في المؤتمر الحزبي للاتحاد الديمقراطي المسيحي عام 2018 تم اتخاذ هذا القرار "يرفض الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني تشكيل ائتلافات أو أي أشكال مماثلة من التعاون سواء مع حزب اليسار أو مع حزب البديل من أجل ألمانيا". ومنذ ذلك الحين يدور الجدل باستمرار حول متى يتم تجاوز عتبة التعاون. وتؤجج قضية حالية في البرلمان الأوروبي النقاش حول ما يُعرف "بجدار الحماية" بشكل لم يسبق له مثيل.
وكالة الأنباء الألمانية أفادت بأن حزب الشعب الأوروبي (EVP) قد صاغ بالاشتراك مع كتلة "أوروبا الدول ذات السيادة" (ESN) اقتراحا تشريعيا لتشديد سياسة الهجرة. ينتمي حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى حزب الشعب الأوروبي (EVP) وكذلك حزبه الشقيق البافاري، الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU). وينتمي حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) إلى كتلة "أوروبا الدول ذات السيادة" والذي صنفته وكالة حماية الدستور الألمانية في خمسة من أصل 16 ولاية اتحادية على أنه "متطرف يميني مؤكد".
والأمر المثير للانتباه بشكل خاص هو أن رئيس حزب الشعب الأوروبي هو السياسي من حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي مانفريد فيبر. وقد برر التعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا في قناة ARD التلفزيونية العامة قائلا: "نحن لا نريد هذا التعاون ولن نسمح لحزب البديل من أجل ألمانيا بالوصول إلى عملية التشريع". لكنه أضاف أن الأمر يحتاج إلى حل. وكان فيبر يقصد بذلك اتباع نهج أكثر صرامة في سياسة الهجرة الأوروبية.
لا تبدو حجج رئيس حزب الشعب الأوروبي معقولة لأن حزب البديل من أجل ألمانيا شارك بشكل واضح في صياغة مشروع القانون الذي تم التفاوض عليه. ولا يوجد مثال مشابه في البوندستاغ الألماني. ومع ذلك فقد دعا الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي المسيحي وحزب البديل من أجل ألمانيا في نهاية يناير 2025 الحكومة الفيدرالية آنذاك في تصويت مشترك إلى تغيير مسار سياسة اللجوء. وأدى هذا التحالف إلى اندلاع مظاهرات شارك فيها عدة مئات الآلاف من الأشخاص.
وعلى المستوى المحلي لم يعد من الممكن الحديث عن وجود حاجز وقائي منذ فترة طويلة. فقد وثقت مؤسسة روزا لوكسمبورغ، المقربة من حزب اليسار في دراسة نُشرت عام 2024 ما يزيد عن 100 حالة تعاون. ففي أكتوبر 2019 تقدم حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في منطقة راينيكندورف ببرلين بمقترح "حظر ارتداء الحجاب للطالبات حتى الصف السادس". وبعد مناقشات استمرت لأشهر صوت كل من حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحزب البديل من أجل ألمانيا لصالح المقترح في أغسطس 2020.
وما يجعل هذه القضية مميزة: يبلغ عدد سكان راينيكندورف ما يقرب من 270 ألف نسمة مما يجعلها بحجم مدينة كبيرة. وينطبق هذا على جميع الأحياء الاثني عشر في العاصمة الألمانية حيث يعيش في برلين حوالي 3.8 مليون نسمة. لذا فإن أي تعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا على المستوى المحلي يأخذ بعدا مختلفا عما هو عليه في القرى الريفية.
في عام 2026 يزداد الجدل حول "جدار الحماية" أيضا لأن انتخابات برلمانات جديدة ستُجرى في أربع ولايات أخرى بعد انتخابات برلمان ولاية بادن فورتمبيرغ.
في 22 مارس سيكون الدور على ولاية راينلاند بفالتس تليها في سبتمبر ولايات ساكسونيا أنهالت ومكلنبورغ فوربومرن ومدينة برلين. في كل مكان يحقق حزب البديل من أجل ألمانيا نتائج جيدة في استطلاعات الرأي. في ساكسونيا أنهالت يبلغ معدل تأييده حوالي 40 في المائة.
ألمانيا، برلين 2025 ، مظاهرة حاشدة ضد حزب البديل من أجل ألمانيا ودعما للقيم الديمقراطيةصورة من: Hannes P Albert/dpa/picture allianceفي ظل هذه الخلفية تدعو ساسكيا لودفيغ، النائبة في البوندستاغ عن حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي إلى أن تقوم حكومة أقلية يقودها حزبها في حالة ظهور نتيجة انتخابية مناسبة بالتعاون والتصويت مع حزب البديل من أجل ألمانيا في بعض القضايا. ورغم أن لودفيغ رفضت تشكيل ائتلاف مع هذا الحزب في حديثها مع مجلة "دير شبيغل" إلا أنها أكدت في الوقت نفسه: "أنا شخصيا أعتقد أنه ينبغي أخذ تصويت الناخبين على محمل الجد".
وترفض لودفيغ "جدار الحماية" الذي أكد عليه المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس مرارا: "إذا صوّت 50 في المائة أو أكثر من 50 في المائة لصالح يمين الوسط، فيجب أن تكون هناك سياسات ليمين الوسط أيضا"، هكذا قالت النائبة في البوندستاغ وهي من ولاية براندنبورغ. وفي ولايتها يُعد حزب البديل أقوى قوة معارضة؛ "الديمقراطية تعني التوازن وليس الإقصاء"، هكذا تبرر لودفيغ دعوتها إلى التعامل بشكل مختلف مع حزب البديل من أجل ألمانيا.
في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD) الذي يشكل ائتلافا مع حزبي الاتحاد المسيحي في الحكومة الاتحادية الحالية، هناك اصوات تحذر من أي تقارب مع البديل. وقال رئيس وزراء ولاية راينلاند بفالتس لمنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ألكسندر شفايتزر لصحيفة "فيلت أم زونتاغ": "”على المحافظين أن يدركوا ماذا سيعني تعاونهم مع حزب البديل من أجل ألمانيا".
ويشير شفايتزر إلى دول أوروبية أخرى تعاون فيها المحافظون مع الشعبويين اليمينيين دون أن يضعوا حدودا لهم: "لا يمكننا التظاهر بأننا نستطيع دعوة حزب يميني متطرف مؤكد جزئيا إلى تولي المسؤولية ثم نتوقع ألا يفعل ما يفعله طوال الوقت أي الاستمرار في التطرف".
كما أن "جدار الحماية" ضد حزب البديل من أجل ألمانيا مثير للجدل أيضا خارج نطاق الأحزاب والبرلمانات. ويعتبر يورغ مولر، الرئيس السابق لجهاز حماية الدستور في براندنبورغ أن هذا الحاجز قد فشل: "إنه صارم للغاية وعام للغاية وغير مرن بالنسبة للوقت الحالي وللمزاج الاجتماعي"، كما قال لصحيفة تاغسشبيغل. ومع ذلك يرفض مولر تشكيل ائتلافات مع حزب البديل من أجل ألمانيا. لكنه يرى أنه يجب البقاء على حوار مع ناخبي الحزب وسياسييه.
كان مولر نفسه قد صنف حزب البديل خلال فترة ولايته على أنه "منتمٍ بشكل مؤكد إلى اليمين المتطرف". ومع ذلك فهو لا يؤيد فكرة التمسك "بجدار الحماية"، مبررا ذلك بالقول: "لأنه يضع حدودا ويستبعد ناخبي حزب البديل أيضا. وهذا هو الخطأ". وفي الوقت نفسه يطالب الخبير في شؤون حماية الدستور بالبقاء حازما وواضحا في مواجهة الهياكل والمواقف المتطرفة داخل الحزب.
من أبرز المؤيدين "لجدار الحماية" الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير: "أنا متأكد من أن الديمقراطية لن تخرج منتصرة من التعاون بين الديمقراطيين وأعداء الديمقراطية "، هكذا برر رئيس الدولة الألماني موقفه في حديثه مع الأسبوعية "دي تسايت".
وفي الصحيفة نفسها حذر الرئيس السابق لمؤتمر الأساقفة الألمان، جورج باتزينغ من التعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا. وقال إن هذا الحزب يمثل القومية العرقية. "وهذا يتعارض مع النظرة المسيحية للإنسان".
ألمانيا، برلين 2025 ، ساسكيا لودفيغ خلال الجلسة الثالثة عشرة للبرلمان الألمانيصورة من: dts-Agentur/picture allianceإذا سُئل السكان عن موقفهم من التعامل مع حزب البديل من أجل ألمانيا فإن الصورة تكون متباينة كما هي الحال في السياسة. قبل انتخابات البرلمان الإقليمي في بادن فورتمبيرغ في أوائل مارس أجرى معهد استطلاعات الرأي "يوغوف" (YouGov) استطلاعا للرأي بتكليف من وكالة الأنباء الألمانية: أيد حوالي ربع المستطلعين التعاون أو التحالف مع حزب البديل من أجل ألمانيا في بعض الأحيان. ورفض 42 في المائة التعاون مع حزب البديل من أجل ألمانيا بشكل عام.
أعده للعربية: م.أ.م (ع.ج.م)
المصدر:
DW