آخر الأخبار

فيديو.. أسرى غزة في "مقصلة الأعصاب" الإسرائيلية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- بجسدٍ غادره اللحم ولم يبقَ فيه سوى الهيكل العظمي، وعينين غائرتين تحكيان فصولًا من الرعب، وقف الأسير المحرر من السجون الإسرائيلية أشرف محمد زمقاط في ساحة مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح.

لم تكن الكلمات تسعفه وهو يحاول استجماع قواه ليروي ما حدث خلف الجدران الصماء لسجن " سدي تيمان" سيئ الصيت؛ ذلك المكان الذي بات يُعرف بين الفلسطينيين بـ"مقبرة الأحياء".

يقول زمقاط: "ما عشناه هناك ليس اعتقالًا، إنه الموت والدمار بعينه، قضيت 55 يومًا في جحيم لا يطاق، جرى اختطافي من منطقة السكة في مدينة خان يونس، ومنذ تلك اللحظة انقطع اتصالي بالعالم ولم يعد أمامي سوى وجه السجان وسياط التعذيب".

مصدر الصورة الأسير المحرر أشرف زمقاط: الأقسى من الضرب الحرمان الممنهج من النوم (الجزيرة)

تعذيب منع من النوم

يسترسل الأسير المفرج عنه في شهادته -للجزيرة نت- واصفًا تفاصيل يومية تفوق قدرة البشر على التحمل، موضحا أن الأسرى هناك يستغيثون بالخالق في كل لحظة، ويفتقرون لأدنى مقومات الحياة التي تحفظ لجسدهم "عرقًا ينبض".

ويضيف بمرارة: "التعذيب الجسدي والإرهاق المستمر هو القاعدة وليس الاستثناء، لكن الأقسى من الضرب الحرمان الممنهج من النوم؛ إذ لم يكن يُسمح لنا بإغماض أعيننا سوى 3 ساعات فقط، من منتصف الليل وحتى الرابعة فجرًا، وما تبقى من ساعات اليوم هو رحلة طويلة من التنكيل والوقوف القسري والإذلال الذي يعجز اللسان عن وصفه".

لم تكن شهادة زمقاط مجرد كلمات عابرة، بل كانت انعكاسًا لسياسة ممنهجة تتبعها سلطات الاحتلال ضد معتقلي قطاع غزة. ويضيف أن الأوضاع داخل مراكز الاحتجاز "بالغة الصعوبة والقسوة"، مشيرًا إلى أن الجوع ينهش الأجساد والبرد يفتك بالعظام وسط غياب تام لأي رقابة دولية أو إنسانية.

ويختتم -والدموع تغالب عيونه- "دخلنا بشرًا وخرجنا أشباحًا، تركنا خلفنا آلاف الأسرى الذين يواجهون الموت في كل ثانية، ينتظرون معجزة تنقذهم من مخالب سجان لا يعرف الرحمة".

القتل الأبيض

وكان مستشفى شهداء الأقصى قد استقبل يومي الأحد والاثنين الماضيين، دفعتين جديدتين من الأسرى المفرج عنهم ضمت 30 معتقلًا، وصلوا في حالة صحية ونفسية متدهورة تعكس حجم الجريمة المرتكبة بحقهم.

إعلان

وبحسب مصادر محلية وطبية، فإن المفرج عنهم عانوا من سوء تغذية حاد وعلامات واضحة لتعذيب جسدي شديد تعرضوا له خلال أشهر طويلة من الاحتجاز عقب عمليات التوغل البري.

تتشابه روايات الأسرى الفلسطينيين المحررين من سجون الاحتلال الإسرائيلي في تفاصيلها المؤلمة، لترسم لوحة قاتمة لواقع المعتقلين الذين تحولوا إلى مادة للتنكيل الجسدي والنفسي.

مصدر الصورة الصليب الأحمر ينقل أسرى فلسطينيين محررين من سجون الاحتلال إلى مستشفى شهداء الأقصى (الجزيرة)

وتكشف هذه الشهادات عن استخدام الاحتلال لأساليب تعذيب مبتكرة تهدف إلى تحطيم إرادة الإنسان، يبرز من بينها ما يُعرف بـ "القتل الأبيض" حسب وصف بعض الأسرى المحررين؛ وهو أسلوب الحرمان الممنهج من النوم الذي يُستخدم كأداة لتحطيم الجهاز العصبي للمعتقل، مما يدخله في حالة من الذهول الدائم وفقدان التركيز، ويحيل خلايا الدماغ إلى حطام دون ترك أثر مادي مباشر على الجسد.

وفي سياق التوصيف الحقوقي لهذه الانتهاكات، أشار المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان -في تقارير حديثة له- إلى أن ما يمارسه الاحتلال بحق أسرى غزة من حرمان ممنهج من النوم يندرج تحت مصطلح "القتل الأبيض"؛ وهو تعذيب نفسي وحسي فتاك يهدف إلى تدمير الوظائف الحيوية والإدراكية للمعتقل دون ترك أثر جسدي مباشر.

وأكد أن هذا الأسلوب "يمثل انتهاكًا صارخًا لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي تحظر إلحاق أي ألم أو عذاب شديد، جسديًا كان أم عقليًا، بالمعتقلين، وهو ما يحوّل مراكز الاحتجاز إلى أدوات لتصفية الأسرى معنويًا وجسديًا بعيدًا عن أعين الرقابة الدولية".

ساحات للانتقام

وفي رصد لآخر الانتهاكات، أكدت المحامية ميرفت النحال، الباحثة في مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة، أن سجون الاحتلال تحولت في الفترة الأخيرة إلى ساحات للانتقام الممنهج، مشددًة على أن استخدام أسلوب "القتل الأبيض" عبر الحرمان القسري من النوم والتعذيب الحسي لم يعد مجرد حالات فردية، بل سياسة ثابتة تهدف إلى تدمير البنية النفسية للأسرى.

وأوضحت النحال -للجزيرة نت-، أن المركز وثق شهادات مروعة عن تكبيل الأسرى لأسابيع طويلة، وحرمانهم من العلاج والطعام الكافي والاستحمام، مؤكدًة أن "الصمت الدولي يمنح الاحتلال ضوءًا أخضر للاستمرار في هذه الجرائم التي تخالف أبسط القواعد الآمرة في القانون الدولي الإنساني".

ولا تقتصر المعاناة على الجانب الجسدي، بل تتعداه إلى "الإخفاء القسري" والتكتم الشديد على مصير آلاف الأسرى الذين اعتُقلوا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وتتعمد سلطات الاحتلال حجب أسماء ومعلومات المعتقلين عن المؤسسات الدولية وعن عائلاتهم، مما يضع آلاف الأسر الفلسطينية في دوامة من القلق والحيرة القاتلة، حيث لا يعرفون إن كان أبناؤهم في عداد الأحياء أم قضوا تحت التعذيب في السجون السرية التي ترفض سلطات الاحتلال الإفصاح عن مواقعها.

مصدر الصورة أماني الناعوق: اللجنة الدولية للصليب الأحمر قلقلة إزاء تعذر وصولها إلى المعتقلين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية (الجزيرة)

عجز الصليب أمام التعنت الإسرائيلي

من أمام مركبات اللجنة الدولية للصليب الأحمر الرابضة بساحة المستشفى، أدلت أماني الناعوق، المتحدثة باسم اللجنة في قطاع غزة، بتصريح صحفي للجزيرة نت، أوضحت فيه الدور اللوجستي الذي قامت به اللجنة لتسهيل نقل 19 معتقلًا أُفرج عنهم يوم الأحد الماضي، من معبر كرم أبو سالم إلى وسط القطاع.

إعلان

وقالت إن طواقم اللجنة "عملت جاهدة على إعادة تواصل هؤلاء المفرج عنهم مع عائلاتهم ولم شملهم بعد شهور من الغياب، لكن الفرحة تبقى منقوصة في ظل التحديات الكبرى التي تواجه عملنا الإنساني".

وأعربت المتحدثة عن "قلق اللجنة العميق إزاء تعذر وصولها إلى بقية المعتقلين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023،" مؤكدة أن اللجنة لم تتوقف عن مطالبة السلطات الإسرائيلية بضرورة الإبلاغ عن مصير كافة المعتقلين وأماكن وجودهم والسماح بالوصول إليهم فورًا.

وشددت على أن القانون الدولي الإنساني يلزم سلطات الاحتلال بتوفير ظروف احتجاز مقبولة وضمان المعاملة الإنسانية، مشيرة إلى أن الحوار مستمر مع الجانب الإسرائيلي لضمان حقوق الأسرى في التواصل الدائم مع ذويهم والكشف عن مصير المفقودين.

مصدر الصورة زكي يوسف بركات والد شابين مختفين قسريًا يبحث عنهما منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023 (الجزيرة)

عائلات تبحث عن أثر

في ساحة مستشفى شهداء الأقصى، وقف زكي يوسف بركات، من حي التوام بمدينة غزة، حاملًا صورًا لولديه اللذين فقدهما منذ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

يروي بركات بمرارة -للجزيرة نت- قصة بحثه المضني قائلًا: "لقد فقدت ولديّ في غياهب السجون، وجاءتنا معلومات من أسرى محررين أكدوا لنا أنهم رأوهم في الداخل، عرضنا عليهم الصور وتأكدوا من هويتهم، لكن الوجع الحقيقي هو إنكار الاحتلال المستمر لوجودهم لديه".

يضيف بركات بنبرة يكسوها اليأس: "الاحتلال يرفض الاعتراف بأنهما أسرى، وحتى الصليب الأحمر عندما نسألهم يقولون ليس لدينا معلومات رسمية. نحن نعيش في تيه منذ سنتين وشهرين، لم نسمع خبرًا واحدًا يبرد نار قلوبنا من أي مؤسسة رسمية".

يتساءل الأب المكلوم عن مصير ولديه وعن الذنب الذي اقترفاه ليوضعا في هذا الغياب القسري، مطالبًا العالم بكسر حاجز الصمت تجاه سياسة الإخفاء التي تمارسها سلطات الاحتلال.

ويؤكد أن حالة الغموض التي يفرضها الاحتلال هي نوع من "التعذيب النفسي الجماعي للعائلات"، حيث تظل الأمهات والآباء في انتظار رسالة أو إشارة تثبت بقاء أبنائهم على قيد الحياة.

ويختم بركات "نريد فقط أن نعرف مصيرهم، هل هم أحياء يعانون كما يعاني المحررون، أم أنهم ارتقوا إلى ربهم؟ هذا الحق الأدنى في المعرفة تُنكره علينا قوة الاحتلال أمام مرأى ومسمع العالم أجمع".

مصدر الصورة أسير محرر يطل من شرفة مستشفى شهداء الأقصى بعد الإفراج عنه من سجون الاحتلال (الجزيرة)

جُرح في خاصرة القضية

تعيد هذه المشاهد الإنسانية للأذهان اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وإسرائيل في 13 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حين أُفرج عن نحو 1700 أسير من غزة، وصل معظمهم في حالات صحية حرجة، وتحدثوا عن فظائع من التجويع والإهانة.

واليوم، تشير التقارير الحقوقية إلى وجود أكثر من 10 آلاف فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، يواجهون ظروفًا مشابهة داخل السجون، حيث أدى الإهمال الطبي المتعمد والتعذيب إلى استشهاد عدد من المعتقلين، في ظل غياب المساءلة الدولية.

ومع وصول كل دفعة جديدة من المحررين عبر معبر كرم أبو سالم، تتكشف فصول جديدة من المأساة؛ إذ يخرج الأسرى بملابس ممزقة وأجساد عليلة، لتختلط صرخات الفرح بلقاء الأحبة بدموع الألم على من تركوا خلفهم، وعلى سنين من أعمارهم سُرقت في غرف التحقيق المظلمة، ليبقى ملف الأسرى الفلسطينيين جرحًا نازفًا في خاصرة القضية الإنسانية الكبرى.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا