بهذه الكلمات وصف أوفير فالك مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المواجهة الدائرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى. ففي مقال تحليلي نشرلاه في صحيفة جيروساليم بوست، رأى السياسي الإسرائيلي أن الصراع الذي بدأ مع عملية طوفان الأقصى قبل قرابة ثلاث سنوات قد بلغ أوْجهُ في الحرب على عدوّ إسرائيل اللدود.
وقد استذكر فالك تصريحات قائد كتائب القسام محمد ضيف وقتها حين تنبأ بزوال الدولة العبرية قائلا: " إلى الإخوة في المقاومة الإسلامية في لبنان وإيران واليمن والعراق وسوريا، لقد أتى ذلك اليوم" في إشارة إلى نهاية إسرائيل.
وعقّب مستشار نتنياهو على هذه العبارة فقال بنبرة المنتصر: " أجل لقد أتى ذلك اليوم ولكن ليس الذي كان في خاطر الضيف". وقد عدّد السياسي الإسرائيلي جيلا كاملا من القادة التي اغتالتهم تل أبيب، صاحبة اليد الطولى في المنطقة. وقد جاء الدور على إيران التي دعمت حركة حماس بقوة لكن الآن يجري تفكيكها بحسب تعبير كاتب المقال.
وفيما اعترف فالك بأن طوفان الأقصى أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة بسبب ما جرى في غزة، فإنه رأى أن الحرب على إيران قد ساهمت في انحسار أهمية هذه القضية. إذ لم تعد الأنظار مسلّطة على ما يجري في القطاع خصوصا في ظل إرهاصات تشي بإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط على وقع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية.
وقد قال مستشار الحكومة الإسرائيلية إن بلاده وبعد قطع رؤوس القادة الإسلاميين في المنطقة، هي الآن بصدد "إزالة التهديد الوجودي للنظام الإيراني الذي أرعب العالم طيلة 47 عاما" وفق تعبيره.
وتساءل فالك لِمَ لا يرى الناس خارج إسرائيل العلاقة بين ما جرى في طوفان الأقصى وما يحدث حاليا. واستنكر كيف يعتقد هؤلاء أن "ردّ تل أبيب على هجوم حماس قد تحوّل إلى حرب همجية قتلت عشرات الآلاف وسوّت بالأرض مناطق واسعة من القطاع وأن الحكاية كلها ما هي إلا انتقام وقمع".
ولم يجد الكاتب بدا من الاعتراف بأن الحرب على غزة قد لطّخت سمعة إسرائيل في المحافل الدولية وهددت آمال حدوث تطبيع مع الدول العربية، ناهيك عن تراجع دعم الكثيرين لتل أبيب في أمريكا أكبر حليف للدولة العبرية. واستشهد باستطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب الأسبوع الماضي وخلُص إلى أن 41% من الأمريكيين متعاطفون مع الفلسطينيين مقابل 36 ممن يؤيدون تل أبيب. وأشار فالك إلى أن هذه النتيجة تعكس تراجعا مقارنة بما رشح عن استطلاع سابق أُجري قبل ثلاث سنوات وأظهر أن أكثر من نصف الأمريكيين (54%) يؤيدون إسرائيل مقابل 31% للفلسطينيين.
وأعرب الكاتب عن قلقه من أن تدني شعبية تل لأبيب باتت أكثر وضوحا في فئة الشباب حيث قُدّرت النسبة ب25% فقط.
كام لم يفت فالك أن يذكّر بحالة الاستقطاب الجاري في الولايات المتحدة حيث أثارت الحرب على إيران "استنكار الكثيرين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي واتهم المعلّقون إسرائيل بجرّ رِجْل واشنطن في المعركة بعد أن أدلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بتصريح مفاده أن تصميم الدولة العبرية على ضرب طهران اضطر أمريكا للتدخل".
وسلّط الكاتب الضوء على احتمال حدوث خلافات بين أمريكا وإسرائيل في المقاربة تجاه الحرب. "فبينما ترى واشنطن أنها حرب اختيار تعتبر تل أبيب أنها صراع وجودي وبينما يريد الرئيس دونالد ترامب تغيير النظام، تعتقد إدارته أن التركيز يجب أن يكون على قدرات طهران النووية والصاروخية."
أما عن الداخل الإسرائيلي، فقد أشاد فالك بدعم الشعب لهذه الحرب بنسبة 80% بحسب استطلاع للرأي أجري حديثا. وبالعودة لهجوم حماس، استذكر الكاتب الصدمة التي خلفها طوفان الأقصى وكيف أن تل أبيب وجدت نفسها أمام عدة جبهات مفتوحة من حزب الله في لبنان إلى الجماعات المسلحة في روسيا والعراق واليمن. وأشاد السياسي بثبات نتنياهو الذي خدعته تقارير الاستخبارات بأن حماس لن تجرؤ على مهاجمة إسرائيل والذي كان يرزح تحت وطأة قضايا الفساد التي كانت تلاحقه.
ومضى فالك في مديحه لرئيس الوزراء قائلا: "لكن نتنياهو اليوم لا زال هنا فهو والرئيس ترامب بصدد إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط".
وقد نال الجيش وجهاز الاستخبارات الإسرائيليان نصيبا من مديح المستشار الذي عدّد كل ما قام به هؤلاء في لبنان تحديدا حين نفذّ جهاز الموساد عملية البايجر وبعدها اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر وقادة آخرين.
إن هدف تل أبيب يقول الكاتب، هوالمبادرة بدل انتظار رد الفعل على أي هجوم. فإسرائيل بحسب قوله، تنفّذ ضربات استباقية لمواجهة أي تهديد حتى وإن اعتبر الكثيرون أن هذا مخالف للقانون الدولي. مشيدا بالدعم الذي توفره أمريكا في ظل إدارة ترامب.
أما إيران فقد توقع فالك أنها ستخرج أضعف من هذه المواجهة مهما كان مآل هذه الحرب، وقد أكد صراحة أن هدف إسرائيل هو قيام نظام ملكي مثل الذي كان قبل الثورة الإسلامية معترفا باحتمالية حدوث تفتيت لإيران وتحولها إلى دولة فاشلة.
كما أعرب مستشار نتنياهو عن أمله في اصطفاف الدول العربية إلى جانب تال أبيب بعد استهدافها من قبل إيران رغم اعترافه بصعوبة ذلك في ظل المأساة التي يعيشها الفلسطينيون وأثر الحرب على غزة.
أملٌ آخر أكثرُ أهمية يرواد مستشارَ نتنياهو وهو ألاّ يتغير المزاج العام في أمريكا التي تقف على أعتاب انتخابات التجديد النصفي واحتمال أن تُفقد الرئيس ترامب الدعم الذي يحتاجه. فقد أعرب فالك عن مخاوفه من أن يفقد البعض في الولايات المتحدة صبره قبل الانتهاء من تدمير القدرات العسكرية لإيران، خصوصا في ظل المتاعب الاقتصادية التي تلوح في الأفق وارتفاع أسعار الوقود مع كل ما يعنيه هذا من انعكاسات على حياة المواطن الأمريكي.
المصدر:
يورو نيوز