آخر الأخبار

الماسة الدموية.. واللعنة القاتلة للرجال!

شارك

تُعدّ ماسة "كوه نور"، التي تعني بالفارسية "جبل النور"، واحدة من أشهر الجواهر في التاريخ وأكثرها إثارة للجدل.

تعدت هذه الماسة كونها مجرد حجر كريم ثمين، بل كانت شاهدة على قرون من الصراعات الدامية، والتحولات السياسية الكبرى، وطموحات الأباطرة والغزاة، لتستقر في النهاية ضمن جواهر التاج البريطاني، تاركة وراءها سجلا حافلا بالأسرار والمآسي والمطالبات المتجددة بملكيتها.

يعود أصل هذه الماسة الفريدة إلى مناجم الماس في الهند، وبالتحديد إلى منجم "كولور" الواقع في منطقة "غولكوندا" بولاية أندرا براديش الحالية. يُعتقد أن تاريخها يعود إلى ما قبل القرن الرابع عشر، حيث تداولتها سلالات هندية مختلفة، مثل سلالة "كاكاتيا"، قبل أن تنتقل إلى خزائن سلاطين دلهي. مع ذلك، بدأ الفصل الأكثر شهرة في تاريخها مع بزوغ نجم الإمبراطورية المغولية في الهند.

في عام 1526، استولى الإمبراطور المغولي الأول، بابر، على الماسة بعد انتصاره على سلطان دلهي، لتدخل بذلك حقبة جديدة من القوة. بقيت كوه نور في حوزة المغول لأكثر من قرنين من الزمان، وتحديدا عندما أمر الإمبراطور المغولي الشهير شاه جهان، باني تاج محل، بتطعيمها في عرشه الأسطوري "عرش الطاووس"، لتصبح أحد أبرز رموز ثروته وسلطته.

لم تدم الماسة في خزائن المغول طويلا. في عام 1739، قاد القائد الفارسي الغازي نادر شاه حملة عسكرية مدمرة على الهند. بعد انتصاره الساحق على الإمبراطور المغولي محمد شاه في معركة كارنال، دخل نادر شاه دلهي ونهب خزائنها. هنا تروي قصة أشهر حيلة ذكية أدت إلى حصوله على الماسة. يقال إن الإمبراطور المهزوم كان يخفي الماسة في طيات عمامته، لكن نادر شاه، الذي علم بالأمر من خلال خيانة داخل القصر، اقترح على الإمبراطور تبادل العمائم كتقليد للصداقة والأخوة. لم يستطع الإمبراطور رفض هذا الطلب المهين، وبمجرد أن نال نادر شاه العمامة وفكها، سقطت الماسة منها متألقة، ليهتف مبهورا: "كوه نور!"، ومنذ تلك اللحظة التصق هذا الاسم بالماسة إلى الأبد.

مصدر الصورة

لم يهنأ نادر شاه بغنيمته طويلا، فبعد اغتياله عام 1747، انتقلت الماسة إلى أحد قادته، أحمد شاه الدراني، مؤسس الدولة الأفغانية. هكذا بدأت رحلة الماسة في أفغانستان، حيث بقيت في حوزة حكامها لعقود، متنقلة بين أيديهم عبر صراعاتهم الداخلية على السلطة. في عام 1813، وبعد صراع مرير على عرش أفغانستان، أُجبر الحاكم الأفغاني المخلوع، شاه شجاع الدراني، على تسليم الماسة إلى المهراجا رانجيت سينغ، "أسد البنجاب" ومؤسس إمبراطورية السيخ القوية. كان رانجيت سينغ يعتز بها أيما اعتزاز، وكان يرتديها كسوار في المناسبات الهامة، لتصبح رمزا جديدا لقوة السيخ في شمال الهند.

اصطدمت طموحات إمبراطورية السيخ بالتوسع الاستعماري البريطاني في شبه القارة الهندية. بعد حروب دامية مع شركة الهند الشرقية البريطانية، انهزم السيخ في الحرب الأنجلو-سيخية الثانية، وتم ضم مملكة البنجاب إلى التاج البريطاني عام 1849. في خطوة مهينة أخيرة، جرى النص على تسليم ماسة كوه نور للملكة فيكتوريا في معاهدة لاهور التي أُبرمت بعد الاحتلال. أُجبر المهراجا الشاب دوليب سينغ، آخر حكام السيخ، وهو طفل صغير، على تسليم الماسة شخصيا إلى الحاكم العام البريطاني، في مشهد يختصر مأساة شعب بأكمله.

مصدر الصورة

شحنت الماسة إلى بريطانيا على متن سفينة تابعة لشركة الهند الشرقية، وصلت إلى لندن عام 1850 لتُقدم هدية متواضعة للملكة فيكتوريا. في عام 1851، عُرضت في المعرض الكبير بلندن، لكنها لم تلقَ الإعجاب المتوقع، إذ كان قطعها الأصلي على الطريقة المغولية يفتقر إلى البريق المبهر الذي اعتاده الجمهور الفيكتوري في الأحجار الكريمة. لتتماشى مع الأذواق الأوروبية، أمر الأمير ألبرت، زوج الملكة، بإعادة صقلها عام 1852. كانت عملية الصقل هذه كارثية من حيث الحجم، إذ فقدت الماسة أكثر من 40 بالمئة من وزنها الأصلي، الذي كان يزيد 186 قيراطا، أي ما يعادل 37 غراما، وتحولت إلى وزنها الحالي البالغ 105.6 قيراطا. النتيجة كانت ماسة أكثر إشراقا وتألقا، وإن كانت قد فقدت جزءا كبيرا من تكوينها المادي.

منذ وصولها إلى بريطانيا، أحاطت بالماسة خرافة مفادها أنها تجلب الحظ السيئ أو الموت لأي رجل يرتديها. لعل هذه الخرافة هي التي دفعت العائلة المالكة إلى حصر ارتدائها على الأميرات فقط. ارتدتها الملكة فيكتوريا في شكل بروش، ثم توارثتها زوجات الملوك من بعدها، مثل الملكة ألكسندرا والملكة ماري، وصولا إلى الملكة إليزابيث الأم، التي كانت آخر من ارتداها في مناسبة عام 1937. أما اليوم، فهي محفوظة في برج لندن ضمن مجموعة جواهر التاج.

تظل كوه نور، موضع جدل سياسي وتاريخي حاد. تطالب بها كل من الهند وباكستان وأفغانستان وإيران، معتبرة إياها جزءا من تراثها المنهوب، فيما تصر الحكومة البريطانية على أنها حصلت عليها بطريقة قانونية بموجب بنود معاهدة لاهور. بينما تشير تقديرات الخبراء إلى أن قيمتها قد تتراوح بين 200 وأربعمائة مليون دولار، إلا أن قيمتها التاريخية والرمزية لا تُقدر بثمن، فهي مرآة عاكسة لخمسمائة عام من الصراع على السلطة والثروة، من أباطرة المغول إلى ملوك بريطانيا، تاركة خلفها أثرا من الدماء والدمار حيثما حلت.

المصدر: RT

شارك

الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا