آخر الأخبار

أوروبا والحرب على إيران.. احتمالات التدخل ومخاوفه

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

باريس- تكشف الحرب على إيران عن تعقيدات المشهد الدولي المعاصر، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية بالمصالح الاقتصادية، وتصطدم حسابات القوى السياسية مع مبادئ القانون الدولي.

ومع كل تصعيد عسكري جديد في الشرق الأوسط، لا تكون العواصم الأوروبية بمنأى عن ساحات القتال المباشرة، فالموقع الجغرافي لإيران وحضورها في ملفات متعددة ودورها في معادلة الطاقة العالمية، يجعل أي اضطراب داخلها حدثا ذا تأثير واسع يتجاوز حدود المنطقة الجغرافية.

وبالنسبة لأوروبا، لا يقتصر التحدي على موقعها في شبكة التحالفات الدولية أو تداعيات اقتصادية محتملة، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: هل ستظل لاعبا دبلوماسيا يسعى إلى التهدئة، أم أن التطورات قد تدفعها إلى دور أكثر انخراطا في مسار المواجهة؟

مصدر الصورة مظاهرات في طهران عاصمة إيران بعد إعلان مقتل المرشد علي خامنئي (الجزيرة)

حذَر سياسي

على المستوى السياسي، تسعى دول الاتحاد الأوروبي تقليديا إلى لعب دور دبلوماسي في أزمات الشرق الأوسط، خصوصا في الملف النووي الإيراني الذي كانت فيه أوروبا طرفا أساسيا في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015.

لكن في المقابل، ترتبط أوروبا بعلاقات إستراتيجية مع حليفتها الولايات المتحدة، سواء عبر شراكات سياسية وأمنية أو من خلال حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، ومن ثم فإن الموقف الأوروبي إزاء أي مواجهة مع طهران يخضع لحسابات دقيقة تجمع بين الرغبة في الحفاظ على التحالفات القديمة وتجنُّب التصعيد.

ورغم مراقبة صناع القرار الأوروبيين الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة على مدى أسابيع، بدت مواقف القارة العجوز غير منسقة، إن لم تكن منقسمة، وعالقة في دوامة التطورات المتسارعة.

مصدر الصورة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أكدت على ضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي (أسوشيتد برس)

قدرة محدودة

في هذا السياق، يميل الخطاب الأوروبي الرسمي -حتى الآن- إلى الدعوة لتجنب اتساع رقعة الحرب. غير أن بعض المحللين يعتبرون أن قدرة أوروبا على التأثير الفعلي في مسار الأزمة قد تكون محدودة، حتى وإن شهدت المواجهة العسكرية تصعيدا مباشرا بين أطراف إقليمية أو دولية.

إعلان

وبعد تأكيد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والممثلة العليا للشؤون الخارجية كايا كالاس، على ضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي، يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي لا يدعو للتدخل العسكري، بل إلى حماية المواطنين الأوروبيين الموجودين في الخليج العربي في المقام الأول.

وبينما غابت تساؤلات واشنطن بشكل ملحوظ عن سلسلة تغريدات كالاس، لم تشكك أوروبا في شرعية الضربات الأمريكية الإسرائيلية بموجب القانون الدولي، كأنها تحاول تجنُّب إغضاب البيت الأبيض لتضمن استمرارية حضوره في ملف السلام لنزاع آخر داخل قارتها، أي في أوكرانيا.

احتمالات الانخراط

تمكنت الدول الثلاث الكبرى في القارة، فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، من إصدار بيان مشترك نهاية الأسبوع، تُحذر فيه إيران من استعدادها لاتخاذ "إجراءات دفاعية" لتدمير قدرتها على إطلاق الصواريخ و الطائرات المُسيّرة ما لم تُوقف طهران "هجماتها العشوائية".

ومنذ ذلك الحين، وافقت لندن على طلب أمريكي باستخدام قاعدتين عسكريتين بريطانيتين لشنّ ضربات "دفاعية" على مواقع الصواريخ الإيرانية، رغم انتقاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المملكة المتحدة لعدم قيامها بدور أكثر فعالية.

"دفاعا عن الحلفاء"

من جهته، قال العضو السابق في البرلمان الفرنسي أدريان غومي، إن الحكومة الفرنسية أعلنت في الوقت الراهن التركيز بشكل أساسي على ضمان الدفاع عن حلفائها وأصدقائها في المنطقة، فقد ألحقت عدة غارات إيرانية أضرارا بدول الجوار العربي، والرسالة التي أرادت باريس أن توصلها هي الدعم الفوري للدول المتضررة.

وتابع غومي -وهو من أصول إيرانية- "يجب ألا ننسى بالتأكيد أن إسرائيل والولايات المتحدة تصرفتا خارج نطاق القانون الدولي"، لكنه حمّل إيران المسؤولية الأساسية "بدعمها لوكلائها لسنوات عديدة في زرع الفتنة في الشرق الأوسط" على حد وصفه.

وأضاف حتى على المستوى الأوروبي فإن إيران تدخلت في نزاع ذي أهمية خاصة لأوروبا وهو الحرب في أوكرانيا،

"ولا ننسى أن الطائرات الإيرانية المسيرة تم تسليمها إلى روسيا".

وشدد على أن فرنسا اليوم في موقف دفاعي لضمان سلامة مواطنيها "أعتقد أن مهمتنا اليوم ليست خوض الحرب، بل ضمان أمن أصدقائنا وحلفائنا في المنطقة".

وقال "أذكّـر بأن هناك أكثر من 400 ألف مواطن فرنسي يوجدون في الشرق الأوسط، وكذلك من الدول الحليفة لنا"، كما أشار إلى الغارات الجوية الإيرانية على قبرص التي تعتبر عضوا في الاتحاد الأوروبي، "لذلك أعلنت فرنسا على الفور أنها ستسلّم كمية معينة من المعدات العسكرية وأنها ستضمن أمن قبرص".

ويضيف غومي "كان من المهم بالنسبة لنا نحن القادة السياسيين الفرنسيين أن نوجه رسالة دعم واضحة للشعب الإيراني وللجالية الإيرانية في المهجر، التي أنتمي إليها هنا في فرنسا. لذا، أعتقد أن الإيرانيين سعداء للغاية لرؤية أن فرنسا وأوروبا تحشدان، مثل الولايات المتحدة لإدانة الانتهاكات التي يرتكبها النظام في إيران".

مواقف متباينة

ووصف رئيس مركز الاستشراف والأمن في أوروبا إيمانويل ديبوي، المواقف الأوروبية بأنها "متباينة إلى حد كبير". ففي ألمانيا، أعلن المستشار فريدريش ميرتس استعداده للمشاركة في عملية عسكرية إذا طلب منه الرئيس الأمريكي، وذلك رغم صعوبة اتخاذ قرار بشأن هذه المهمة، لأنه يجب أولا الحصول على تصويت في البرلمان الألماني ( البوندستاغ) ومجلسيه.

إعلان

وأضاف للجزيرة نت أن "عددا من الدول، كالمملكة المتحدة، أغلقت قواعدها في البداية ثم أعادت فتحها، لعدم وجود خيار آخر أمامها بعد استهدافها، وتحديدا إحدى قواعدها الجوية في جزيرة قبرص. في المقابل، ترفض بعض الدول رفضا قاطعا دخول الحرب، بل وتفرض شروطا، أو ما يُسمى بالحصار، لا سيما إسبانيا".

وصرح وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، بأن مدريد لن تسمح باستخدام قواعدها العسكرية، لأن الهجوم "غير مشمول" بالاتفاق مع واشنطن و"لا يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة".

وفي فرنسا، جدد ديبوي التأكيد على عدم نيتها المشاركة في أي عملية عسكرية، ولكن في حال استهداف الأهداف أو القوات الفرنسية البالغ عددها 5 آلاف جندي في الأردن والعراق، وسوريا، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والبحرين، فإنها تحتفظ بحقها في توجيه ضربة استباقية ضد التهديد الذي يشكله نشر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة.

وبرأيه، تكمن الإشكالية الحقيقية لباريس في حماية مواطنيها الفرنسيين، والبالغ عددهم نحو 400 ألف في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط.

شرعية الحرب

بعيدا عن الحسابات السياسية والعسكرية، يطرح التصعيد مع إيران أيضا أسئلة قانونية تتعلق بشرعية استخدام القوة في العلاقات الدولية وإسقاط الأنظمة.

وحسب ميثاق الأمم المتحدة، يضع القانون الدولي قيودا واضحة على استخدام القوة العسكرية بين الدول. إذ يحظر الميثاق اللجوء إلى القوة أو التهديد بها، باستثناء حالتين رئيسيتين: الدفاع عن النفس في حال التعرض لهجوم مسلح، أو صدور تفويض من مجلس الأمن الدولي باستخدام القوة.

وفي حالة الحرب مع طهران، يثير هذا الجدل تساؤلات عديدة عن طبيعة التهديدات التي قد تبرر استخدام القوة، وحدود مفهوم الدفاع عن النفس، ودور المؤسسات الدولية في تنظيم النزاعات.

في هذا الإطار، يعتبر الخبير في القانون الدولي، عبد المجيد مراري، أنه ليس من حق أي دولة في العالم أن تغير نظام دولة أخرى، مشيرا إلى الفقرة الرابعة من المادة الثانية بميثاق الأمم المتحدة التي تمنع الدول الأعضاء من التدخل في الشؤون الداخلية أو زعزعة الاستقرار أو التهديد باستعمال القوة.

وأضاف مراري -في حديثه للجزيرة نت- أن القواعد التي تبني العلاقات الدولية تعمل على تجنب تسيير العالم بمنطق المزاجية، قائلا "قد ترغب الولايات المتحدة في استخدام القوة ضد فرنسا أو هولندا مثلا وتستعمل القوة لتغيير أنظمتها، لكن العالم لا يسير بمزاجية الأشخاص أو الدول".

ومن منظور قانوني بحت، لا يكون استعمال القوة إلا بتفويض مجلس الأمن وتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، المادة (41)، وهي الوحيدة التي تخوّل للمجلس استعمال القوة عندما تصبح دولة ما تشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين.

وعند سؤاله عما إذا كانت هناك أي فجوة قانونية تجيز إسقاط الأنظمة أو الاغتيالات، أجاب مراري بالنفي، موضحا "ليس هناك أي مادة أو فصل في القانون أو العُرف الدولي يمكن تأويله من أجل إعطاء الحق في تصفية الأفراد أو تغيير النظام، أو حتى التدخل في الشؤون الداخلية للدولة".

وتابع "عندما تريد الدول محاكمة رموزها السياسية والدينية، يجب اتباع إجراءات معقدة لرفع الحصانة. لذا، يوصَف اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي والقيادات السياسية في إيران بالقتل خارج نطاق القضاء و جريمة حرب لأنه تم في إطار مسلح"، مشيرا إلى احتفاظ طهران بحق التوجه إلى القضاء الدولي للنظر في هذه الجرائم، وفق المادتين السابعة والثامنة من نظام روما.

وحسب المادة الثامنة مكرر من نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، اعتبر المحامي أن ما وقع في إيران "عدوان" و"انتهاك لسيادة دولة" لم ترتكب أي فعل يهدد الأمن والسلم الدوليين.

إعلان

كما تساءل مراري عن دور مجلس الأمن في ظل الأحداث الأخيرة في إيران، مستنكرا عدم استناده إلى الفصل السادس الخاص بالعقوبات، والفصل السابع لتفعيل المادة (41)، رغم ما سماها بـ"الانتهاك الجسيم للقانون الدولي والبلطجة واستعمال قانون الغابة".

مصدر الصورة مرافق تابعة لشركة قطر للطاقة التي أعلنت إيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في أعقاب الهجمات الإيرانية (غيتي)

مخاوف اقتصادية

وتأتي المخاوف الاقتصادية في مقدمة الهواجس الأوروبية المرتبطة بأي حرب مع إيران. فالقارة التي خرجت حديثا من أزمة طاقة حادة عقب الحرب في أوكرانيا، تدرك اليوم أن أي اضطرابات جديدة في منطقة الخليج قد يعيد فتح ملف أمن الطاقة من جديد.

يقول إيمانويل ديبوي "هدّد الإيرانيون بإغلاق مضيق هرمز، لكنه ليس مغلقا في الوقت الحالي، لأنهم يفتقرون ربما إلى القدرات العسكرية، خاصة بعد تدمير الضربات الأمريكية جميع السفن الـ13 وعددا من الغواصات التي كانت إيران تمتلكها".

وأضاف "يُفرض حاليا حظر على المضيق، لكن السفن لا تزال تبحر فيه، وخاصة السفن الصينية، لأن 30% من المواد الهيدروكربونية التي تغادر مضيق هرمز -أي ما بين 20 و25 مليون برميل يوميا- متجهة إلى الصين".

ويُعدّ التأثير على النفط محدودا في الوقت الراهن، فقد قررت منظمة أوبك ضخّ 206 آلاف برميل إضافية يوميا في محاولة لكبح الارتفاع المتسارع في أسعار النفط، ولم يتجاوز سعر البرميل 70 دولارا، بينما حذرت المؤشرات من احتمالية وصوله إلى 100 دولار. وبالتالي، تعتبر الزيادة طفيفة بنسبة تبلغ 7%.

من جهة أخرى، يعتقد رئيس مركز الاستشراف والأمن في أوروبا أن التأثير على الغاز أكثر أهمية بكثير، "أولا، لأن قطر وإيران تمتلكان ما يقرب من 25% من احتياطات الغاز في العالم".

وتقع إيران في قلب واحدة من أهم مناطق إنتاج النفط والغاز في العالم، كما يمر جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز القريب منها. لذا، فإن حركة الملاحة المهددة في هذا الممر الإستراتيجي قد تؤدي إلى تغييرات حادة في الأسواق وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا