آخر الأخبار

لبنان أمام اختبار “الشخص غير المرغوب فيه” | الحرة

شارك

بعد أيام قليلة على قرار وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي سحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني واعتباره “شخصاً غير مرغوب فيه”، لم تهدأ تداعيات الخطوة، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، مع تداخل المسارات السياسية والدبلوماسية والأمنية، واتساع رقعة الانقسام الداخلي حولها، والذي تجلّى بمقاطعة وزراء حزب الله وحركة أمل جلسة مجلس الوزراء التي عقدت الخميس.

القرار، الذي بدا لحظة صدوره تصعيداً دبلوماسياً لافتاً، تحوّل مع مرور الوقت إلى اختبار فعلي لقدرة الدولة اللبنانية على تثبيته في مواجهة الضغوط السياسية، خصوصاً مع اقتراب المهلة النهائية الممنوحة للسفير لمغادرة البلاد، وهي الأحد المقبل.

انقسام داخلي

أشعل قرار رجي (المحسوب على حزب القوات اللبنانية) انقساماً سياسياً حاداً في البلاد. وتوزعت المواقف بشأنه بين مؤيد يرى فيه خطوة سيادية، ومعارض يعتبره تصعيداً غير محسوب.

وفي هذا الإطار، رحّبت بالقرار قوى سياسية عدة، من بينها حزب “الكتائب اللبنانية”، إذ أعاد رئيسه سامي الجميّل نشر مقطع فيديو له عبر منصة “ إكس “، كان قد أعلن فيه في الثالث من مارس أن الوقت حان لقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وطرد سفيرها، مرفقاً إياه بتعليق “السفير الإيراني طار”.

وفي السياق نفسه، رأى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أنه “كان يجب اتخاذ القرار منذ فترة زمنية طويلة، بسبب تدخل إيران في لبنان”، مشيراً إلى أن “الأحداث الأخيرة التي حصلت في لبنان أثبتت، بما لا يحتمل الشك، أن الحرس الثوري موجود في لبنان، على الأقل بمئات الأشخاص، وهو يدير العمليات مباشرة”.

ومن جهته، اعتبر وزير العدل عادل نصار أن قرار مقاطعة جلسة مجلس الوزراء من قبل حزب الله وحركة أمل وسط هذه الأزمة والظرف الراهن “غير مبرّر”.

في المقابل، قوبل القرار برفض قاطع من حزب الله، الذي اعتبره “خطوة متهورة وخطيئة وطنية واستراتيجية كبرى وخضوع للإملاءات الخارجية تفتقر إلى أي مسوّغ قانوني”، محذراً من تداعياته على الوحدة الوطنية، وداعياً إلى التراجع عنه.

وبدورها وصفت حركة أمل، في بيان ، الخطوة بأنها “متهوّرة وغير مسؤولة من قبل الجهات المؤتمنة على حفظ السيادة”. ودعت إلى التراجع عن القرار، مؤكدة أنها “لن تتهاون في تمرير هذه الخطوة تحت أي ظرف من الظروف”.

وتوسعت دائرة التحذيرات داخلياً، إذ نبّهت وزيرة البيئة تمارا الزين إلى احتمال انسحاب وزراء “الثنائي الشيعي” من الحكومة على خلفية القرار. كما حذّر مراقبون من تداعيات أمنية محتملة، في ظل الحديث عن إمكانية صدور ردود فعل من حلفاء طهران في الداخل.

توافق أم تفرّد؟

قرار سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني، وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه، أُبلغ رسمياً عبر الأمين العام لوزارة الخارجية اللبنانية السفير عبد الستار عيسى، إلى القائم بأعمال السفارة الإيرانية توفيق صمدي خوشخو.

وقد أثار القرار قراءات متباينة، خصوصاً لجهة مدى توافق أركان السلطة عليه، في ظل غياب مواقف واضحة أو تعليقات مباشرة من رئيسي الجمهورية والحكومة، ما عمّق الغموض حول حجم الغطاء السياسي الذي يستند إليه.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس جهاز الإعلام في “القوات اللبنانية” شارل جبور، في حديث لموقع “الحرة”، أن القرار “اتُّخذ بالتكافل والتضامن بين رئيسي الجمهورية والحكومة ووزير الخارجية”، رغم كونه من صلاحيات وزارة الخارجية.

كذلك يعتبر وزير الخارجية الأسبق فارس بويز أن هذه الخطوة، وإن خرجت تقنياً من وزارة الخارجية، تعكس في جوهرها توجّه السلطة التنفيذية مجتمعة، “ولا يمكن فصلها عن موقف رئيسي الجمهورية والحكومة”.

ويوضح بويز لـ”الحرة” أن “القرار لا يحتاج إلى تصويت في مجلس الوزراء، إلا إذا وصل الأمر إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية، وهو ما لم يحصل”.

خلفيات القرار ورسائله

استند قرار رجي إلى اتهام شيباني بتجاوز الأعراف الدبلوماسية والتدخل في الشأن الداخلي، في مخالفة للمادة 41 من اتفاقية فيينا. وأوضحت الوزارة أن السفير الإيراني أدلى بتصريحات تناولت الشأن الداخلي اللبناني، وقيّم قرارات حكومية، فضلاً عن عقد لقاءات مع جهات لبنانية دون المرور بوزارة الخارجية.

