في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت- في بلدة عربصاليم جنوب لبنان، حيث تراجعت حركة الحياة إلى حدّها الأدنى، وباتت الشوارع شبه خالية إلا من آثار الغارات الإسرائيلية وأصوات الطائرات، تنسج مجموعة من الشبان حكاية مختلفة تحت الحرب، لا تُروى من خطوط المواجهة بل من داخل الفراغ الذي خلّفه النزوح.
وهناك، اختار 3 شبان، هم حسين فرحات، وحسين نذر، ونوح عبود، البقاء في بلدتهم في وقت غادر فيه معظم السكان هربا من القصف. ولم يكن قرارهم وليد صدفة، بل جاء بدافع شعور عميق بالمسؤولية تجاه ما تركه الأهالي خلفهم، من منازل وممتلكات، وصولا إلى المواشي والدواجن التي تحوّلت فجأة إلى كائنات بلا معيل.
يقول حسين فرحات، للجزيرة نت، إن البقاء في عربصاليم لم يكن خيارا سهلا، لكنه بدا ضروريا، وأوضح أن فكرة "الأمانة" كانت حاضرة بقوة في قراره، سواء لجهة حماية المنازل أو رعاية الحيوانات التي تُركت في ظروف قاسية.
وأضاف أن يومياتهم باتت منظمة وفق إيقاع مختلف تفرضه الحرب، حيث يبدأ النهار مع جولات تفقد تمتد على أحياء البلدة، لتأمين الغذاء والمياه لما تبقى من مظاهر الحياة فيها.
وتبدو هذه الجولات، في ظاهرها، بسيطة ومحدودة، لكنها في الواقع تحمل أبعادا إنسانية عميقة؛ فالشبان لا يكتفون بإطعام الحيوانات أو تفقد المنازل، بل يتحولون إلى حلقة وصل بين النازحين وبيوتهم، عبر تواصل شبه يومي مع أصحابها، الذين يسألون عن أدق التفاصيل: هل لا تزال النوافذ مغلقة؟ هل تعرضت الأبواب لأي ضرر؟ وماذا عن الحيوانات التي تركوها خلفهم؟
هذه الأسئلة، التي قد تكون عادية في زمن السلم، تكتسب اليوم معنى وجوديا، إذ تشكل، بحسب الشبان، "الخيط الأخير" الذي يربط النازحين بأماكنهم، ويؤكدون أن هذا التواصل لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يحمل أيضا بعدا نفسيا، يُخفف من وطأة القلق والشعور بالفقد لدى من اضطروا إلى المغادرة.
وفي السياق، أوضح حسين نذر أن العلاقة مع الأرض تتجاوز كونها مجرد مكان للسكن، قائلا "الارتباط بالطبيعة والحيوانات هو جزء من هويتنا، وهو أحد الأسباب الرئيسية لبقائنا"، وأشار إلى أن الشبان يُحاولون، رغم محدودية الإمكانيات، تأمين الغذاء وحتى بعض الأدوية للحيوانات، في ظل صعوبة الوصول إلى المستلزمات الأساسية.
لكن البقاء في بلدة شبه فارغة لا يخلو من المخاطر، فالغارات الإسرائيلية لا تزال تشكل تهديدا دائما، إلى جانب احتمالات الاستهداف، وهو ما يدركه الشبان جيدا. ومع ذلك، يرون أن الخطر لا يكمن فقط في القصف، بل أيضا في "الفراغ"، الذي قد يؤدي، إذا طال أمده، إلى اندثار ما تبقى من ملامح الحياة في البلدة.
ويشرح فرحات أن هذا الفراغ لا ينعكس فقط على المشهد العمراني، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والنفسي، حيث تتحول البلدة إلى مساحة صامتة، تفتقر إلى أبسط مظاهر الحياة اليومية، مضيفا أن ما يقومون به هو محاولة لكسر هذا الصمت، والحفاظ على الحد الأدنى من الحضور الإنساني.
ومن بين المشاهد التي تلخص طبيعة هذه التجربة، روى فرحات حادثة دخوله إلى أحد المنازل المهجورة، حيث تواصل مع صاحبه للحصول على إذن باستخدام الطعام الموجود في الثلاجة، ويقول إنهم قاموا بتوزيع ما كان صالحا للاستهلاك بينهم، في صورة تعكس كيف تتحول الضرورة إلى نوع من التكافل، حتى في غياب أصحاب المكان.
ولا يقتصر دور الشبان على الجانب الميداني، بل يمتد إلى التوثيق. ففرحات، وهو مصور ومخرج، يوظف عدسته لتسجيل تفاصيل هذه المرحلة، محاولا حفظ ذاكرة المكان من النسيان، ويشير إلى أن كل صورة يلتقطها تمثل "شهادة" على ما يجري، وقد تصبح مستقبلا جزءا من رواية أوسع عن هذه المرحلة.
وفي مقارنة تعكس عمق التجربة، يتحدث فرحات عن مشاركته السابقة في "معسكر قاعدة إيفيريست"، حيث كان الموت هناك مرتبطا بعوامل طبيعية كالبرد ونقص الأكسجين، بينما في الجنوب اللبناني "يلاحق الناس بفعل عدوان مباشر". وهذه المقارنة، كما يقول، تعكس الفارق بين موتٍ تفرضه الطبيعة، وآخر تصنعه الحروب.
ورغم كل ما يحيط بهم من مخاطر وعزلة، يحاول الشبان التكيُّف مع واقعهم الجديد. فهم يجتمعون يوميا لتبادل الأحاديث وكسر الصمت، في محاولة للحفاظ على توازنهم النفسي. ويقرّون بأن الوحدة تشكل تحديا لا يقل صعوبة عن التهديدات الأمنية، خصوصا في ظل غياب كامل لمظاهر الحياة التي اعتادوها.
وفي قراءة أوسع، تعكس تجربة هؤلاء الشبان نموذجا لما يمكن تسميته بـ"الصمود المدني"، حيث يتخذ البقاء شكلا مختلفا، لا يرتبط فقط بمواجهة القصف، بل بحماية تفاصيل الحياة اليومية، والحفاظ على العلاقة بين الإنسان ومحيطه.
هكذا، تتحول عربصاليم إلى أكثر من مجرد بلدة شبه خالية؛ تصبح مساحة تختزن معنى خاصا للبقاء، حيث تقاوم قلة قليلة خطر الانطفاء الكامل، وتعمل على إبقاء جذوة الحياة متقدة، ولو في حدها الأدنى.
ويؤكد الشبان الثلاثة أنهم مستمرون في البقاء في بلدتهم، معتبرين أن ما يقومون به ليس مجرد خيار، بل هو التزام أخلاقي وإنساني، فالأرض، بالنسبة إليهم، ليست محض مكان يُغادر عند الخطر، بل مسؤولية تُحمل، حتى في أصعب الظروف.
وتقع عربصاليم في قضاء النبطية جنوب البلاد، على بُعد نحو 11 كيلومترا من مركز المدينة، ونحو 80 كيلومترا عن بيروت، وتتموضع عند تخوم منطقة إقليم التفاح، مطلّة على مجرى نهر الزهراني الذي ينبع من سفوحها، ما يمنحها أهمية زراعية خاصة.
ويُعزز هذا الموقع ارتباطها بقرى محيطة مثل كفر رمان وجباع وجرجوع وعرب الجليل، إضافة إلى إشرافها شرقا على مرتفعات جبل الرفيع.
وديمغرافيا، ترجّح التقديرات المحلية أن عدد سكانها يبلغ بضعة آلاف، ويقوم اقتصادها بشكل رئيسي على الزراعة، ولا سيما الزيتون، إلى جانب تربية المواشي والدواجن التي تشكّل ركيزة أساسية للدخل.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى وجود مئات رؤوس الماشية وأعداد كبيرة من الدواجن، في انعكاس واضح لاعتماد السكان على مواردهم المحلية في ظل محدودية فرص العمل البديلة.
ولم تكن عربصاليم بمنأى عن مسار الحروب التي شهدها جنوب لبنان، إذ عاشت سنوات الاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1982 و2000، وتضررت من تداعيات حرب لبنان 2006، شأنها شأن معظم قرى المنطقة.
وفي الحرب الراهنة، عادت البلدة إلى دائرة الاستهداف، مع تسجيل غارات جوية إسرائيلية أوقعت ضحايا مدنيين وألحقت أضرارا بالمنازل والبنى التحتية.
ورغم قسوة الضربات، تبيّن معطيات ميدانية أن حجم الدمار لم يصل إلى مستوى الشمول الذي شهدته بعض القرى الحدودية، إذ تركزت الأضرار في أحياء ومبانٍ محددة، فيما بقي جزء من نسيجها العمراني قائما.
لكن استمرار التهديد والغارات المتقطعة دفعا أعدادا كبيرة من السكان إلى النزوح، لتغدو البلدة شبه خالية، معلّقة بين ذاكرة حرب لم تندمل وواقع يتجدد فيه القصف، في مشهد يختصر هشاشة الحياة في جنوب لبنان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة