آخر الأخبار

هرمجدون.. المعركة الأخيرة وورقة تجييش الحروب

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

مفهوم متعدد الأبعاد، يشير في الوقت نفسه إلى موقع جغرافي في أرض فلسطين، وإلى حدث تنبّئي يُصوَّر على أنه المعركة الحاسمة بين قوى الخير والشر في نهاية الزمان، كما يُستعمل استعارة ثقافية وسياسية حديثة للدلالة على الكارثة الكونية الشاملة.

يعود الأصل اللغوي للمصطلح إلى العبارة العبرية "هار مجيدو"، أي جبل مجدّو المشرف على سهل مرج ابن عامر، وهو موقع ارتبط تاريخيا بسلسلة من المعارك المفصلية التي أسهمت في ترسيخ رمزيته الأخروية.

ومع تطور دلالاته، انتقل من كونه اسما لمكان محدد إلى مفهوم لاهوتي يعكس تصورات نهاية التاريخ في التراثين اليهودي والمسيحي، ويقابله في التراث الإسلامي عدد من المفاهيم، أبرزها "الملحمة الكبرى".

وفي السياق المعاصر، توسّع استخدام المصطلح ليشمل أبعادا رمزية في الخطاب الديني والسياسي والإعلامي، إذ يُستدعى لوصف الحروب واسعة النطاق، أو الكوارث البيئية والنووية، أو التوترات الجيوسياسية التي تُقدَّم باعتبارها مواجهة نهائية بين قوى متقابلة، بما يعكس تحوّله إلى أداة تفسيرية في قراءة الأزمات الكبرى.

مصدر الصورة تل مجدو هو موقع في فلسطين المحتلة ستتجمع فيه الجيوش للمعركة النهائية، وفقا لسفر الرؤيا في العهد القديم (غيتي)

أصل الكلمة

تعود جذور مصطلح "هرمجدون" إلى أصل عبري مركب من كلمتين هما "هار" بمعنى الجبل، و"مجيدو" وهو موقع أثري قديم قائم على تل يُشرف على سهل مرج ابن عامر في فلسطين، وهو موقع تجمّع الجيوش للمعركة النهائية، وفقا لسفر الرؤيا في العهد القديم، الكتاب المقدس لدى اليهود.

واكتسبت مجيدو أهمية إستراتيجية منذ العصور القديمة، إذ كانت مسرحا لمعارك حاسمة أسهمت في ترسيخ رمزيتها ساحة للصراعات الفاصلة.

ومع ذلك، يثير المصطلح إشكالا جغرافيا، إذ إن الموقع في حقيقة الأمر تل أثري لا يرقى إلى وصف "جبل" بالمعنى الدقيق. وورد المصطلح مرة واحدة في العهد الجديد، في سفر الرؤيا بصيغته اليونانية، قبل أن ينتقل إلى اللغات الأوروبية بلفظ "أرماجدون" (Armageddon) الأكثر شيوعا.

إعلان

وشكّل هذا الاستخدام لغزا لدى الباحثين، نظرا لعدم وجود موقع توراتي يحمل اسم "جبل مجيدو"، مما دفع إلى اقتراح تأويلات بديلة، منها ربطه بـ"هار موعد" (جبل الاجتماع) في سفر إشعياء، في إشارة رمزية إلى جبل صهيون أو القدس، أو اشتقاقه من جذر يفيد معنى "القطع" ليحمل دلالة "جبل المذبحة"، أو حتى ربطه بفكرة تدمير بابل بوصفها "الجبل المهلك".

وفي العربية، انتقل المصطلح بصيغ متعددة مثل: هرمجدون، أرماجيدون، وأرمجدون، مع بقاء الأثر الصوتي الغربي حاضرا. ومع مرور الزمن، تحوّل من اسم علم لموقع محدد إلى مفهوم رمزي فضفاض يُستخدم للدلالة على الصراع النهائي الكارثي أو نهاية العالم، وهو استعمال ترسّخ في اللغات الغربية منذ القرن التاسع عشر واتسع في الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر.

كما يختلط مفهوم "هرمجدون" بعدد من المصطلحات اللاهوتية، مثل "الأبوكاليبس" الذي يعني في أصله اليوناني الكشف أو الوحي وليس الدمار بالضرورة، و"علم الأخرويات" المعني بدراسة النهايات في الأديان، و"الاختطاف" الذي يشير في بعض العقائد المسيحية إلى رفع المؤمنين قبل أو أثناء الأحداث النهائية.

وتبرز إشكالية الترجمة إلى العربية، إذ قد يؤدي استخدام تعبيرات مثل "نهاية العالم" أو "يوم القيامة" إلى إسقاط تصورات لاهوتية غير منسجمة مع الإطار الإسلامي. لذلك برز مصطلح "الملحمة الكبرى" بوصفه معادلا تقريبيا ضمن السياق الإسلامي، مع الإقرار بوجود فروق دلالية. وبناء عليه، يُعتمد "هرمجدون" مصطلحا رئيسيا، مع توظيف "الملحمة الكبرى" حيث يقتضي السياق.

هرمجدون في الأديان


* في اليهودية:

لا تقدّم التوراة العبرية تصورا مباشرا لهرمجدون، بل تتشكل فكرة المعركة الأخروية عبر نصوص نبوية متفرقة، أبرزها ما ورد في سفر حزقيال بشأن يأجوج ومأجوج، إضافة إلى إشارات في سفري يوئيل وزكريا.

كما يحضر هذا التصور في التراث الحاخامي، لا سيما في نصوص بيرقي مشيح التي تتحدث عن حصار القدس في آخر الزمان وتدخّل إلهي لحسم المعركة، وقد ارتبطت لاحقا بفكرة الانتقام من إدوم ( روما).

وتنوّعت التأويلات اليهودية بين ربطها بأحداث تاريخية، أو تحويلها إلى صراع روحي داخلي، أو اعتبارها مرحلة تطهير تسبق العصر المسياني.


* في المسيحية:

في اللاهوت المسيحي، يرد ذكر هرمجدون صراحة في سفر الرؤيا (16: 16)، حيث تجتمع قوى الشر (ملوك الأرض) لمعركة فاصلة ضد قوى الخير بقيادة المسيح.

وتتباين التفسيرات، إذ تميل بعض التيارات -خصوصا في اللاهوت الإنجيلي الأمريكي- إلى القراءة الحرفية المرتبطة بعقيدة ما قبل الألفية التي تفترض رفع المؤمنين (الاختطاف) قبل أو أثناء "المحنة العظيمة"، مع إسقاطات مباشرة على أحداث الشرق الأوسط المعاصرة.


* أديان أخرى:

لا يقتصر تصور المعركة النهائية على الديانتين اليهودية والمسيحية؛ إذ نجد نظائر له في أديان أخرى. ففي الزرادشتية يظهر مفهوم "فراشوكرتي" بوصفه تجديدا كونيا نهائيا يسبقه صراع وتطهير شامل، بينما تتضمن النصوص الهندوسية تصورا مماثلا في نهاية عصر "كالي يوغا" مع ظهور المخلّص "كالكي"، ضمن دورة كونية من الانحلال يعقبها التجدد.

إعلان

أما في الخطاب الحديث، فقد تحوّل المصطلح إلى استعارة علمانية تُستخدم لوصف الكوارث الشاملة، مثل الحروب النووية والأزمات المناخية، مع تجريده غالبا من أبعاده الخلاصية والأخروية، فأصبح أداة توصيفية للسيناريوهات الكارثية القصوى.

مصدر الصورة مشهد مُتخيّل يصور منظرا حضريا مهجورا مدمرا بعد نهاية العالم (غيتي)

الملحمة الكبرى في الإسلام

لا يرد مصطلح هرمجدون صراحة في القرآن الكريم أو في الأحاديث النبوية الصحيحة، بل يحضر في السياق الإسلامي عبر مفاهيم موازية مثل الملحمة الكبرى والفتن والملاحم وأشراط الساعة.

وتشير عدد من الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وسنن أبي داود ومسند أحمد إلى مواجهة كبرى بين المسلمين والروم قبيل قيام الساعة.

وترتبط الملحمة الكبرى بسلسلة العلامات الكبرى، منها خروج المهدي، ونزول عيسى بن مريم، وظهور المسيح الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج.

وتعرض الروايات تسلسلا للأحداث يبدأ بهدنة بين المسلمين والروم لمواجهة عدو مشترك، تنتهي بنقض العهد واندلاع معركة كبرى في منطقة دابق. وتنقسم جيوش المسلمين أثناءها إلى ثلاثة أقسام: منهزم وشهيد ومنتصر، لتنتهي المعركة بانتصار المسلمين وفتح القسطنطينية، ثم تليها أحداث مرتبطة بخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام.

وجُمعت هذه الروايات في مصنفات مبكرة ضمن باب "الفتن والملاحم"، مثل كتاب الفتن لنعيم بن حماد، وتوسّع في تحليلها لاحقا علماء كابن كثير والقرطبي. وشهدت تلك المرحلة نزعة لإسقاط هذه النبوءات على وقائع معاصرة كالغزو المغولي والحروب الصليبية.

أما في القراءات المعاصرة، فتتسم المدرسة السنية عموما بالتحفّظ المنهجي وتجنّب الإسقاط المباشر على الواقع، في حين يحتل مفهوم ظهور الإمام المهدي موقعا محوريا في الفكر الشيعي الإثنى عشري.

هرمجدون في العصر الحديث

يتحول الاعتقاد الأخروي إلى سلوك سياسي فاعل عندما تؤمن جماعات واسعة بأن الأحداث الجيوسياسية تمهد لنهاية الزمان، مما يجعل تصور النهاية يؤثر في قراءة الواقع واتخاذ القرارات.

تُدرس السياسة الأخروية بوصفها قوة أيديولوجية تشكّل مواقف الدول والعلاقات الدولية، ويبرز في هذا السياق تأثير اللاهوت ما قبل الألفية والمدرسة التدبيرية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، إذ يرى أتباع هذه الرؤى -خصوصا في أوساط المسيحية الصهيونية– أن عودة اليهود إلى فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل شرطان مسبقان لعودة المسيح ووقوع هرمجدون.

وتجلى هذا التأثير في خطابات رؤساء أمريكيين منذ عهد رونالد ريغان، مرورا بقرارات مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في 14 مايو/أيار 2018، التي عكست جزءا من هذه التوجهات اللاهوتية المغلفة بخطاب علماني لتبرير دعم إسرائيل أو تبني سياسات متشددة تجاه إيران.

ويستخدم مصطلح هرمجدون في الخطاب السياسي والإعلامي كاستعارة لتأطير الصراعات وحشد الجمهور، حتى من قبل فاعلين لا يؤمنون بمعناه الحرفي، وقد استُحضر في الحرب الباردة لوصف احتمالات الردع النووي ومخاوف الدمار الشامل، وفي السياقات المعاصرة لوصف الكوارث المناخية بوصفها "هرمجدون مناخيا".

مصدر الصورة التوراة لا تقدّم تصورا مباشرا لهرمجدون بل تتشكل فكرة المعركة الأخروية عبر نصوص متفرقة (الأوروبية)

أما على الصعيد الجيوسياسي، فتُستعمل لغة ملحمية لتصوير الصراع بين خير مطلق وشر مطلق، كما في بعض الخطابات الإسرائيلية تجاه إيران والحركات الإسلامية، مما يحدّ من هوامش التسوية السياسية، ويَبرز هذا الاستخدام خصوصا في أوساط التيارات اليمينية والمحافظة.

وعبر التاريخ، استُخدم لفظ هرمجدون أيضا في تسمية خطط وعمليات عسكرية وأمنية، مثل تمرين هرمجدون للجيش الإيرلندي أواخر الستينيات، وحملة تجسس إلكتروني أطلق عليها الباحثون اسم "عملية هرمجدون" استهدافا لأوكرانيا، في استدعاء مباشر للرمزية الملحمية والدلالات بالدمار الشامل.

إعلان

كما تبرز التسمية الدينية في العمليات العسكرية الإسرائيلية، مثل عمود السحاب وسيف الحديد وسهم الباشان، التي تمنح الصراع طابعا لاهوتيا وملحميا، حتى وإن لم تحمل دلالات أخروية صريحة.

وفي سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، حث أحد القادة الأمريكيين ضباطه على تذكير الجنود بأن أي صراع مع إيران ليس مجرد حرب سياسية، بل جزء من خطة الرب.

واستشهد القائد الأمريكي أمامهم بآيات من الإنجيل تتحدث عن معركة هرمجدون وعودة المسيح الوشيكة، مؤكدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد مُسح من الرب لإشعال شرارة هذه الحرب، لتكون بداية لانطلاق أحداث هرمجدون ونزول يسوع إلى الأرض.

وعلى الصعيد الإعلامي، تسابقت العديد من الرموز المسيحية الإنجيلية لإثبات أن الحرب على إيران مهمة دينية مقدسة تنذر بالمجيء الثاني للمسيح وتحقق نبوءات آخر الزمان، إذ أشادت وسائل الإعلام اليمينية بقرار الرئيس ترمب، وشبهت شخصه بقورش الكبير وقسطنطين العظيم، وأكدت أن الحرب علامة على اقتراب معركة هرمجدون، وأن الرب يستخدم ترمب في لحظة مفصلية.

مصدر الصورة في اللاهوت المسيحي يرد ذكر هرمجدون في سفر الرؤيا (16: 16) حيث تجتمع قوى الشر لمعركة فاصلة ضد قوى الخير بقيادة المسيح (غيتي)

الثقافة الشعبية ونظريات المؤامرة

أسهمت الثقافة الشعبية في تشكيل الخيال العام عن نهاية الزمان، محوّلة هرمجدون من مفهوم لاهوتي معقد إلى صورة بصرية وسردية متداولة.

ولعبت مؤلفات واسعة الانتشار، مثل كتاب "كوكب الأرض العظيم المتأخر" وسلسلة أفلام "المتروكون" (Left Behind)، دورا محوريا في نشر عقيدة الاختطاف وربطها بمعركة هرمجدون في الوعي الشعبي.

وتعاقبت الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي رسّخت هذه الصور، من بينها فيلم هرمجدون 1998. وتتشكل بذلك حلقة تغذية راجعة بين التمثّلات الثقافية والخطاب السياسي، إذ يستعير السياسيون مفرداتهم من هذه الأعمال، بينما تستلهم تلك الأعمال مخاوف سياسية آنية وتحوّلها إلى حبكات أخروية.

وأصبح هرمجدون إطارا مركزيا في نظريات مؤامرة معاصرة تمزج بين سرديات نهاية الزمان والخوف من كيانات دولية. وتُصور المؤسسات متعددة الأطراف أحيانا تمهيدا لنظام عالمي جديد يهيمن عليه "قوة دجالية"، مما يضفي على الأحداث الجارية صبغة كونية ملحمية ويغذي شعور القلق بين الجماهير المتأثرة بهذه الروايات.

تتداخل هذه الرؤى مع حركات حديثة مثل "كيو أنون"، التي توظف لغة مسيحية متشددة وأطر أخروية، وتصور بعض القادة السياسيين كمخلصين يقودون معركة كونية ضد نخب عالمية فاسدة. كما تميل النبوءات الشعبية خارج الأطر المؤسسية إلى تحديد جداول زمنية لنهاية العالم وربطها بأزمات آنية، مما يزيد من موجات التعبئة والاستقطاب.

ويُستخدم إطار هرمجدون أيضا لإعادة تعريف العدو عبر إسناد أدوار نبوئية إلى فاعلين معاصرين، فتُوضع دول كبرى في موقع يأجوج ومأجوج، بينما يُنظر إلى دول إقليمية على أنها أطراف رئيسية في الملحمة المقبلة.

وتسرّع وسائل التواصل الاجتماعي انتشار هذه القراءات وتجديدها مع كل أزمة كبرى أو جائحة، مما يعزز الإحساس الملحمي بالنهاية الوشيكة.

هرمجدون في جغرافيا الشرق الأوسط

تتجاوز أبعاد هرمجدون الفضاء الغربي لتؤثر مباشرة في ديناميات الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الرؤى الأخروية مع الحسابات القومية والدينية والجغرافيا السياسية.

وتبرز في العديد من روايات نهاية الزمان أماكن مثل مكة والمدينة المنورة ودمشق والقدس وطبريا، مما يضفي بعدا أخرويا على النزاعات على الأماكن المقدسة ويزيد من تعقيد المنظومة الأمنية في المنطقة.

وفي الخطاب الإسرائيلي، خصوصا في الأوساط الدينية والحركية، تتداخل طموحات الاستيطان وإعادة تشكيل المكان مع تصورات حول جبل الهيكل وبناء الهيكل الثالث، وربط ذلك بالنبوءات الأخروية.

يضيف هذا بعدا لاهوتيا إلى النزاع ويعمّق حساسية المواقع المقدسة، مما يجعل السياسات الإسرائيلية تجاه هذه الأماكن مرتبطة ليس فقط بالأمن والسياسة، بل أيضا بالرموز الدينية والخيال الأخروي.

وعلى الضفة الأخرى، تحضر المقولات المهدوية في الخطاب الرسمي والحركي الإيراني لتبرير التوسع الإقليمي وربط حضور القوات الإيرانية وحلفائها في بلاد الشام بتمهيد الأرض لظهور المهدي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا