آخر الأخبار

كلفة تتضخم ووقت يتمدد.. لغز المشاريع الألمانية المتأخرة

شارك
دار الأوبرا في كولونيا، الظاهرة هنا في صورة تعود إلى عام 2015، تحولت إلى ورشة بناء لأكثر من عقد من الزمنصورة من: Marius Becker/dpa/picture alliance

مطار برلين الجديد ... خُطط لإنجازه في خمس سنوات، لكن بناءه استغرق أربعة عشر عامًا. محطة شتوتغارت المركزية ... لا تزال قيد الإنشاء رغم مرور ستة عشر عامًا. قاعة حفلات هامبورغ ، إلبه فيلهارموني ... أنجزت في تسع سنوات بدلًا من ثلاث. أما التكاليف، فكانت أحياناً أعلى بعشرة أضعاف ما وُعد به.

لنأخذ دار أوبرا كولونيا كمثال، بُنيت في خمسينيات القرن الماضي كرمز للديمقراطية الحديثة، وكانت حينها جوهرة ثقافية، لكنها باتت بحاجة إلى ترميم. بدا الأمر بسيطاً عام 2012، ثلاث سنوات من العمل، وموعد للافتتاح عام 2015. لكن حتى اليوم لا يزال المبنى الذي يضم دار الأوبرا نفسها، وخشبتي مسرح ودار أوبرا للأطفال - لا يزال ورشة بناء.

مطار برلين الجديد ... أُنجز في 14 عاماً بدلاً من 5 سنواتصورة من: Michael Ukas/dpa/picture alliance

تخبرنا مغنية الأوبرا إميلي هيندريش كيف كانت متفائلة عندما انضمت إلى العمل عام 2015: "ظننت في ذلك الوقت انهم سيجدون حلًا سريعًا. كنت متفائلة." عشر سنوات مرت، لم تطأ إميلي أرض المبنى، وتوزعت العروض على أماكن مؤقتة وتفاقم الإحباط.

ارتفعت الميزانية الأصلية من 250 مليون يورو إلى 850 مليون يورو. ومع إضافة فوائد القروض وتكاليف الأماكن المؤقتة، وصلت الفاتورة إلى 1.5 مليار يورو. تقول هندريش: "هذا يُثير اشمئزازي. أشعر وكأنني أُهدر الأموال هباءً".

خلال عقد من الزمن، مرّ الممثل أندرياس غروتتسينغر بمشاعر متضاربة: أمل، يأس، غضب، وسخرية متزايدة. أُعلن عن مواعيد جديدة مرارًا وتكرارًا، لكنها لم تُنفذ أبدًا. وكان أكثر ما يُقلقه هو أن أحدًا لم يُخبره أبدًا بسبب تعثر المشروع. ويقول: "لا أحد يعلم، لا أحد يستطيع تحديد الخطأ بالضبط. إنها شبكة معقدة ومُربكة من الأسباب والنتائج".

ما أسباب التأخير في ألمانيا؟

تولى يورغن مارك فولم إدارة المشروع عام 2024 - بعد تأخير 9 سنوات عن الجدول الزمني. وهو يشير إلى التعقيدات الهائلة للمشروع الذي يمتد على مساحة 64 ألف متر مربع، ويضم 2000 غرفة، وتنفذه 58 شركة مختلفة تمثل 72 تخصصًا، بالإضافة إلى 22 جهة تخطيط.

يخبرنا فولم: "أنه كان لا بد من إعادة الكثير من العمل بسبب عدم منح التراخيص بالشكل الصحيح، وظهور عيوب في التصميم والبناء". يُضاف إلى ذلك المناقصات الصارمة التي غالبًا ما تُفضل صاحب العرض الأرخص. فعندما يُعلن المقاولون إفلاسهم، يتوقف العمل، وتُطرح مناقصات جديدة، وتتفاقم التأخيرات.

ويضيف فولم بالقول: "أعلنت شركات إفلاسها، واضطررنا إلى إشراك شركات جديدة، وكان عليها الانضمام إلى المشروع خلال تنفيذه، لذا كانت الأمور تتغير باستمرار". باختصار، كانت مشاكل التواصل هي أصل المشكلة في كولونيا. "نحن بارعون جدًا في حل المشكلات التقنية، لكننا لسنا كذلك في التواصل." ما يتسبب بتأخيرات هائلة في المشاريع في أماكن كثيرة في البلاد.

أما راينر هولتسناغل، رئيس اتحاد دافعي الضرائب في ألمانيا فيعلق قائلاً: "تواجه ألمانيا مشكلة كبيرة، إذ لم تعد المشاريع الضخمة تُبنى بسرعة وكفاءة ووفقًا للمتطلبات. لم تعد تلك الصورة الإيجابية القديمة لألمانيا صحيحة." وهو يشير بذلك إلى كم هائل من اللوائح التي تمتد من البيئية إلى عوامل السلامة

ويقول انها تُبطئ كل شيء: "البناء في ألمانيا مكلف للغاية. ليس بسبب المواد أو الأجور، ولكن بسبب كثرة اللوائح التي تُكلف مبالغ طائلة والكثير من الوقت والجهد، كما أن الأمور تزداد تعقيدًا عندما تقع مسؤولية الإشراف على هذه اللوائح على عاتق إدارات مختلفة في إدارة كبيرة.

كولونيا ... استغرق بناء الكاتدرائية الشهيرة نحو 600 عامصورة من: Roberto Pfeil/dpa/picture alliance

قصة كاتدرائيتين

دار أوبرا كولونيا ليست أول مشروع يشهد تأخيرًا كبيرًا في المدينة. فقد استغرق بناء الكاتدرائية الشهيرة نحو 600 عام، وهي أكثر المعالم زيارة في ألمانيا. بدأ بناءها عام 1248، وعندما نفدت أموال المدينة، تحولت إلى ورشة مهجورة يعلوها برجًا غير مكتمل وبقيت كذلك لقرون عديدة.

لم يكتمل بناء الكنيسة إلا عام 1880، عندما أصبح إتمام البناء مهمة وطنية، فقد كانت ألمانيا توحد ممالكها ودوقياتها الصغيرة في دولة واحدة. ويعلق الممثل أندرياس غروتسينغر مبتسمًا: "استغرقهم الأمر 600 عام لإنجازها، وآمل أن نتجاوز ذلك".

ننتقل إلى صرح كبير في قلب العاصمة الفرنسية باريس ، التي تبعد 500 كيلومتر جنوب غرب كولونيا، حيث تقع كاتدرائية نوتردام الشهيرة. أُنجزت الكاتدرائية عام 1345 أسرع بكثير من نظيرتها في كولونيا، وهي تُشكّل نموذجًا يُحتذى به لتجاوز مشاكل ألمانيا الحالية المتعلقة بالمواعيد النهائية وتجاوز الميزانية.

كاتدرائية نوتردام ... دمّر حريق اندلع عام 2019 جزء كبير من سقفهاصورة من: Andreas Becker/Nicolas Martin

روح نوتردام

دمّر حريق اندلع عام 2019 قمة كاتدرائية نوتردام وجزء كبير من سقفها. بعد وقت قصير، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن إعادة بناء الكنيسة في غضون خمس سنوات. وقد تم ذلك بالفعل، في الموعد المحدد وضمن الميزانية المرصودة.

لقد أشرف الجنرال المتقاعد جان لويس جورجلين على المشروع بدقة عسكرية. ويتذكر فيليب جوست، الذي تولى المسؤولية بعد وفاة جورجلين وأدار المشروع حتى اكتماله، قائلاً: "لقد أُطلق عليه اسم معركة الخمس سنوات".

ويخبرنا جوست إن الشعور بالهدف المشترك هو ما خلق "روح نوتردام". وقال لرؤساء جميع الشركات المشاركة في المشروع: "سوف نعمل كأسرة واحدة كبيرة"، وأنه موجود لمساعدتهم في حال واجهوا أي مشاكل.

يقول جوست: "إن إنفاق المال لحل مشكلة ما بسرعة هو استثمارٌ مُوفق. إنه أشبه بمكافحة حريق قبل أن ينتشر". كان مستعدًا للأسوأ. وخصص ما يقارب من ربع ميزانية إعادة الإعمار لمراعاة ارتفاع الأسعار، والأحداث غير المتوقعة، ومخاطر التأخير في الجدول الزمني. وبدلًا من تبادل الاتهامات، أولى الفرنسيون الأولوية للثقة والتواصل. وحافظوا على فريق صغير.

أدار جوست مؤسسة لم يتجاوز عدد موظفيها 35 شخصًا، أُنشئت خصيصًا لهذا الغرض، وأمضوا أكثر من عام في البحث عن المقاولين المناسبين. ويقول جوست: "كان علينا اختيار الأفضل. فالأفضل ليس دائمًا الأرخص". اما النتيجة فكانت إعادة بناء الكاتدرائية بتكلفة 700 مليون يورو، وأُنجزت كما وُعد في غضون خمس سنوات.

دروس لألمانيا

يقول هولتسناغل، وهو رئيس دافعي الضرائب في ألمانيا : "لقد آن الأوان أن تستفيد ألمانيا من أفضل الممارسات في أماكن أخرى. عندما أنظر إلى حالة بعض الجسور أو الطرق - ولا أريد الخوض في موضوع القطارات - أرى أن الدولة الألمانية تعاني من مشكلة ضخمة، ويمكنكم أن تتفهموا سبب الاستياء الشديد لدى المواطنين".

بالمقابل تعرب مغنية الأوبرا، إميلي هيندريش، عن دهشتها مما تعتبره نقصًا في المرونة في ألمانيا وتقول: "هناك دائمًا تلك العقلية العنيدة المتصلبة: 'لدينا خطة، كتبناها، من المفترض أن تسير الأمور على هذا النحو!' ولكن لا توجد خطة بديلة".

أما الممثل غرويتسينغر فيخبرنا أن مباني دار الأوبرا والمسرح في كولونيا لم تُصان بشكل صحيح لعقود، مما فاقم المشكلة: "لقد قللت ألمانيا من استثماراتها في بنيتها التحتية لدرجة أنه عندما يحين وقت الاهتمام بها، تصبح المشاكل كارثية".

لكن الخبر السار الآن هو الإعلان عن إعادة افتتاح دار أوبرا كولونيا في خريف 2026. بالنسبة لإيميلي، سيكون الأمر مؤثراً للغاية وتقول: "إذا سنحت لي الفرصة للغناء هناك، فسيكون ذلك بمثابة العودة إلى الوطن. وهذا ما كنت أنتظره".

أعده للعربية: محمد حجاج

تحرير: عماد غانم

DW المصدر: DW
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا