آخر الأخبار

البودكاست السياسي بتونس.. ملاذ أخير للصحفيين في زمن القيود

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تونس- تشهد تونس منذ سنوات تحوّلا عميقا في مشهدها الإعلامي تدفعه موجة تضييق غير مسبوقة طالت الصحفيين والمؤسسات، الأمر الذي دفع كثيرين إلى الهجرة نحو منصات رقمية بديلة، أبرزها البودكاست السياسي الذي أصبح مساحة للنقاش الحرّ خارج إطار الرقابة المباشرة وضغوط الممولين.

ومع تراجع منسوب الحريات واشتداد "قبضة الدولة" على الإعلام التقليدي، باتت هذه الصيغة الجديدة أشبه بـ"منفذ نجاة" لصحفيين يبحثون عن صوت لا يُقمع بسهولة.

منذ 2021 تدهورت أوضاع حرية الصحافة بشكل لافت؛ فحالات الاعتقال والمحاكمات لصحفيين، بينهم مراد الزغيدي وبرهان بسيس، صارت واقعا شائعا وتُصنّف من عدة منظمات دولية كإجراءات عقابية على آرائهم وانتقاداتهم للسلطة.

مصدر الصورة تسجيل 277 "بودكاست" في تونس (الجزيرة)

مشهد معقد

كما شهدت تونس احتجاجات موسّعة لصحفيين في 2025 ضد حرمانهم من بطاقات العمل وتعطيل تصاريح التصوير واعتقال زملاء لهم، فيما وصفته نقابة الصحفيين التونسيين بأنه "استهداف منهجي للصحافة".

وازداد المشهد تعقيدا مع توسع تطبيق المرسوم رقم (54) الخاص بالجرائم الإلكترونية، والذي أصبح أداة مركزية لملاحقة منتقدين وصحفيين ونشطاء رقميين، وفق منظمات حقوقية دولية. كل ذلك جعل العمل ضمن المؤسسات التقليدية محفوفا بالمخاطر، وفتح الباب أمام البحث عن منصات أقل رقابة.

وفي 13 سبتمبر/أيلول 2022، أصدر الرئيس التونسي قيس سعيد هذا المرسوم المتعلق بمكافحة جرائم أنظمة المعلومات والاتصال، ووردت فيه عقوبات تصل إلى السجن 5 سنوات لكل مَن نشر أخبارا كاذبة.

وتجسّد تجربة الصحفي محمد اليوسفي الذي اشتغل أكثر من 6 سنوات مقدّما لبرنامج إذاعي قبل أن يستقيل سنة 2022 عقب الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها سعيد في 25 يوليو/تموز 2021، هذا التحول.

وقال اليوسفي للجزيرة نت إن البرامج السياسية لم يعد لها مكان في الفضاء الكلاسيكي للإعلام ما فرض هجرة نحو الفضاء الرقمي، وإنه وجد في البودكاست فضاءً أرحب وهامش حرية أكبر دون الإكراهات التي تقيد الإعلام التقليدي والخاص "المكبّل بمنظومة رجال الأعمال والإشهار" (الإعلانات).

إعلان

وذهب أبعد من ذلك ووصف الإعلام العمومي بأنه "تحوّل إلى إعلام حكومي رديء، بينما دخل الإعلام الخاص إلى بيت الطاعة تحت ضغوطات مورست على مالكيه". وبالنسبة إليه، فإن البودكاست هو النموذج الوحيد القائم اليوم على الحرية والتعددية وغياب الرقابة. لكن رغم ذلك، يعترف بأن المخاوف من الملاحقات لا تزال قائمة.

قيود ورقابة

يتفق محللون وإعلاميون على أن البودكاست أصبح اليوم امتدادا لمساحات انكمشت داخل الإعلام التقليدي، لا سيما بعد وصول الرقابة الذاتية داخل غرف الأخبار إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصا خلال تغطية الانتخابات الرئاسية 2024، حيث تحدث صحفيون عن "اضطرارهم لاختيار كلماتهم بدقة خوفا من العقاب".

هذه البيئة الرقمية سمحت بطرح ملفات حساسة مثل الاعتقالات السياسية وقضايا التآمر ومحاكمات المعارضين، بعيدا عن الرقابة المباشرة، رغم أن المرسوم (54) لا يزال "سيفا مسلطا على كل مَن يتحرك في الفضاء الرقمي".

من جانبه، أكد زياد دبار، نقيب الصحفيين التونسيين، أن القيود المفروضة على حرية النشر ليست ظرفية، بل بنيوية، وأن حرية النشر باتت مهددة ومقيدة بالخطوط التحريرية والممولين نتيجة سيطرة رأس المال والحكومات على المؤسسات الإعلامية.

ويرى دبار أن الثورة الرقمية ومنصات الإنترنت منحت الصحفيين فرصة لاستعادة أصواتهم في ظل أزمة الثقة بين الجمهور والإعلام التقليدي. ووصف البودكاست بأنه فرصة لكسر الوضعية الاحتكارية.

لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن "هناك خطرا أن ينحرف البودكاست عن مهنته ويتحول إلى ثرثرة. كما أن مخاوف توظيف هذا المرسوم تبقى قائمة، لأن تطبيقه على مقال أو تصريح إذاعي سيفتح الباب لتطبيقه على البودكاست".

وكشف دبار أن النقابة تعمل على مشروع لتشجيع الصحفيين على إنشاء مؤسساتهم الخاصة، وخاصة البودكاست، باعتبار أنه قد يشكل مستقبلا منصة قادرة على هدم الاحتكار وتحرير المعلومة.

مصدر الصورة زياد دبار: الثورة الرقمية ومنصات الإنترنت منحت الصحفيين فرصة لاستعادة أصواتهم (الجزيرة)

إقبال متزايد

من ناحيتها، أكدت نوال بيزيد صاحبة بودكاست متخصص في الحريات الفردية والسياسية للجزيرة نت، أن البودكاست رغم حريته، لم ينجُ تماما من تأثير القوانين، وأوضحت أن "المرسوم (54) بات منطلقا لرقابة ذاتية خوفا من أي ملاحقة بسبب رأي أو موقف أثناء الحلقة".

ووفقا لها، فإن من أهم مميزات البودكاست هي المساحة الشاسعة للوقت والحرية، على عكس الإعلام الكلاسيكي الخاضع لالتزامات الوقت والخط التحريري.

أما الباحث في معهد الصحافة وعلوم الأخبار نور حمدي فأكد بالأرقام التحوّل نحو البودكاست، قائلا للجزيرة نت "سجّلنا في تونس 277 بودكاست تُصنّف ضمن 4 قطاعات: إعلام بديل، وإعلام استقصائي، وبودكاست متخصص في الحريات الحقوقية، وآخر في القضايا الاجتماعية".

ويرى أن الإقبال المتزايد يعكس حاجات الجمهور، "فالبودكاست يقدّم السرد والتعمق والتفاصيل التي يعجز عنها الإعلام التقليدي، وهو مساحة لمناقشة مواضيع مسكوت عنها أو لا تُطرح بعمق كافٍ في المنصات الكلاسيكية".

من جانبه، لخّص المواطن عبد الكريم، وهو متابع منتظم للبودكاست السياسي، جانبا من جاذبية هذه المنصات، وقال للجزيرة نت "مرونته هي ما يجذبني؛ يمكنني متابعة الحلقات في السيارة وأثناء العودة من العمل. كما يقدم حرية أكبر في اختيار المواضيع وعمقا أكبر من الإعلام التقليدي".

إعلان

ما بين قيود تتسع على الصحافة التقليدية، وفضاء رقمي يتوسع رغم تهديدات قانونية مستمرة، يظل البودكاست اليوم صوتا جديدا لصحفيين يبحثون عن الحرية، وجمهور يبحث عن رواية موازية للخطاب الرسمي.

لكن، مع استمرار ملاحقة الأصوات المنتقدة ومحاكمة أكثر من 70 شخصا منذ 2022 بسبب آرائهم، ومع إمكانية تمدّد تطبيق المرسوم (54) إلى الفضاءات الرقمية، يبقى السؤال مفتوحا، هل سيبقى البودكاست مساحة للحرية؟ أم يتحول قريبا إلى ساحة مواجهة جديدة بين الصحفيين والسلطة؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا