طرح دانيال ريتشمان، أستاذ القانون السابق والمدعي العام الفدرالي، تساؤلات عميقة حول الإفراج عن ملفات جيفري إبستين المدان بالاعتداءات الجنسية والمتهم بالاتجار بالقاصرات، وقال إن نشرها يمثل فشلا مؤسسيا للنظام القضائي، ويطرح تحديا أخلاقيا.
وأوضح الكاتب -في مقال بصحيفة نيويورك تايمز– أن هذه الملفات التي تضم ملايين الصفحات من الوثائق التي تتعلق بشبكته وأشخاص نافذين اقتربوا منه، من سياسيين وماليين وأكاديميين وحتى أفراد من العائلة المالكة، قد يرى كثيرون أن نشرها خطوة مهمة في المحاسبة العامة، ولكن الأمر يحمل تبعات خطيرة على النظام القضائي والخصوصية، حسب رأيه.
وأوضح الكاتب أن السلطات الفدرالية تمنح أدوات واسعة لجمع المعلومات، مثل مذكرات التفتيش والتنصت واستدعاء الشهود، وهي أدوات قانونية استثنائية لا يسمح لمعظم الجهات باستخدامها، وقد تعتمد على انتهاك الخصوصية للوصول إلى المعلومات المتعلقة بالنشاطات الإجرامية، وذلك أمر ضروري لملاحقة الجرائم التي بطبيعتها سرية.
وقد استخدمت هذه الأدوات خطأ في مناسبات سابقة -حسب الكاتب- كما حدث في محاولة التحقيق مع المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي، جيمس كومي، مما يوضح الحاجة لتطبيق قيود صارمة على استخدامها.
وذكر الكاتب بأن الدعوات لنشر ملفات إبستين كانت موجودة قبل إدارة الرئيس دونالد ترمب، لكنها أصبحت الآن متاحة على الإنترنت وقابلة للبحث، لأن عديدا من الأمريكيين لم يثقوا بقيادة وزارة العدل لإدارتها، مع أنه كان بإمكان قادة الوزارة الحد من الشكوك حول نواياهم من خلال ترك مثل هذه الملفات لمسؤولين مهنيين بدلا من المعينين سياسيا.
وحذر ريتشمان من أن نشر مواد التحقيق بالكامل للجمهور يضعف التبرير القانوني لاستخدام هذه الأدوات القسرية، لأن الملفات تحتوي على مزيج من الشائعات، والاتهامات غير المؤكدة، والروابط الظرفية، وقد تشمل معلومات شخصية صريحة للضحايا، مما يجعل المؤسسات الحريصة على حماية خصوصية العملاء أو المستخدمين أكثر تحفظا في التعاون مع السلطات، ويجعل الشهود يعيدون النظر في مشاركتهم.
ويشدد الكاتب على أن الإفراج عن الملفات يمثل فشلا مؤسسيا للنظام القضائي، ويطرح تحديا أخلاقيا، خاصة أن الإفراط في نشر المواد الخام وغير المنقحة يمكن أن يؤدي إلى إساءة استخدام المعلومات غير المفلترة.
وأشار المقال إلى أن مثل هذه المسألة تكتسب أهمية أكبر في سياق تحركات وزارة العدل، التي يبدو أنها تميل أحيانا إلى توسيع نطاق القضايا الجنائية بشكل سياسي، مما يجعل فقدان الثقة العامة بالإدارة القضائية أمرا خطيرا على المدى الطويل.
ومع ذلك، يؤكد ريتشمان على أهمية الحفاظ على الأدوات القانونية الاستثنائية للمدعين والفدراليين، لأنها ضرورية لملاحقة الجرائم الحقيقية في المستقبل، ولذلك، يرى أن الإفراج عن ملفات إبستين، رغم فائدتها في الاطلاع العام، كان خطوة خطأ على مستوى حماية العدالة والضحايا والخصوصية.
وخلص ريتشمان إلى موازنة الحاجة إلى الشفافية والمساءلة العامة مع الحفاظ على سرية التحقيقات وأدواتها القانونية، مؤكدا أن الإفراج الجماعي عن الملفات يجب ألا يصبح سابقة لإساءة استخدام المعلومات الحساسة، وأن على المجتمع القانوني التفكير في مستقبل تُملأ فيه القضايا الجنائية الحقيقية، حيث تكون أدوات جمع المعلومات القسرية ضرورية لإنفاذ القانون.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة