؤولية بنفسها طالما أن الطرف الآخر “دولة فاشلة”.

هذا الأمر يمكن إيجاد ملامح له في كلام لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أعلن بوضوح أن إسرائيل لن تكتفي بدفع مقاتلي “حزب الله” إلى شمال الليطاني، بل ستعمل على تدمير “البيئة الحاضنة” بالكامل في الشريط الحدودي. تشمل الخطة، وفقاً للتقارير العسكرية الإسرائيلية، هدم كافة القرى والبلدات اللبنانية الواقعة في الخط الحدودي الأول بعمق يتراوح بين 3 إلى 8 كيلومترات. والهدف هو منع عودة السكان بشكل دائم وتحويل هذه المنطقة إلى أرض خالية من السكان ومن أي بنية تحتية يمكن أن يستخدمها حزب الله مستقبلاً.

يقول كاتس في تصريحات نقلتها صحيفة “الغارديان” البريطانية: “في نهاية العملية، سيسيطر الجيش الإسرائيلي على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، بما في ذلك جسور الليطاني المتبقية، مع القضاء على قوات الرضوان التي تسللت إلى المنطقة وتدمير كافة الأسلحة هناك، سيتم تدمير جميع المنازل القريبة من القرى وفقاً لنموذج رفح وبيت حانون في غزة”.

من هنا، يبدو ان مصير الجنوب اللبناني تتقاذفه ثلاث سيناريوهات أمنية، ترسم مستقبل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني:

السيناريو الأول، يتضمن حزاماً أمنياً، ولكن بدلاً من إقامة ثكنات ثابتة تكون أهدافاً سهلة لـ”حزب الله”، ستعتمد إسرائيل على السيطرة الذكية، باعتماد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة للسيطرة الأمنية الجوية على المنطقة.

السيناريو الثاني تسوّق له الحكومة اللبنانية، وهدفه تجنيب الجنوب اللبناني الاحتلال الإسرائيلي، وهي خطة نزع سلاح الحزب، التي كانت معتمدة منذ وقف اطلاق النار الأول بين “حزب الله” وإسرائيل في نهاية العام 2024، وتتضمن الخطة نشر عشرة آلاف جندي لبناني جنوب نهر الليطاني وتفكيك بنية “حزب الله” التحتية تحت إشراف لجنة المراقبة الدولية (الميكانيزم) التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا. كوبي مايكل يرى أن هذا السيناريو “مثالي” لكن أثبت أنه غير واقعي، بعدما تبين ان “حزب الله” كان طوال الوقت يعيد بناء قدراته حتى هاجم إسرائيل مجدداً بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. ايضاً بالنسبة إلى مايكل، العقبة امام تطبيق هذا السيناريو، هو افتقار الجيش اللبناني للرغبة والقدرة على الدخول في مواجهة عسكرية مع “حزب الله”.

أما السيناريو الثالث، فيبدو الأكثر رجحاناً في ظل المعطيات الراهنة، وهو يعتمد على سيطرة نارية وعسكرية إسرائيلية على الشريط الحدودي دون احتلال إداري، بينما يواصل “حزب الله” عملياته من شمال الليطاني ومن بين الأنقاض، ما لم يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار يضمن لإسرائيل حماية مناطق الشمال من صواريخ الحزب ومن أي سيناريو شبيه بالسابع من أكتوبر 2023 في غزة.

من مساوئ هذا السيناريو انه يعني استمرار تبادل القصف بين إسرائيل و”حزب الله” مع تحول جنوب نهر الليطاني إلى منطقة رمادية وغير مأهولة، ما سيترتب عليه ضغطاً ديموغرافياً وطائفياً، مرده إلى تهجير القرى الشيعية مع إبقاء القرى المسيحية والدرزية على الشريط الحدودي، بشرط أن يقوم سكان هذه القرى برفض السماح لعناصر “حزب الله” باستخدام مناطقهم لتنفيذ أعمال عسكرية ضد إسرائيل.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا