آخر الأخبار

مرسوم العفو يشعل الجدل في سوريا.. متهمون خارج السجون والآلاف ينتظرون المحاكمة

شارك

بينما استبشرت آلاف العائلات خروج أبنائها، كانت الأوساط الحقوقية تراقب بقلق ما وصفته بـ "الخطيئة الدستورية الأولى" في عهد ما بعد السقوط.

بدأت في المحافظات السورية عملية إطلاق سراح السجناء المشمولين ب قانون العفو الذي أصدره رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع ، الأربعاء، وذلك بعد ساعات من توقيعه المرسوم رقم (39) لعام 2026، القاضي بمنح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل 18 شباط/فبراير 2026.

الخطوة التي قُدّمت بوصفها بادرة تهدئة ومصالحة مجتمعية عشية حلول شهر رمضان، تحوّلت سريعاً إلى محور نقاش قانوني وسياسي واسع، ليس بسبب مضمونها فحسب، بل لأنها أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود صلاحيات الرئاسة الانتقالية، خاصة مع خروج أسماء متورطة في انتهاكات دموية إلى الحرية، واستمرار احتجاز آلاف الموقوفين والمعتقلين والمغيبين قسراً في سجون السلطة من دون محاكمات مكتملة أو مسوغات قضائية واضحة تبرر سبب إبقائهم رهن الاحتجاز.

عفو واسع.. ورسائل متعددة

المرسوم نصّ على إسقاط كامل العقوبات في الجنح والمخالفات، إضافة إلى إعفاءات واسعة في عدد من الجنايات، من بينها الجرائم الواردة في قوانين جرائم المعلومات، ومكافحة التهريب، ومخالفات الصرافة والتعامل بغير الليرة السورية، وتهريب المواد المدعومة، ومخالفات التموين، وحتى استحواذ الذخائر.

كما امتد العفو ليشمل جريمة الخطف في حال بادر الخاطف إلى تحرير المخطوف طوعاً، بينما منح الأحداث إعفاءً كاملاً من جميع تدابير الإصلاح والرعاية، ولم يقتصر المرسوم على إسقاط العقوبات، بل خفّض أيضاً عقوبتي السجن المؤبد والاعتقال المؤبد إلى عشرين عاماً، مع استثناء القضايا التي تتضمن ادعاءً شخصياً ، وشملت بنوده حالات إنسانية تتعلق بالمرض والعمر، إضافة إلى بعض الجرائم الاقتصادية ومواد محددة من جنايات المخدرات.

"أبو دجانة التركستاني" حراً

هذا "الكرم التشريعي" سرعان ما اصطدم بتطبيقات أثارت عاصفة من التساؤلات، فقد ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر خروج القيادي الملقب "أبو دجانة التركستاني" من السجن بموجب العفو، وهو مقاتل أجنبي كانت السلطات قد اعتقلته قبل أشهر على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق سوريين، ولا سيما خلال أحداث الساحل في مارس/آذار من العام الماضي.

وبعد خروجه من السجن ظهر "أبو دجانة" في مقطع فيديو تم تداوله عبر منصات التواصل، مهنئاً بقدوم شهر رمضان ومعلناً إطلاق حساباته الجديدة، في مشهد اعتبره كثيرون صادماً، ليس فقط لرمزيته، بل لما يحمله من رسائل سياسية وقانونية معقّدة.

فالإفراج عن "المقاتل التركستاني" لم يُقرأ باعتباره حالة فردية فحسب، بل تحوّل إلى نقطة ارتكاز في موجة تشكيك أوسع بمرسوم العفو برمّته، إذ رأى عدد من المتابعين والناشطين أن خروج شخص متهم بانتهاكات جسيمة بحق مدنيين يثير شبهة أن مرسوم العفو قد استُخدم كستار سياسي لإطلاق سراح متورطين بارتكاب تجاوزات خلال أحداث الساحل والسويداء، بل وحتى الانتهاكات الأخيرة التي طالت المكوّن الكردي في بداية العام الحالي.

إلا أن بعض الحسابات أشارت إلى أن المقطع المتداول يعود في الحقيقة إلى شهر آذار/مارس 2025 ، من دون أن يصدر أي شيء رسمي من قبل هذه الحسابات ينفي الأنباء المتداولة حول الإفراج عن المقاتل التركستاني.

وفي هذا السياق وثق المرصد السوري خروج عدد من السجناء السوريين ومن جنسيات أجنبية، كانوا قد شاركوا وفق توثيقات سابقة "في أحداث دامية شهدها الساحل السوري في آذار الماضي، إضافة إلى مجازر في السويداء "، ما ضاعف من حالة الاستياء الشعبي ووضع مصداقية التوجهات الإصلاحية للمرحلة الانتقالية على المحك.

سجن عدرا: "فلترة" أمنية واتهامات بالتمييز الطائفي

بالتوازي مع الإفراج عن شخصيات أجنبية متهمة بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين السوريين، تصاعدت حالة من الغضب والاحتقان بين عائلات العسكريين المعتقلين في سجن عدرا المركزي، على خلفية ما وصفوه بـ"التنفيذ الانتقائي" لمفاعيل مرسوم العفو.

ووفق مصادر متقاطعة تحدثت للمرصد السوري لحقوق الإنسان ، وُجّهت اتهامات إلى إدارة السجن بممارسة تمييز واضح، بعد الإفراج عن أشخاص محكومين بجرائم جنائية خطيرة، من بينها الاتجار بالمخدرات، ينتمي معظمهم إلى دوائر مقرّبة من السلطة، في مقابل الإبقاء على 104 عسكريين من الرتب الصغيرة وصفّ الضباط كانوا قد سلّموا أنفسهم سابقاً على الحدود السورية العراقية.

ورغم عدم وجود تهم جنائية مثبتة بحق هؤلاء العسكريين، الذين يخضعون للتوقيف الأمني منذ أكثر من عام، رصد ذووهم مؤشرات اعتبروها "محاولات تثبيت إدانة" تمهيداً لإقصائهم من مرسوم العفو، ومن بين تلك المؤشرات تسليمهم بدلات سجن مخططة، في خطوة فسّرها الأهالي على أنها تمهيد لتحويل ملفاتهم من توصيف "أمني" إلى "قضائي"، بما يتيح استبعادهم قانونياً من المرسوم.

هذه التطورات دفعت العائلات، ومعظمها من الطائفة العلوية، إلى اتهام الجهات المعنية باتباع نهج تمييزي يستند إلى اعتبارات طائفية في تطبيق مرسوم العفو، معتبرين أن الوعود المتكررة بالإفراج عن أبنائهم تلاشت أمام "قوائم انتقائية" منحت الحرية لمتورطين في دماء السوريين، بينما أبقت أبناءهم خلف القضبان تحت مسميات قانونية مستحدثة، وفق تعبيرهم.

الشرع في مواجهة "الإعلان الدستوري"

بينما استبشرت آلاف العائلات خروج أبنائها، كانت الأوساط الحقوقية تراقب بقلق ما وصفته بـ "الخطيئة الدستورية الأولى" في عهد ما بعد التحول.

ويشير حقوقيون إلى أن الإشكالية القانونية تكمن بأن الشرع تجاوز وفق رأيهم، في هذا المرسوم صلاحياته التنفيذية التي حددها هو بنفسه ووقع عليها في الإعلان الدستوري قبل عام من الآن، فالمادة (40) من الوثيقة الدستورية تحصر حق رئيس الجمهورية في منح "العفو الخاص" ورد الاعتبار فقط، وهو إجراء ذو طابع فردي ومحدود، أما "العفو العام" الذي يحمل صفة الشمولية والتشريع، فقد أسندته المادة (30) من الإعلان الدستوري بوضوح تام إلى مجلس الشعب، بوصفه صاحب السلطة التشريعية والجهة الوحيدة المخولة بإسقاط الجرائم كلياً بموجب القانون.

ما يزيد المشهد تعقيداً، ويثير أسئلة أعمق حول طبيعة الحكم في المرحلة الانتقالية، هو أن هذا التجاوز للصلاحيات يأتي في وقت يمنح فيه الإعلان الدستوري للرئيس نفوذاً واسعاً وغير مباشر على السلطة التشريعية نفسها، فوفقاً للإعلان، يملك "الشرع" حق تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب "أي ما يقارب 70 نائباً من أصل 210" وهو ما يضمن له كتلة مؤثرة داخل المجلس قادرة على تمرير أي تشريع يحتاجه، بما في ذلك قانون عفو عام.

وفي حديث لـ "يورونيوز"، أشارت مصادر حقوقية متابعة إن "امتلاك الرئيس الانتقالي هذه الكتلة المضمونة داخل البرلمان كان كافياً لتمرير أي تشريع يحتاجه، بما في ذلك العفو العام، من دون الحاجة إلى تجاوز اختصاصات مجلس الشعب أو إصدار مرسوم يفتقر إلى السند الدستوري"، ويرى الخبير القانوني أن لجوء الشرع إلى المرسوم الرئاسي بدلاً من المسار التشريعي الطبيعي "يعكس توجهاً مقلقاً نحو ممارسة السلطة خارج الإطار الذي حدده الإعلان الدستوري نفسه".

الفصل بين السلطات على المحك

مرسوم العفو الأخير لا ينفصل عن التحذيرات التي انطلقت في 13 مارس 2025، عقب مصادقة الشرع على مسودة الإعلان الدستوري الانتقالي ، حيث تعالت آنذاك، أصوات حقوقية تحذر من أن صياغة الإعلان تمنح الرئيس صلاحيات استثنائية غير منضبطة بآليات رقابية واضحة، لا سيما في ملف التعيينات القضائية والتشريع الاستثنائي.

وبالرغم من تبرير الفريق المحيط بالشرع بأن هذه الصلاحيات هي "ضرورة حتمية" لإدارة مرحلة انتقالية معقدة تهدف للوصول إلى دستور دائم وانتخابات شاملة ، إلا أن الواقع يشير إلى خطر ترسيخ نظام مركزي قد يصعب تفكيكه مستقبلاً، فالإعلان الذي نصّ على الفصل التام بين السلطات، يبدو في ممارسته العملية يميل لترجيح كفة السلطة التنفيذية على حساب استقلال القضاء وشرعية البرلمان.

وفي هذا السياق، قات مصادر مطلعة لـ "يورونيوز"، إن "المرسوم لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الإطار الدستوري الذي رسم بوضوح حدود صلاحيات الرئيس.. تجاوز هذه الحدود يرسل إشارة مقلقة بأن السلطة التنفيذية مستعدة لتخطّي النصوص التي صاغتها بنفسها، وهو ما يهدد مبدأ الفصل بين السلطات ويقوّض الثقة بالمرحلة الانتقالية برمتها". وأضافت المصادر أن هذه الخطوة "تعزز الانطباع بأن البلاد تتجه نحو تركيز السلطة بدلاً من توزيعها، وهو ما يتناقض مع روح الانتقال السياسي".

وفقاً للمصادر ذاتها فإن المراحل الانتقالية للدول لا تخلو عادة من قرارات استثنائية، غير أن جوهر التحدي يكمن في مدى التزام هذه القرارات بإطار دستوري واضح يضمن ألا يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وترى المصادر أن الدول الخارجة من نزاعات غالباً ما تلجأ إلى أدوات قانونية غير اعتيادية لإعادة ضبط المشهد، لكن ذلك لا يمنح السلطة التنفيذية حق تجاوز الحدود التي رسمها الدستور، خصوصاً في لحظة يُفترض أنها تؤسس لشرعية جديدة.

وبحسب المصادر المطلعة، فإن مرسوم العفو الذي أصدره الشرع لا يمكن النظر إليه بمعزل عن النقاش الأوسع حول شكل النظام السياسي الذي يتبلور في سوريا، فطريقة إصدار المرسوم، كما يوضح، تعكس ميلاً متزايداً نحو توسيع نفوذ السلطة التنفيذية خارج الإطار الدستوري، وهو ما يهدد بتحويل المرحلة الانتقالية من فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة إلى مسار يعيد إنتاج نظام "سلطوي" جديد، عبر منح الرئيس صلاحيات تعيين وتشريع فضفاضة تحت ذريعة "الظروف الاستثنائية" لهذه المرحلة.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا