في زاوية هادئة من حديقة حيوان يابانية، وُلد القرد الصغير "بانش" ليكون بطلا لقصة تراجيدية هزت أركان العالم الرقمي؛ تخلي أمه عنه، وعزلته داخل الحظيرة، وتشبثه بدمية محشوة بحثا عن دفء مفقود، كل هذه التفاصيل صنعت منه "أيقونة" عالمية للوحدة، وتدفقت ملايين رسائل التعاطف لتملأ الفضاء الإلكتروني.
وقد تساءل مدونون بمرارة: "كيف تهتز الإنسانية لقصة قرد، بينما تتجمد أمام صور أطفال ينامون على وقع القصف، خائفين من أن يستيقظوا ليجدوا أنفسهم وحيدين في هذا العالم؟".
وأضافوا أن المشكلة ليست في رقة القلوب تجاه حيوان صغير، بل في القسوة الصادمة التي تجعل صور أطفال فلسطين تمر أمام العيون كإعلان عابر، بلا أثر وبلا بواكي.
كذلك توضح قصة "بانش" كيف أصبح الإعلام الرقمي هو المحرك الخفي للتفكير البشري، حيث تصاغ العواطف وتُوجَّه الآراء عبر مقاطع قصيرة وصور مؤثرة، بينما تتحول المآسي الكبرى والقتل والتشريد في غزة أو السودان أو أي منطقة في العالم إلى مجرد "أخبار روتينية" تفقد بريقها التأثيري مع تكرارها، وكأن العالم قد اعتاد مشهد الدم.
يبقى السؤال المعلق في أحرف وكلمات جمهور منصات التواصل "متى يفتح العالم قلبه لمن هم بشر مثله؟ أولئك الذين لا يحتاجون إلى فراء ليثيروا الشفقة، بل يحتاجون فقط إلى أن ينظر إليهم كأرواح لها حق الحياة والأمان".
وفي السياق، أشار آخرون إلى أن دمعة "بانش" الحزينة كان يجب أن تكون جسرا يعبر به الضمير العالمي نحو المقابر الجماعية في غزة، ليدرك أن الإنسانية الحقيقية لا تتجزأ، وأن الرحمة بالحيوان لا تستقيم مع الصمت عن إبادة الإنسان.
ومن منظور علمي واجتماعي، حسب بعض المتابعين، يبدو أن هذا التباين يعود إلى طبيعة الإدراك البشري الذي تطور عبر آلاف السنين للتفاعل مع "القصة الفردية". الإنسان يستجيب للوجه، وللاسم، وللمعاناة الملموسة التي يسهل تخيلها، مثل حالة "بانش".
لكن حين تتحول المعاناة إلى أرقام ضخمة وكتل بشرية، يميل العقل البشري لتحويلها إلى "مفاهيم مجردة" يصعب استيعابها عاطفيا. وكما ينسب لستالين: "مقتل شخص واحد هو مأساة، ومقتل مليون هو مجرد إحصائية".
المصدر:
الجزيرة