بعد أسبوع حافل عاشه العراقيون في بغداد، يبدو أن الأوضاع في العاصمة، على الأقل، هدأت بعض الشيء.
فمنذ ليل الأربعاء، اختفت مشاهد الطائرات المسيرة التي تتجول فوق أجواء السفارة الأميركية في بغداد، فيما تحاول منظومة الدفاع الجوي اصطيادها، تنجح في كثير من الأحيان، لكن بعض الطائرات المسيرة تصيب أهدافا في داخل أو محيط البعثة الدبلوماسية الأميركية.
تزامن هذا التصعيد مع تغيير واضح في تكتيك الهجمات التي تطال الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق.
في بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، تعرضت عدة مواقع لتلك الفصائل في أنحاء العراق لضربات جوية، غير معلومة المصدر، لكنها طالت خلال الأسبوع الماضي ومطلع هذا الأسبوع قيادات من الصف الأول والثاني وكذلك مستشارين إيرانيين، وفقا لمصادر “الحرة”.
لم تتبن الولايات المتحدة أو إسرائيل أي من هذه الهجمات لكن مسؤولا دفاعيا أميركيا أبلغ “الحرة” في 9 مارس إن القوات الأميركية شنت ضربات في العراق منذ انطلاق عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير “بهدف حماية أفرادها من هجمات جماعات مسلحة موالية لإيران استهدفت قواعدها”.
بالمقابل، توقفت الهجمات التي تشنها الفصائل المسلحة على السفارة الأميركية، وقلت كذلك تلك التي تستهدف باقي المصالح الأميركية في العراق، خلال الـ24 ساعة الماضية، ما يشي بأن تلك الفصائل ربما بدأت تعيد حساباتها.
“تحب واشنطن استهداف القادة لأنه يتيح لها القول إن الضربات استراتيجية ولها تأثير إيجابي حقيقي على سلوك الخصوم” يقول السفير الأميركي السابق جيمس جيفري لـ”الحرة”.
لكن مع ذلك لا توجد هناك ضمانات في أن يتغير سلوك الفصائل الموالية لطهران بعد هكذا استهدافات، وفقا لجيفري، “لأن هذه التنظيمات، خصوصاً الأيديولوجية منها، تمتلك صفوفاً عميقة من القيادات المتوسطة ذات الخبرة والاندفاع، القادرة على الصعود بسرعة وملء الفراغ”.
تحول العراق منذ اندلاع الحرب مع إيران إلى ساحة صراع مشتعلة، في ظل تصاعد المخاوف من احتمال أن تصل الأوضاع لنقطة اللاعودة في بلد مثل العراق الذي يعاني أصلا من أزمات اقتصادية وانقساما بشأن الدور الذي تلعبه الفصائل الموالية لطهران.
يقول الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط رينارد منصور على منصة “ إكس ” إنه ومع تزايد الضغوط على هذه الفصائل، تفعّل جماعات “محور المقاومة وضعية النجاة” وهو ما يعيد تشكيل المشهد الأمني المستقبلي في المنطقة، في إشارة منه لاستهداف قياداتها.
وتقول فيكتوريا تايلور الدبلوماسية الأميركية السابقة ومديرة “مبادرة العراق” في المجلس الأطلسي إن “الميليشيات لا ترتدع بمقتل القادة الأدنى رتبة ولا بتدمير مواقعها اللوجستية، ولهذا ربما نرى تصعيدا من قبل الولايات المتحدة”.
تزامنت هذه التطورات مع خطوة مفاجئة أعلنت عنها “كتائب حزب الله العراقية” المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، الأربعاء، بتعليق هجماتها على السفارة الأميركية لمدة خمسة أيام بشروط.
وتضمنت الشروط التي أوردها الفصيل الموالي لطهران “التزام الولايات المتحدة بعدم قصف المناطق السكنية في بغداد والمحافظات الأخرى”.
وتُعد حركتي “النجباء” و”كتائب حزب الله” أبرز الفصائل التي توجه ضربات للمصالح الأميركية، ودخلت الحرب إلى جانب إيران مباشرة ووجهت عشرات الضربات داخل وخارج العراق.
وبحسب معلومات حصلت عليها “الحرة” من مصادر سياسية شيعية فإن تعليق الهجمات التي تشنها الفصائل جاء نتيجة حراك قادته الحكومة العراقية مدعومة بأطراف نافذة في الإطار التنسيقي الشيعي.
ولم تتضح، حتى مساء الخميس، تفاصيل ونتائج هذا الحراك رغم أن ثلاثة مصادر في الحكومة العراقية والإطار التنسيقي تحدثت لـ”الحرة” عن تعهد مشترك بعدم الاستهداف.
من جانبها، اكتفت القيادة المركزية الأميركية في تعليق على طلب أرسلته “الحرة” بشأن حقيقة وجود مثل هكذا تعهد، بالقول “ليس لدينا شيء لندلي به حول الموضوع”.
ولم ترد السفارة الأميركية في بغداد ولا وزارة الخارجية الأميركية على طلبين مماثلين أرسلتهما “الحرة” عبر البريد الإلكتروني في ذات السياق.
وكانت “الحرة” نشرت الثلاثاء تقريراً عن مقتل مستشارين إيرانيين في العراق في ضربة جوية استهدفت منزلا في منطقة الجادرية ببغداد. وقبل ذلك، نجا وفقاً للمعلومات الأولية الأمين العام لـ”كتائب حزب الله” أبو حسين الحميداوي من ضربة أميركية استهدفته في 14 مارس الحالي بمنطقة العرصات وسط العاصمة.
ومنذ بدء الحرب تعهدت الحكومة العراقية بملاحقة منفذي الهجمات التي تطال البعثات الدبلوماسية، ومنها السفارة الأميركية، ووصفتهم بأنهم “جماعات إرهابية”، إلا أنه على الأرض لا توجد حتى أي تحركات حقيقية لمواجهتهم.
من هنا يرى ممثل العراق السابق لدى الأمم المتحدة، فيصل الاسترابادي في حديث لـ”الحرة” أنه الميليشيات في العراق لطالما شكلت “طابورًا خامسًا” داخل الدولة، وهي قوة تعجز المؤسسات الحكومية الضعيفة عن تفكيكها.
ويعتقد الاسترابادي، وهو أيضا المدير المؤسس لمركز دراسات الشرق الأوسط، أن “الولايات المتحدة هي وحدها القادرة على مواجهة هذه الميليشيات عسكريًا، على اعتبار ان الحكومة العراقية الحالية، عاجزة عن خوض مواجهة عسكرية أو سياسية معها دون الانزلاق إلى حرب أهلية”.
المصدر:
الحرة