في زوايا البيوت المهدمة، وعلى حواف الانتظار الطويل، يكبر أطفال في قطاع غزة وهم يحملون أعمارا أثقل من سنواتهم، بعدما تحولت طفولتهم إلى مساحة ممتدة من الغياب والخوف. لم يعد اللعب أولوية، ولا الأحلام بريئة كما ينبغي، بل صارت مشروطة بعودة آباء غيبتهم السجون، وتهددهم اليوم قوانين أشد قسوة.
مع تصاعد الحديث عن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، لم يكن الخبر بالنسبة لهؤلاء الأطفال مجرد عنوان سياسي، بل أصبح زلزالا عاطفيا ضرب ما تبقى من يقينهم بأن آباءهم سيعودون يوما.
عبير المبيض، طفلة لم تتجاوز سنواتها الأولى، تختصر وجعا لا يقاس بالكلمات؛ تقول بصوت يختنق بالشوق "إلي سنة ونص ما شفتش بابا.. نفسي أرجع أحضنه". إلى جانبها، يقف شقيقها حمدان، يستعيد لحظة الاعتقال كأنها حدثت أمس، ويردد بحسرة "مشتاق لبابا كتير"، وكأن الذكرى تحولت إلى عبء يومي يرافقه في تفاصيل حياته الصغيرة.
أما جوري صبيح، فوجدت في الأحلام ملاذا مؤقتا، تزور فيه والدها كل ليلة، تحفظ كلماته، وتعيد ترتيبها في ذاكرتها خوفا من أن تنساها، إذ تقول وهي تتمسك بأمل هش "بتذكر كل كلمة حكالي إياها.. وبستناه يرجع".
في مكان آخر، لا يجد الطفل عبد العزيز شعث تعبيرا أعقد من جملة واحدة، لكنها تختصر كل شيء "أنا بديش بابا يموت.. بدي إياه يرجع". جملة بسيطة، لكنها تحمل خوفا أكبر من عمره، وتكشف حجم الرعب الذي تسلل إلى قلوب الأطفال مع كل خبر جديد.
وتزداد الصورة قسوة في حكاية جنى حامد، التي تشير إلى أن شقيقتها الصغيرة لم تتعلم بعد نطق كلمة "بابا"، وكأن الغياب لم يسرق فقط وجود الأب، بل حتى حضوره في اللغة الأولى للأطفال، تقول "إحنا كبرنا وهو مش معنا.. بس لسه بنستناه".
حين وصل خبر القانون إلى هؤلاء الأطفال، لم يكن رد الفعل مجرد قلق، بل صدمة كاملة؛ أحدهم يروي "لما سمعت إنهم بدهم يعدموهم.. بكيت كثير، كان أسوأ يوم بحياتي"، في لحظة تختصر كيف يمكن لقرار سياسي أن يتحول إلى خوف يومي يسكن طفولة كاملة.
هذه الأصوات الصغيرة، التي ترتجف بين الحنين والخشية، لا تطلب الكثير. لا تبحث عن شعارات ولا تحليلات، بل عن حق بسيط:
في غزة، لا يكبر هؤلاء الأطفال فقط، بل يكبر معهم الانتظار.
المصدر:
الجزيرة