ورغم تأكيد بيروت أن الخطوة لا تعني قطع العلاقات مع طهران، إلا أن قراءتها سياسياً تتجاوز الإطار الدبلوماسي، إذ يعتبر جبور أن “القرار سيادي بامتياز ويشكّل رسالة واضحة إلى إيران بضرورة احترام سيادة لبنان”، مشيراً إلى أن طهران ورطت البلاد في صراعات إقليمية وأن عناصر مرتبطة بالحرس الثوري ما تزال متواجدة داخل الأراضي اللبنانية. ويضيف إن “إيران دعمت وسلّحت حزب على الأراضي اللبنانية ودفعته إلى تنفيذ أعمال عسكرية خارج إطار الدستور وقرارات الحكومة”.

من جانبه، يرى بويز أن هذه الخطوة تأتي في سياق مسار تراكمي من التوتر “سواء على مستوى العلاقة بين السفير ووزير الخارجية اللبنانية، أو على مستوى العلاقة بين الدولة اللبنانية والدولة الإيرانية”. كما يشير إلى أن هذا التوجه يتقاطع مع توجهات الحكومة اللبنانية.

وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد أكد وجود عناصر تابعة للحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية تشارك في إدارة عمليات عسكرية بشكل مباشر.

وفي موازاة ذلك، تؤكد إسرائيل استهداف شخصيات مرتبطة بفيلق القدس و الحرس الثوري الإيراني داخل لبنان، ويُضاف إلى ذلك ما أُثير سابقاً حول إصابة السفير الإيراني السابق في بيروت، مجتبى أماني، في حادثة تفجيرات أجهزة البيجر، وهي واقعة سلّطت الضوء على طبيعة الأدوار غير الدبلوماسية لبعض الشخصيات الإيرانية في لبنان، وما تعكسه من تقاطعات بين العمل السياسي والأنشطة ذات الطابع الأمني.

اختبار سيادي

لا يشكّل التوتر الحالي سابقة في تاريخ العلاقات بين لبنان وإيران، إذ يؤكد المحلل السياسي الدكتور خالد الحاج في منشور على “ إكس ” أنه في عام 1966، طرد لبنان السفير الإيراني علي فتوحي بعد تصريحات اعتُبرت مسيئة للعرب وبالأخص الكويت، فيما تكرر المشهد عام 1983 خلال الحرب الأهلية اللبنانية على خلفية دخول عناصر من الحرس الثوري الإيراني، إلا أن القرار لم يُستكمل فعلياً، بعدما اعترضت مجموعات شعبية (نواة حزب الله)، موكب السفير ومنعته من المغادرة.

ومع انتقال الملف من لحظة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ، يبرز السؤال حول مدى التزام السفير الإيراني بمهلة المغادرة، والإجراءات التي قد تلجأ إليها الدولة في حال عدم الامتثال.

وفي هذا السياق، شدد النائب عن حزب الله أمين شري، الخميس، على أن شيباني لن يغادر، معتبراً أن تاريخ 29 مارس وهو المهلة النهائية “ليس موجوداً في رزنامة الحزب”.

في المقابل، اعتبر النائب فؤاد مخزومي أن القرار تجاوز البعد السياسي ليأخذ طابعاً “سيادياً وقانونياً”، داعياً، في منشور عبر منصة “ إكس ” الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تنفيذية في حال عدم التزام السفير بالمغادرة.

من جهته، يوضح بويز أن اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تتيح للدولة المضيفة إعلان أي دبلوماسي “شخصاً غير مرغوب فيه، ما يفرض عليه مغادرة البلاد ضمن مهلة محددة”. ويشير إلى أنه في حال عدم الامتثال، “تُرفع الحصانة الدبلوماسية عن السفير، ما يجيز توقيفه خارج مقر السفارة، فيما تبقى حصانة السفارة وأعضاء البعثة قائمة ما لم يُتخذ قرار بقطع العلاقات الدبلوماسية”.

بدوره، يؤكد جبور أن السفير الإيراني “أصبح غير شرعي، ولن يُستقبل في المقار الرسمية، وعدم مغادرته يجعل الحكومة معنيّة باتخاذ إجراءات تجاه السفارة”.

قرار نهائي؟

وعما إن كانت الحكومة يمكن أن تتراجع عن القرار تحت الضغط، يشدد جبور على أن الحكومة التي لم تتراجع عن قرارات سابقة، ولا سيما القرارين المتعلقين بنزع سلاح حزب الله، وقرار 2 مارس المرتبط بحظر أنشطته العسكرية والأمنية ومنعه من استخدام الأراضي اللبنانية منطلقاً لعملياته وإلزامه تسليم سلاحه، مؤكداً أن ما اتُّخذ “سينفَّذ”، وأن “القرار نهائي ولا رجوع عنه”.

وفي السياق، رأى مخزومي أن أي محاولة لإعادة النظر في القرار تشكّل “تراجعاً غير مبرر يضرب مصداقية الدولة وهيبتها”، مؤكداً أن “سيادة الدولة خط أحمر ولا رجعة عنها”.

وقبيل جلسة مجلس الوزراء التي قاطعها نواب حزب الله وحركة أمل، أكد وزير الصناعة جو عيسى الخوري “ألا تراجع عن القرار”. مشيراً إلى أن أحداً لا يريد الدفاع عن إيران، فيما أشار وزير الزراعة نزار هاني إلى أن اقتراحات عدة تناقش لـ”تخريجة”، لافتاً إلى أنه “سبق لنا أن ناقشنا أموراً أعقد من ذلك”.

وفي الخلاصة، يضع قرار سحب اعتماد السفير الإيراني لبنان أمام اختبار سيادي دقيق، وبين مهلة المغادرة وردود الفعل الداخلية والخارجية، ستحدد الأيام المقبلة ما إذا كانت الدولة قادرة على تثبيت هذا القرار، أم أن الضغوط السياسية ستدفع نحو إعادة خلط الأوراق من جديد.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا