آخر الأخبار

اغتيال خامنئي وصمت "بريكس".. هل انتهى حلم الجنوب العالمي؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في يوم 4 مارس/آذار، كانت الفرقاطة العسكرية الإيرانية "أيريس دينا" تتحرَّك قبالة سواحل سريلانكا، عائدة من مناورات "ميلان 2026" البحرية، التي أُجريَت في ضيافة البحرية الهندية بصُحبة 72 دولة أخرى. فجأة، تلقَّت "دينا" ضربة قاصمة من غواصة أمريكية، وسرعان ما بدأت في الغرق مع طاقم من نحو 150 من الضباط والبحارة والفنيين.

حين انطلقت استغاثة من مركز تنسيق الإنقاذ البحري في العاصمة السريلانكية كولومبو لإنقاذ ما أمكن من الطاقم، لم تتردَّد الهند في إرسال طائرات الدوريات البحرية مع سفينة من أسطولها للمشاركة في جهود الإنقاذ، مما أدى إلى إنقاذ 32 شخصا، وانتشال 87 جثة، في حين ظل البقية مفقودين (بحلول 8 مارس/آذار، أعلن الجيش الإيراني ارتفاع حصيلة القتلى إلى 104 أشخاص).

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 أشد من حرب العراق.. كيف تحكي صور الأقمار الصناعية قصة الساعات الأولى لحرب إيران؟
* list 2 of 2 لغز "التنين" المتردد.. لماذا لا تتدخل الصين في حرب إيران؟ end of list

بيد أن هذا أقصى ما فعلته الهند للتضامن مع إيران، الدولة صاحبة العلاقات التاريخية مع دلهي، والتي رحَّبت الأخيرة بانضمامها إلى تكتُّل بريكس (BRICS) قبل عامين، فيما عُدَّ وقتها توسيعا للكتلة التي تُعلَّق عليها آمال صعود "الجنوب العالمي" كما يُعرف، في مواجهة هيمنة القوى الغربية التقليدية، حيث فُتِح الباب لعضوية مصر وإثيوبيا والإمارات العربية المتحدة وإيران، إلى جانب المؤسسين، البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.

أمام البرلمان الهندي، وقف وزير الخارجية سوبرامانيام جايشانكار، واصفا حادثة غرق "دينا" بأنها "مؤسفة"، دون الإشارة إلى سبب غرقها من قريب أو بعيد. في صمت تام إذن، غرقت الفرقاطة الإيرانية، في أول حادثة من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية، دون أن تستطيع حتى الدول صاحبة العلاقات القوية مع إيران الإشارة للأمر صراحة، باستثناء الصين وروسيا والبرازيل، الذين أدانوا الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في يومه الأول.

لاذت بقية دول بريكس إما بالصمت أو بالبيانات الدبلوماسية التي تحدَّثت عن الاستقرار والتهدئة، رغم التصعيد العسكري الواضح من واشنطن، مما أثار علامات استفهام حول جدوى وفعالية أشكال التضامن الجنوبي التي تبلورت طيلة العقدين الماضيين، وكان يُعتقد أنها قادرة على موازنة نفوذ واشنطن وهيمنتها، وإفساح مجال للدول النامية كي تناور الضغوط الغربية، وتجد لنفسها بديلا يمنحها مصدرا للقوة في مواجهة القوى الكبرى.

"حين دوَّت المدافع، وساد منطق القوة الخشنة الأمريكي، انكشفت ببساطة هشاشة فكرة التضامن الجنوبي".

ولكن حين دوَّت المدافع، وساد منطق القوة الخشنة الأمريكي، انكشفت ببساطة هشاشة فكرة التضامن الجنوبي، التي لم تكتسب حتى الآن فاعلية كافية تتيح لها أن تردع لجوء القوى الكبرى لأساليب الهيمنة، أو أن تعيد تشكيل موازين القوى لصالحها. غير أن تلك ليست أول مرة تكتشف فيها دول الجنوب العالمي أنها لا تزال بحاجة لبذل المزيد من الجهد والموارد كي تُحقِّق ما تصبو إليه، بما يتجاوز الخطابات والمؤتمرات وزيادة التبادل التجاري.

إعلان

فقبل حوالي 70 عاما، وفي مدينة باندونغ الإندونيسية، تجمَّعت الدول الأفريقية والآسيوية بعد أن حازت استقلالها إثر انحسار الاستعمار في صورته الكلاسيكية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وأطلقت العنان لطموحاتها في أن تُشكِّل كتلة مستقلة موازنة للكتلتين؛ الغربية المتمركزة حول واشنطن، والشرقية المتمركزة حول موسكو، لكن تلك الأحلام "الطوباوية" لم تكتمل ربما لنفس الأسباب التي تجعل القوى الجنوبية اليوم "قاصرة" عن الفعل السياسي في الأوقات التي تشتد فيها الحاجة لمواقف جماعية تثبت من خلالها قدرتها على الحضور والتأثير.

View this post on Instagram A post shared by الجزيرة – مصر (@aja.egypt)

باندونغ: حلم لم يكتمل

في ربيع عام 1955، كانت مدينة باندونغ الخارجة لتوها من عباءة الاستعمار الهولندي، تستقبل ممثلي 29 دولة آسيوية وأفريقية، جلها فقير اقتصاديا وضعيف عسكريا، لكنها قررت الاجتماع لمناقشة مصيرها السياسي والاقتصادي لأول مرة بعيدا عن عواصم صنع القرار الدولي في دول الشمال. في قاعة الاستقلال بقلب المدينة، والتي كانت حتى وقت قريب حينها ناديا اجتماعيا للنخبة الهولندية، عقدت القمة في رمزية قوية على طي صفحة الاستعمار وبدء مرحلة جديدة.

لم تكن الدول النامية حينها تمتلك مقاعد دائمة في مجلس الأمن، ولا بنوكا عالمية، ولا أحلافا عسكرية عابرة للقارات، غير أنها قررت في خطوة ضرورية وحالمة في الوقت نفسه، أن تمتلك صوتها المستقل في عالم الحرب الباردة، دون أن تكون مجبرة على الانحياز إلى القوى الكبرى. ولذا، نشأت بعدئذ حركة عدم الانحياز في العاصمة اليوغوسلافية بلغراد عام 1961، ثم مجموعة الـ 77 في الأمم المتحدة بعد ثلاث سنوات، وبدأت فكرة "الجنوب العالمي" تأخذ شكلها الأول، ليس بوصفها كتلة متماسكة بالضرورة، لكن بوصفها رغبة في إحداث قدر من التوازن والسعي من أجل نظام دولي أكثر عدلا.

مصدر الصورة مؤتمر باندونغ 1955 أول اجتماع لدول العالم الثالث التي كانت قد استقلت في منتصف القرن العشرين (غيتي)

في تلك الحقبة، كان التحدي الأخلاقي والسياسي يدور حول إنهاء الاستعمار، وتغيير قواعد التجارة غير المتكافئة، ورفض منطق الهيمنة باللجوء للقوة المادية دون اعتبار لإرادة الشعوب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ولكن فكرة عدم الانحياز تلقت أكثر من ضربة أدت لانحسارها مع الوقت، أبرزها الضربة العسكرية التي وجهتها الصين للهند عام 1962، بعد أن كان ينظر للبلدين الآسيويين بوصفهما نموذجا في التضامن الآسيوي والجنوبي. ثم الهزيمة التي مني بها العرب عام 1967 أمام إسرائيل بدعم أمريكي، ودفعت بعض القوى العربية الرئيسية للتحالف مع الاتحاد السوفيتي كي يعدلوا موازين القوى.

"بعد رحيل الاستعمار، بدأت فكرة الجنوب العالمي تأخذ شكلها الأول، ليس بوصفها كتلة متماسكة بالضرورة، لكن باعتبارها رغبة في إحداث قدر من التوازن والسعي من أجل نظام دولي أكثر عدلا".

بعد نهاية الحرب الباردة، وقبول معظم دول العالم للنظام الدولي بصورته الراهنة، زاد الحديث عن العالم الثالث النامي، الذي انتظر منه أن يبني قواعد قوته وفق نموذج التنمية الرأسمالي المهيمن وقتها. وقد سارت على هذا النهج العشرات من الدول، ولاقت تجاربها نجاحات متفاوتة بالتزامن مع اندماج متزايد في تقسيم العمل الدولي. وكان النجاح الأكبر بالطبع من نصيب الصين، التي باتت قطبا دوليا قائما بذاته، في حين حققت الهند وجيرانها الآسيويين نجاحات متباينة، ولم تنل أفريقيا حظا كبيرا من التنمية المنشودة سوى بضع دول فيها، ولفترات قصيرة.

إعلان

بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم صعود الحركات الاحتجاجية في بلدان الجنوب وأهمها الثورات العربية عام 2011، ثم انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة ولجوئه المتزايد لسياسات تجارية وعسكرية خشنة، عاد الحديث من جديد عن ضرورة إحياء التضامن الجنوبي، لا سيما وقد باتت دول الجنوب أفضل حالا من الأمس القريب، فقد صارت تمتلك حصصا معتبرة من التجارة العالمية والاحتياطيات النقدية والتكنولوجيا ومختلف مصادر الطاقة والعناصر الأرضية النادرة، فضلا عما تمثله من سوق يضم مليارات البشر.

ومع ذلك، فإن السؤال الذي كان يلاحق رواد باندونغ لا يزال مطروحا اليوم: إلى أي مدى يمكن لهذا الجنوب، بكل تنوعه واختلافاته، أن يغير فعلا موازين القوة بعيدا عن الدعوة إلى عقد المؤتمرات وإصدار البيانات، وأن تكون له كلمته في لحظات الأزمات الكبرى التي تختبر فيها حقيقة النفوذ؟ هنا تحديدا تقف الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بواسطة الولايات المتحدة، كمرآة تكشف الفارق بين إمكانات الصعود وحدود التأثير.

عالم انتقال القوة

تقدم لنا نظرية "انتقال القوة" مدخلا تحليليا مناسبا لفهم اللحظة الراهنة. فهي تفترض أن استقرار النظام الدولي يرتبط بتوزيع القوة بين الدول المهيمنة والقوى الصاعدة، وأن أكثر الفترات عرضة للاهتزاز هي تلك التي يقترب فيها وزن الدول الصاعدة من وزن القوى المهيمنة، خاصة إذا اقترن ذلك باستياء من قواعد النظام القائم. غير أن القوة هنا ليست مادية فقط؛ إذ تدخل في الحسبان درجة رضا القوى الصاعدة عن المؤسسات الدولية القائمة، وقدرتها الداخلية على التنظيم، وبناء تحالفات متماسكة حول مشروع واضح.

وقد ميزت الأدبيات بين الانتقال الإصلاحي، الذي يجري من داخل النظام الدولي عبر إعادة توزيع الأدوار والقواعد، وبين الانتقال الصدامي، الذي يتحدى الأسس ذاتها، كما جرى مع القوى الفاشية في ثلاثينيات القرن الماضي. بتطبيق هذه العدسة على الجنوب العالمي نكتشف أن المشهد الراهن أقل شبها بصعود قوة أحادية جديدة، وأنه أقرب لصعود جماعي غير متجانس لمجموعة دول تسعى إلى تحسين مواقعها التفاوضية، دون أن تتفق بالضرورة على صياغة بديل مؤسسي موحد للنظام الدولي.

"تفترض نظرية انتقال القوة أن استقرار النظام الدولي يرتبط بتوزيع القوة بين الدول المهيمنة والقوى الصاعدة، وأن أكثر الفترات عرضة للاهتزاز هي تلك التي يقترب فيها وزن الدول الصاعدة من وزن القوى المهيمنة".

ومن ثم لم يكن غريبا أن دول الجنوب مالت للخيار الإصلاحي طيلة السنوات السابقة، وإن كانت بعض الدول قد استفادت من التحولات الأخيرة في جوارها المباشر كي ترسم خطوطا حمراء لأمنها القومي، لا سيما الصين في بحر جنوب الصين، والهند في كشمير.

لقد طبقت نظرية انتقال القوة تاريخيا على لحظات صعود قوى محددة، مثل الصعود الصدامي لألمانيا قبل عام 1914، وكذلك اليابان قبل الحرب العالمية الثانية، ثم الاتحاد السوفيتي. وكان الرهان في تلك الحالات على منافسة مباشرة بين مهيمن واحد وصاعد واحد أو اثنين، وبالنظر إلى أن التحدي أتى من بلد يخضع قراره لدولة واحدة، أو من بضع دول متقاربة في بنيتها وأهدافها شكلت تحالفا متجانسا، مثل ألمانيا واليابان قبل عام 1945، فإن سيناريو الانتقال الصدامي كان منطقيا، وملائما لطبيعة تلك الأنظمة ورغبتها في تحدي القوى المهيمنة.

غير أن المشهد الراهن أعقد من ذلك؛ فالمنافسة ليست بين قوة واحدة صاعدة وأخرى متراجعة، بل بين مجموعة متباينة من الصاعدين من خارج الغرب، وبين شبكة مؤسسات وقواعد تشكلت على مدى سبعة عقود حول النظام الليبرالي بقيادة واشنطن وحلفائها. وهذا يفرض علينا إعادة قراءة النظرية بما يراعي انتقالا "متعدد المراكز" يكون فيه جزء من القوة الصاعدة، مثل الصين والهند، مندمجا بعمق في الاقتصاد العالمي، وجزء آخر، مثل إيران وفنزويلا، واقعا تحت أنظمة عقوبات وحصار سياسي واقتصادي وعسكري.

مصدر الصورة الرئيس الصيني شي جين بينغ (الثاني يمين) ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (وسط) أثناء اجتماع مجلس أعمال مجموعة بريكس 2017 (الفرنسية)

الجنوب العالمي: صعود بلا قيادة

عرفت دول الجنوب في العقود الثلاثة الأخيرة تحولات لافتة في وزنها الاقتصادي، حيث سجلت ارتفاعا في الحصة من الناتج العالمي والتجارة، وتضخما في الاحتياطيات النقدية، وتوسعا في أدوارها داخل سلاسل القيمة، وعلى نحو خاص في مجالات الطاقة والمعادن النادرة والتصنيع الوسيط. وقد فتحت هذه الموارد هامش مناورة أوسع في السياسة الخارجية؛ حيث رأينا تنويعا متزايدا في الشراكات، وازديادا في استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، وسعيا إلى تقليل الاعتماد على الدولار في بعض التكتلات.

إعلان

غير أن هذا الصعود محكوم بتفاوت عميق داخل الجنوب العالمي نفسه؛ فلدينا دول تقترب من مستوى القوى الكبرى تكنولوجيا وصناعيا، وأخرى تعتمد على صادرات أولية وتفتقر لهياكل مؤسسية مستقرة. كما تتباين الأنظمة السياسية الحاكمة وتماسك العقد الاجتماعي في كل منها، وتختلف أولويات الأمن القومي بين من يرى تهديده الرئيس في الهيمنة الغربية، ومن يرى الخطر في الجوار الإقليمي أو في الصين أو روسيا. هذا التفاوت لا يجعل الجنوب كتلة سياسية واحدة، ويدفع الكثير من الدول فيه إلى انتهاج سياسة التحوط بين القوى الكبرى بدلا من الاصطفاف في وجهها.

"غياب مركز قيادي متفق عليه، وانعدام رؤية موحدة حول شكل النظام الدولي المنشود، يحدان من قدرة الجنوب على التحول إلى ثقل سياسي منسق في لحظات الأزمات".

والنتيجة هي سلوك مزدوج يجمع ما بين الاندماج الوظيفي في المؤسسات الدولية القائمة، مع ضغط إصلاحي من خارجها عبر تكتلات مثل مجموعة "بريكس" (BRICS) ومجموعات إقليمية أخرى. ولكن غياب مركز قيادي متفق عليه، وانعدام رؤية موحدة حول شكل النظام الدولي المنشود، يحدان من قدرة هذا الصعود على التحول إلى ثقل سياسي منسق في لحظات الأزمات.

كانت إحدى تجليات الصعود الجنوبي في العقد الأخير هي الاندفاع الواضح نحو فك الارتباط التدريجي بالدولار، عبر التبادل بالعملات المحلية أو التفكير في اعتماد عملة مرجعية لتكتل "بريكس". وقد كشفت العقوبات على روسيا لكثير من دول الجنوب مدى هشاشة اعتمادها على الدولار، وبالنتيجة دفعت عددا منها، مثل الصين والبرازيل وجنوب أفريقيا، إلى توقيع اتفاقيات تجارية بالعملات الوطنية. غير أن هذه التحركات، رغم دلالاتها المهمة، لا تزال محكومة بعقبات تقنية وسياسية؛ فالدول المنضوية تحت راية "بريكس" نفسها لم تتفق على عملة مرجعية بديلة، وتخشى في الوقت ذاته من استبدال هيمنة بهيمنة أخرى.

يضاف إلى ذلك أن جزءا من ثقل الجنوب العالمي اليوم يقوم بالأساس على امتلاك بلدانه "سلعا استراتيجية" (مثل الطاقة الأحفورية والمعادن الحرجة والمواد الغذائية) تمنحه قوة تفاوضية، لكن تعرضه لتقلبات الأسعار والدورات الاقتصادية وأدوات الضغط البيئي والتنظيمي من دول الشمال. لذلك، يبقى تحويل هذه الميزة إلى نفوذ مستدام رهنا بمدى نجاح الجنوب في بناء قدرات تكنولوجية وتمويلية ذاتية بعيدا عن مجرد الاعتماد على الطلب العالمي على موارده الخام.

"بريكس": منصة انتقال أم تكتل بديل؟

تعد مجموعة "بريكس" التجسيد المؤسسي الأبرز لطموح الجنوب في التعبير عن مصالحه المشتركة. فمنذ تأسيسها ثم توسيعها، سعت المجموعة إلى بناء بنى مالية بديلة، مثل "البنك الجديد للتنمية"، والتوصل إلى تفاهمات لتقليل الاعتماد على الدولار في التبادلات التجارية البينية، كما حاولت بلورة مواقف مشتركة حول قضايا الحوكمة العالمية، من إصلاح مجلس الأمن إلى قواعد التجارة والعقوبات.

لكن المجموعة التي تعبر عن تطلعات الدول الأعضاء فيها، تكشف في الوقت ذاته حدود التماسك الجنوبي. فحجم التباين بين أعضائها، من الصين وروسيا إلى الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، ثم السعودية وإيران ومصر، يجعلها أقرب إلى "منتدى تنسيق مصالح" من كونها تحالفا استراتيجيا صلبا. فالتنافس الصيني–الهندي، وتفاوت الأنظمة السياسية، وتناقض بعض المصالح في ملفات مثل الطاقة والأمن الإقليمي، كلها عوامل تضع سقفا عمليا لتحول "بريكس" من منصة تشاور إلى قطب بديل يستطيع فرض قواعد جديدة.

وتكشف لنا أولى الاختبارات الجدية لـ"بريكس" ذلك الأمر؛ فاستهداف نظامي إيران وفنزويلا، وهما طرفان محسوبان على معسكر الساعين لكسر هيمنة العقوبات الغربية، لم يقابل بقدرة جماعية على توفير "مظلة حماية" حقيقية، بل ببيانات إدانة وتحذير، دون ترجمتها إلى إجراءات اقتصادية أو أمنية ذات أثر مباشر. وهنا تظهر الفجوة بين الخطاب الذي يعد ببناء توازن مضاد للغرب، والقدرة الفعلية على تحمل كلفة هذا التوازن حين يتحول الصراع من مستوى الدبلوماسية والتعاون التجاري إلى مستوى القوة العسكرية الخشنة.

"التباينات داخل بريكس تجعله أقرب إلى منتدى تنسيق مصالح أكثر من كونه تحالفا استراتيجيا صلبا".

لقد كانت توسعة "بريكس" عامي 2023–2024 تعكس إدراكا متزايدا لدى دول الجنوب بأن معركة النفوذ في القرن الحادي والعشرين ستكون مالية نقدية بقدر ما هي جيوسياسية، وكان إدخال منتجين كبار للطاقة، مثل إيران والإمارات، إلى منصة تحاول فك الارتباط بالدولار في تجارة النفط والغاز، يحمل في طياته تحديا مباشرا لواحدة من ركائز الهيمنة الأمريكية منذ اتفاقيات "البترو–دولار" في حقبة السبعينيات.

إعلان

ثم أتت الحرب على إيران وقبلها عملية "اختطاف" الرئيس الفنزويلي مادورو بمثابة قرار أمريكي بمنع أي محاولة لاستخدام موارد الطاقة أو الموقع الجغرافي لبناء "اقتصاد مقاوم للعقوبات"، بل ومواجهتها بأدوات قاسية، تبدأ بالحصار البحري، وتمتد إلى شن الحرب مثلما حدث مع إيران، أو تنفيذ عمليات نوعية خارج القانون الدولي مثلما حدث في فنزويلا.

اختبار الميدان: طهران وكاراكاس

وهكذا تمثل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لحظة تكثيف تاريخي؛ إذ تداخل فيها استعمال القوة العسكرية العابرة للحدود مع اختبار صعب لمواقف الجنوب. وقد صدرت إدانات قوية من عواصم دول الجنوب العالمي، مثل الصين وكوبا وماليزيا، رافضة "اغتيال قائد دولة ذات سيادة" ومعتبرة الحرب على إيران امتدادا لمنطق الهيمنة الاستعماري.

ورغم ذلك، لم يتغير مسار العمليات الميدانية، ولم تنجح أي مبادرة جنوبية في فرض وقف ملزم أو صياغة ترتيبات أمنية بديلة؛ بل بقيت مفاتيح التصعيد والتهدئة في يد القوى المنخرطة مباشرة في القتال، مدعومة بتحالفات عسكرية راسخة. وهنا ظهرت معضلة الجنوب بجلاء؛ فهو قادر على إنتاج خطاب نقدي قوي، لكنه يفتقر إلى أدوات قوة صلبة أو تحالفات دفاعية أو ترتيبات أمن جماعي، أو حتى منظومات عقوبات مضادة، يمكن أن تحول هذا الخطاب إلى كلفة تردع من يتجاهله.

عمَّقت عملية "اختطاف" الرئيس الفنزويلي مادورو تحديدا هذا الاستنتاج؛ فهي عملية استخدمت فيها أدوات قانونية واستخبارية وعسكرية عابرة للحدود، وقُدِّمَت في الخطاب الأطلسي على أنها دفاع عن الشرعية وحقوق الإنسان، لكنها في الواقع تعبر عن إعادة تنظيم لموازين القوة في أمريكا اللاتينية، مع إرسال رسالة إلى كل الأنظمة التي تحاول بناء تحالفات طاقية ومالية خارج المدار الأمريكي.

ومرة أخرى، أظهرت ردود القوى الجنوبية، من موسكو وبكين إلى العواصم الإقليمية، عجزا عن منع التغيُّر العميق الذي جرى في التوازن الداخلي لدولة حليفة، مما يضع علامة استفهام على مدى قدرة التضامن الجنوبي على حماية شركائه الأقربين عندما تقرر قوة مركزية استخدام أدواتها العسكرية.

وقد كانت ردود الفعل في أمريكا اللاتينية كاشفة هنا؛ إذ عبَّرت حكومات محسوبة على "المعسكر التقدمي" عن قلقها الشديد حيال سابقة المساس بسيادة دولة في جوارها، لكنها تجنبت في الوقت نفسه أي تصعيد عملي يُفسر بوصفه قطعا للجسور مع واشنطن، فيما اكتفت دول محسوبة على "بريكس" ببيانات تنديد وتحذير، دون أن تُفعل مثلا أي أداة مالية أو قانونية مشتركة لحماية كاراكاس أو التفاوض على ترتيبات انتقال سياسي مختلفة لتلك التي فرضتها واشنطن.

لأن الجنوب لم يتبلور بعد

يمكن تفسير محدودية التأثير الجنوبي بتداخل أربعة عوامل رئيسية. أولها غياب التجانس السياسي والاقتصادي، فهناك في الجنوب ديمقراطيات ليبرالية وأخرى هجينة ودول أخرى "سلطوية"، وهناك اقتصادات صناعية متقدمة وأخرى ريعية وثالثة هشة، ومن ثمَّ يصير بناء موقف موحد صلب أمرا بالغ الصعوبة، في حين يبقى التوافق على صياغات عامة حول "رفض الهيمنة" أمرا أيسر. أضف لذلك أن تحويل هذا الرفض إلى استراتيجيات مشتركة متوافق عليها في ملفات الطاقة أو السلاح أو العقوبات، يصطدم بمصالح وطنية متعارضة بين دول الجنوب وبعضها البعض.

"لا تزال القوى الغربية تملك معظم أدوات الهيمنة المالية، وتقود في الوقت نفسه تحالفات عسكرية أطول عمرا وأكثر تماسكا، علاوة على شبكة قواعد عسكرية حول العالم".

العامل الثاني هو تفوق قدرات الدول المُهيمنة في عناصر القوة الحاسمة. فلا تزال القوى الغربية تملك معظم أدوات الهيمنة المالية، وتقود في الوقت نفسه تحالفات عسكرية أطول عمرا وأكثر تماسكا، علاوة على شبكة قواعد عسكرية حول العالم. ويتيح هذا لدول الغرب تغيير الوقائع الميدانية بسرعة عبر توجيه ضربات جراحية، أو خنق اقتصادات معينة، أو إعادة تعريف "الشرعية" عبر السيطرة على منصات الخطاب الدولي التقليدية.

وفي ذات السياق الكاشف عن محدودية سقف الرد الجنوبي، تكفي الإشارة إلى أن تجميد الأصول الروسية في المصارف الغربية، واستخدام نظام التحويلات المالية الدولي "سويفت" سلاحا في النزاع الأوكراني، أرسلا إشارة تحذيرية إلى بقية دول الجنوب كشفت مدى هشاشة احتياطاتها إذا ما اصطدمت بالمصالح الغربية؛ وهو ما يفسر تصاعد النقاش عن "سلاح الدولار"، والرغبة في التخلص التدريجي من الاعتماد عليه. غير أن البدائل العملية، من العملات المحلية إلى نظم الدفع الإقليمية، لم تصل بعد إلى حجم يمكن أن يوفر مظلة حماية لأي دولة تصبح هدفا لحزمة عقوبات شاملة.

العامل الثالث هو ما يُطلق عليه "الاعتماد المُتبادَل غير المتكافئ"، إذ تعتمد معظم دول الجنوب على أسواق الشمال في التصدير والاستثمار والتكنولوجيا، مما يخلق سقفا عمليا للتحدي الذي يمكن أن يُمثله الجنوب دون أن يُعرِّض استقراره الداخلي للخطر. فالكثير من الدول التي نددت بالحرب على إيران مثلا لا تستطيع تحمل تداعيات عقوبات ثانوية أو إعادة ترتيب تدفقات الاستثمار والتجارة فيها، وهي تتجه إلى خطاب مزدوج يجمع بين الاعتراض في المحافل الدولية من جهة، وتفادي أي خطوة عملية قد تُقرأ على أنها تحدٍ مباشر للغرب من جهة أخرى.

وأخيرا، هناك هشاشة البنى المؤسسية البديلة، إذ ما تزال محاولات بناء مؤسسات موازية في بداياتها، وتفتقر إلى الموارد أو الشبكة القانونية التي تسمح لها بمنافسة المؤسسات القائمة فعليا. وفي ظل غياب هذه الأدوات، يبقى التضامن الجنوبي أقرب إلى مظلة رمزية أو أخلاقية منه إلى آلية حماية فعلية تمنح الدول الهامش الضروري للمقاومة في لحظات الضغط القصوى القادمة من مراكز الهيمنة.

على سبيل المثال، لا يزال البنك الجديد للتنمية التابع لـ"بريكس"، على أهميته الرمزية، محدود الحجم مقارنة بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فهو لم يُختبر بعد في إنقاذ اقتصاد كبير من الانهيار في مواجهة عقوبات غربية، كما فعلت المؤسسات الدولية الحالية في أزمات سابقة. ولا شك أن هذه الفجوة بين الطموح والقدرة تجعل كثيرا من دول الجنوب تتوخى الحذر قبل أن تراهن على أي مؤسسات جديدة، ويجعلها تستمر في طرق أبواب المؤسسات التقليدية على نحو من شأنه أن يحد من هامش المناورة الجماعية أثناء الأزمات.

مصدر الصورة البنك الجديد للتنمية التابع للبريكس لا يزال على أهميته الرمزية محدود الحجم مقارنة بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي (الفرنسية)

آفاق التأثير الجنوبي

رغم كل تلك القيود على التضامن الجنوبي، لا يمكننا القول إن مساره متوقف، بل هو يتحرك وفق منطق تراكمي يعتمد على تحويل الوزن الاقتصادي والديمغرافي إلى بنى مؤسسية وأدوات سياسية أكثر فاعلية، لكنه يتطلب ثلاثة مسارات متوازية وضرورية.

أول هذه المسارات تحويل التضامن من بيان إلى مؤسسة، أي الانتقال من عقد قمم سياسية وإصدار بيانات مشتركة إلى إنشاء آليات تنفيذية واضحة؛ مثل خطوط تمويل طارئة تقلل من خطر التعرض للعقوبات، وإنشاء صناديق تأمين ضد المخاطر السياسية، ووضع أطر قانونية مشتركة للطعن في استخدام الولاية القضائية خارج الحدود الإقليمية، بحيث لا تكون كل دولة بمفردها في مواجهة المنظومة القضائية الغربية.

المسار الثاني هو بناء استقلال استراتيجي متعدد الأبعاد؛ إذ لا يكفي التنويع في مصادر الطاقة أو السلاح، بل لا بد أيضا من تنويع مصادر التكنولوجيا، وتعزيز القدرات السيبرانية، وزيادة القدرات الاستثمارية في مجالي التعليم والبحث العلمي على نحو يخفض من قدرة القوى المُهيمنة على لجم دولة ما بمنع التكنولوجيا أو مكونات حاسمة عنها. ولا شك في أن هذا المسار طويل وبطيء، لكن من شأنه مراكمة حد أدنى من الحصانة يمكن أن يُستخدم ورقة تفاوض في المستقبل.

أما المسار الأخير، فيتمثل في إصلاح المؤسسات القائمة من الداخل؛ فرغم شرعية التطلع إلى مؤسسات بديلة أكثر عدالة ونزاهة، لن يخرج العالم في المدى المنظور من منظومة الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز، ولذا يصبح الضغط الجماعي لزيادة تمثيل الجنوب في مجلس الأمن والمؤسسات المالية التقليدية، ووضع قيود أوضح على استخدام الفيتو والعقوبات، جزءا من استراتيجية إصلاحية واقعية، تُكمِّل محاولة بناء مؤسسات موازية.

اليوم، ثمة سيناريوهات عديدة لتبلور الجنوب العالمي في اللحظة الراهنة. إما "الاستمرار البطيء"، الذي تتوسع فيه أدوات التعاون المالي والدبلوماسي دون أن تحقق إمكانية ردع حقيقية لمراكز الهيمنة العالمية. وإما تحقيق "قفزة مؤسسية" نتيجة أزمة كبرى تدفع عددا من دول الجنوب إلى اتخاذ قرار جماعي بإنشاء بنية بديلة أكثر جرأة (مثلا في مجال المدفوعات أو الأمن الجماعي)، وإما "الارتداد"، الذي يمكن أن تعيد فيه أزمات داخلية عميقة في بعض القوى الصاعدة تقييم اعتمادها على مؤسسات الشمال.

" الجنوب العالمي بات يمتلك كتلة مادية من السكان والموارد والأسواق، لكنه لا يزال بعيدا عن القدرة على فرض خطوط حمراء حقيقية".

إن رجحان أي من هذه السيناريوهات لن يتحدد في غرف التفاوض وحدها، بل في شوارع العواصم الجنوبية نفسها، حيث يترجم المواطنون مصائر بلدانهم السياسية في صناديق الاقتراع أو في موجات الاحتجاج. وفي هذا السياق، تصبح الأزمات الكبرى، من حرب إيران إلى اعتقال مادورو، مختبرا يعاد فيه إنتاج السؤال التالي: هل يستطيع الجنوب العالمي تحويل خطاباته وإمكانياته إلى سلوك منسق يرفع تكلفة التجاوزات الكبرى على القانون الدولي؟ أم يظل في موقع "المراقب الغاضب" العاجز عن تغيير مسار الأحداث؟

تكشف لحظة انتقال القوة الراهنة عن مفارقة جوهرية مضمونها أن الجنوب العالمي بات يمتلك فعليا كتلة مادية من السكان والموارد والأسواق تجعل حضوره في بنية النظام الدولي أمرا لا يمكن تجاهله، لكنه لا يزال بعيدا عن القدرة على فرض خطوط حمراء حقيقية على سلوك القوى المهيمنة عندما تلجأ إلى أقصى أدوات القوة العسكرية والأمنية والمالية. نحن إذن أمام مرحلة هجينة تتوسع فيها مظاهر التعددية في الخطاب والتكتلات، في حين لا تزال مفاتيح الحسم في الأزمات الكبرى في أيدي القوى الغربية.

أما المستقبل فهو حصيلة صراع زمني وتراكم مؤسسي. فكل خطوة في بناء آليات تمويل مستقلة، أو منصات قانونية بديلة، أو تحالفات أمنية جديدة، تضيف طبقة إلى قدرة الجنوب العالمي على الفعل. غير أن النقلة النوعية تظل معلقة على سؤال أكبر: هل يستطيع الجنوب، بما فيه من تباينات وتوترات داخلية، أن ينتقل من حالة "تجاور الصاعدين" إلى حالة "الكتلة الفاعلة" التي تربط قدراتها المادية بمشروع سياسي ومؤسسي واضح؟ أم يظل الصعود الجنوبي محدود الأثر في لحظات الانفجار الكبرى؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا