آخر الأخبار

لماذا يتردد ترمب في شَنِّ حرب على إيران؟

شارك

عقب الانتهاك الصارخ للقانون الدولي، المتمثل في اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، شهد الشرق الأوسط تصعيدًا حادًّا في مستوى التوتر خلال الأسابيع الأخيرة؛ الأمر الذي غذَّى تكهنات متزايدة حول احتمال انزلاق الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة مباشرة.

غير أن فهم سبب امتناع واشنطن، حتى الآن، عن الانخراط في عمل عسكري ضد إيران يقتضي قراءة أعمق من مجرد مقارنة ميزان القوى. فالولايات المتحدة لا تتردد بسبب نقص في القدرة العسكرية، بل على العكس، تمتلك تفوقًا ساحقًا من حيث القدرات. إنما مصدر التردد يكمن في أن استخدام القوة، مع الحالة الإيرانية لا يفضي تلقائيًّا إلى سرعة في الحسم، بينما تُعد السرعة العملة السياسية التي يُوليها دونالد ترمب أهمية قصوى.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الإخوان المسلمون في سوريا.. خطوة إلى الخلف أم الحل؟
* list 2 of 2 حافة الحرب: الحسابات الأمريكية والإيرانية في المفاوضات الجديدة end of list

يسود في الغرب تصور مفاده أن إيران دولة منهكة ضعيفة، وأنها لا تفعل سوى التظاهر بالتماسك. غير أن هذا التصور يقوم على الانطلاق من افتراض جوهري خاطئ، وهو أن أي حرب مع إيران ستكون سريعة، وقابلة للاحتواء، وتنتهي بطريقة تخدم المصالح الأمريكية. وهذه فرضية تنطوي على قدر خطير من السذاجة.

فقد أمضت إيران عقودًا في الإعداد لصراع من نوع مختلف تمامًا، ليس من أجل نصر خاطف، بل لضمان أن يكون أي نزاع مع خصومها طويل الأمد ومكلفًا. إستراتيجيتها لا تقوم على السيطرة الإقليمية أو تحقيق انتصارات استعراضية بل على الصمود وفرض الكلف العالية. فهي لا تسعى إلى ضربة قاضية، بل إلى استدراج خصومها إلى حروب استنزاف تُهدر مواردهم، ويتآكل فيها رصيدهم السياسي، وتستنزف الزمن نفسه، إلى أن تُنهك حتى أقوى الجيوش.

وهذا تحديدًا ما يفسر استمرار التردد الأمريكي، ولماذا يتصرف ترمب بحذر خاص. فهو مقامر بطبعه، لكنه ليس مقامرًا انتحاريًّا. فهو يخوض المخاطرة حين يرى أن الاحتمالات تصب في صالحه وأن العائد سريع ومباشر. أما إيران، فتمثل، بالنسبة له، سيناريو مغايرًا: مخاطر مرتفعة مع مكاسب محدودة، وطريقًا شبه مسدود نحو حسم نهائي، ودون ضمان لنصر نظيف وسريع.

مصدر الصورة مسيرة مؤيدة للنظام الإيراني في إسطنبول ترفع صور الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو (غيتي)

الحسابات البسيطة للدفاع الصاروخي

لم تعد الحرب الحديثة بين القوى المتقدمة تقنيًّا تدور، أساسًا، حول منصات السلاح أو التكتيكات أو العقائد العسكرية، بل حول الحسابات، وبشكل أدق، حول معدل التبادل بين الذخائر الهجومية واعتراضات الدفاع، وعمق المخزونات الكامنة خلف كل منهما.

إعلان

ينشغل كثير من المحللين بمعدلات الاعتراض: كم صاروخًا إيرانيًّا أُسقط؟ وما مدى فاعلية منظومات الدفاع الصاروخي الإسرائيلية أو الأمريكية؟ غير أن المسألة الجوهرية ليست أداء الدفاعات في اليوم الأول بل تكمن المسألة في مدى قدرتها على الاستمرار عبر الزمن.

فمُعترِضات الدفاع الصاروخي الباليستي ليست باهظة الكلفة فحسب، بل بطيئة الإنتاج أيضًا. أما الصواريخ الهجومية -خصوصا تلك المصنَّعة في إيران- فهي أرخص نسبيًّا وأسهل إنتاجًا بكل المقاييس. عمليًّا، لا يضمن إطلاق معترض واحد إسقاط صاروخ واحد. وفي الواقع، غالبًا ما يُطلِق المدافعون معترضَيْن اثنين لكل تهديد وارد تحوطًا لاحتمال الفشل. وهذه المعادلة وحدها تكشف حجم المعضلة التي يواجهها المُدافِع.

تُدرك إيران هذه المعادلة جيدًا. فإستراتيجيتها مبنية على إنهاك منظومات الدفاع الصاروخي بدل هزيمتها سريعًا. وحتى لو جرى اعتراض 80 أو 90 في المئة من الصواريخ، فإن النسبة المتبقية كافية لإحداث ضرر اقتصادي، أو تعطيل حركة الطيران، أو تقويض المعنويات، بما يولِّد ضغطًا سياسيًّا داخليًّا. ومع مرور الوقت، ترتفع نسبة الاختراق مع تآكل الموارد الدفاعية.

كانت حرب إيران-إسرائيل، في يونيو/حزيران 2025، مثالًا حيًّا على ذلك. فقد استُهلكت بكثافة معترِضات "آرو-2″ و"آرو-3" الإسرائيلية، واضطرت الولايات المتحدة إلى التدخل كشبكة أمان عبر نشر بطاريات "ثاد" (THAAD) واستخدام أعداد كبيرة من معترضات "MIM-401 تالون"، إلى جانب معترضات " "SM-3المطلَقة من مدمرات البحرية الأمريكية. تكتيكيًّا، نجحت الدفاعات؛ أما إستراتيجيًّا، فقد فُرضت كلفة لا تستطيع الولايات المتحدة تحمل تكرارها.

إن عمق الترسانة هو العامل الأشد حسمًا في أي صراع. فإعادة ملء مخزونات مُعترضات الدفاع الصاروخي عالية المستوى تستغرق سنوات. وحتى في أكثر التقديرات تفاؤلًا، فإن مخزونات "ثاد" الأمريكية لن تعود إلى مستويات ما قبل يونيو/حزيران 2025 قبل عام 2027 تقريبًا. ويحدث ذلك في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع الصين في غرب المحيط الهادئ؛ حيث تُعد هذه الأنظمة ذاتها عنصرًا أساسيًّا في الردع.

كل معترض يُستخدَم في إسرائيل لا يعود متاحًا لاستخدامه في مسرح نزاع آخر. وكلما نُشرت أصول الدفاع الصاروخي في الشرق الأوسط وترتب على ذلك كلفة فرص ضائعة. فالولايات المتحدة لم تعد تعمل في فراغ؛ بل تُوازِن منافسة متعددة المسارح بموارد محدودة.

أما إيران، فيكفيها أن تضمن أن ترسانتها الهجومية تفوق حجم المخزون الدفاعي الموجه ضدها. وفي هذا التوازن تحديدًا، تمتلك طهران أفضلية واضحة.

مصدر الصورة إيران تعرض أحدث صواريخها في احتفالاتها بذكرى الثورة (الأناضول)

المنظومة المحلية المتكاملة لإيران

غالبًا ما يُساء تقدير القدرات الإيرانية لأنها تُفحَص بصورة مجزأة. فالأنظمة الإيرانية مصممة للعمل ضمن منظومة مترابطة، "نظام أنظمة"، حيث يؤدي كل مكون دورًا محددًا ضمن بيئة جغرافية-عسكرية مصممة بعناية. فالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة الهجومية الإيرانية مصممة للعمل داخل البيئة الخاصة بإيران وتلبية احتياجاتها الإستراتيجية. وهذه الأنظمة لا تُصمَّم للعمل منفردة، بل لإغراق دفاعات العدو وإرهاقها عبر ضغط متواصل لا يفتُر، بما يسمح برفع مستوى الضغط تدريجيًّا مع ازدياد نسبة الذخائر التي تنجح في اختراق الدفاعات، وصولًا إلى تهيئة الظروف لتسوية الصراع.

إعلان

وتشمل هذه المنظومة صواريخ باليستية متعددة المديات، وصواريخ كروز مثل تلك التي تمثلها طرازات "باوه" على اختلاف أنواعها، وطائرات مسيرة ضاربة تعمل بالمراوح مثل "شاهد-136″، وغيرها.

ومن هنا، فإن التقليل من شأن الطائرات المسيرة الإيرانية بوصفها "غير فعَّالة" يُغفل جوهر المسألة؛ إذ حتى الطائرات المسيرة التي تُسقَط تؤدي وظيفة. فهي تستنزف ذخائر الدفاع الجوي، وتفرض دوريات جوية قتالية مستمرة، وتُراكم كلفة تشغيلية. وهكذا يتحول حتى الفشل التكتيكي إلى مكسب استنزافي.

أنصار الله

يحتل اليمن موقعًا خاصًّا في منظور الإستراتيجية الإقليمية الإيرانية. فمن منظور عسكري صرف، فإن اليمن بعيد جدًّا عن إسرائيل جغرافيًّا ليكون منصة مثلى لضربات حاسمة. وقد دفع ذلك بعض المراقبين إلى التقليل من دور "أنصار الله" وعَدِّه هامشيًّا أو رمزيًّا. وهذا خطأ.

فالدور الأساسي لأنصار الله لا يتمثل في شَنِّ هجمات مباشرة وحاسمة ضد إسرائيل بل في الإكراه البحري، والتشويش الاقتصادي، والمضايقة الإستراتيجية؛ إذ يُعد مضيق باب المندب نقطة اختناق ضيقة يمر عبرها حجم هائل من التجارة العالمية.

إن معظم الذخائر المضادة للسفن، التي زوَّدت بها إيران ترسانة أنصار الله، مُحسَّنة على مستوى المدى أكثر من الحمولة التفجيرية. فرؤوسها الحربية صغيرة نسبيًّا، وغالبًا ما تُطلق بأعداد محدودة. والهدف ليس إغراق السفن الحربية، بل تقييد الأصول البحرية التي كان يمكن تكليفها بمهام في أماكن أخرى.

عمليًّا، يعمل اليمن كقوة قائمة بذاتها. فمجرد وجود قدرات موثوقة مضادة للسفن يُجبِر قطعًا بحرية متعددة على تنفيذ مهام مرافقة للسفن التجارية. والسفن الحربية مورد محدود؛ فكل مدمرة تُرسَل إلى البحر الأحمر تُنقَص من المدمرات المتوافرة لمناطق مثل الخليج العربي أو المحيط الهادئ. فضلًا عن ذلك، ترفع هذه التهديدات أقساط التأمين؛ ما يزيد كلفة المرور عبر البحر الأحمر. ونتيجة لذلك، تختار بعض شركات الشحن تجنب المنطقة كليًّا، معتبرة أن المخاطر مرتفعة حتى مع وجود الحماية المرافِقة.

مصدر الصورة أهمية جماعة أنصار الله ( الحوثي) في الإكراه البحري (رويترز)

الصمود بوصفه تصميمًا مقصودًا

من الأخطاء التحليلية الشائعة افتراض أن التصعيد لا يعدو أن يكون ثنائيًّا لا غير: فإما أن تشن إيران ضربة كاسحة وحاسمة أو ألا تفعل شيئًا. في الواقع، إن نمط الضربات الذي تفضِّله إيران في صراع طويل الأمد يُرجَّح أن يتكون من إطلاقات يومية محدودة العدد تتكون من صواريخ باليستية، وصواريخ كروز، وطائرات مسيرة، تتخللها بين الحين والآخر رشقات أوسع نطاقًا وأكبر عددًا.

كما أن منظومات الدفاع الصاروخي الباليستي مُحسَّنة لمواجهات قصيرة ومكثفة، وليست مُهيأة لأسابيع من الجاهزية الدائمة. وهكذا، فإن إرهاق الطواقم البشرية المشغلة يتراكم، وتتكدس أعمال الصيانة. وحتى لو ظلت معدلات الاعتراض مرتفعة، فإن الجاهزية تتآكل.

الأمر ذاته ينطبق على سلاحَي الجو، الإسرائيلي والأمريكي، على حدٍّ سواء. فعمليات الدفاع الجوي المستمرة تتطلب دوريات جوية قتالية كان يمكن استخدامها لمهام هجومية. وكل طائرة تُقيَّد بحماية المجال الجوي هي، في معرض الحسابات، طائرة أقل لمهاجمة إيران. وتحسب إيران ذلك نجاحًا.

والأهم، هو أن ترسانة إيران متنوعة، عن قصد مدروس، للحفاظ على هذا الإيقاع. فالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة الهجومية يُكمل بعضها بعضًا. لا يحسم أيٌّ منها الصراع منفردًا لكنها مجتمعة تخلق بيئة لا يُسمَح فيها للمدافعين بالتقاط الأنفاس. والحقيقة التي يُقلِّل من شأنها كثيرون هي أن الحروب غالبًا ما تُحسَم بمن له القدرة على الصمود لفترات أطول.

صواريخ كروز

لم تلعب صواريخ كروز الإيرانية، خلال حرب إيران-إسرائيل، في يونيو/حزيران 2025، دورًا بارزًا. غير أن ذلك لا يعني أنها لن تكون مؤثرة في أي صراع مستقبلي يشمل الولايات المتحدة.

إعلان

فصواريخ كروز تكتسب أهميتها من قدرتها على معالجة نقاط ضعف لا تغطيها الصواريخ الباليستية؛ إذ إنها بدائل أرخص لضرب الطائرات المأهولة، كما تعد أكثر دقة من معظم الصواريخ الباليستية، وتطير على ارتفاعات منخفضة على نحو يُقلِّص زمن كشفها ويؤخر زمن ردِّ الفعل الدفاعي، وهي، بذلك، ملائمة جدًّا لمهاجمة البنية التحتية تحديدًا.

أتى برنامج إيران لصواريخ كروز نتاج إحباط من محدودية دقة الصواريخ الباليستية ومن قيود القوة الجوية. ففي بعض الأهداف، مثل منشآت النفط والموانئ وملاجئ الطائرات المحصنة، تُعد الدقة أهم من القوة التدميرية.

وتشير التعديلات التصميمية الحديثة إلى نضج في مفاهيم التوجيه والإطلاق. كما تُعقِّد صواريخ كروز مسألة الفصل بين الاستخدامين، المدني والعسكري، للمجال الجوي. فاستخدامها يكاد يضمن إغلاق المجال الجوي، فارضًا كلفة اقتصادية فورية حتى عندما تنجح عمليات الاعتراض.

البعد البحري

يشكِّل الخليج ومضيق هرمز وباب المندب بيئات ضيقة تكون فيها السفن العائمة فوق سطح الماء في وضع غير مُواتٍ بطبيعتها مقارنة بأنظمة الاستهداف البرية.

وفي هذا السياق، غالبًا ما تُقارَن القدرات البحرية الإيرانية على نحو غير منصف بتلك الصينية. غير أن هذه المقارنة تُخطئ الهدف. فإيران لا تحتاج إلى أنظمة من فئة " "DF-21D لخلق مخاطر جسيمة في الخليج. فهي تعمل في مياه أضيق بكثير، ضد أهداف أبطأ وأقل قدرة على المناورة، وعلى مسافات تكون فيها قيود الاستطلاع والاستخبار (ISR) أيسر من حيث إدارتها. وضمن هذا النطاق، يمكن حتى للصواريخ الباليستية المضادة للسفن وصواريخ كروز "الأقل تطورًا" أن تكون ذات دلالة إستراتيجية.

تعمل حاملات الطائرات الأمريكية اليوم على بُعد مئات الكيلومترات من السواحل المتنازع عليها. وهذا يقلِّل المخاطر، لكنه يعني أيضًا طلعات أقل، وأزمنة طيران أطول، واعتمادًا أكبر على طائرات التزويد بالوقود، واعتمادًا أكبر على الذخائر بعيدة المدى. ولا حاجة لإغراق أي سفينة حتى تكون لهذه القيود آثار إستراتيجية.

معضلة "استخدمه أو اخسره"

أدخلت الاغتيالات الإسرائيلية شخصيات رفيعة -والذين غالبًا ما استُهدفوا وهم في منازلهم، وأحيانًا وهم إلى جانب أفراد من عائلاتهم- ديناميكية نفسية جديدة. فلم يعد القادة الإيرانيون يوازنون بقاء النظام في التجريد بل يوازنون بقاءهم الشخصي.

وهذا يخلق ذهنية "استخدمه أو اخسره"؛ إذ يصبح ضبط النفس أقل عقلانية مع بدء التصعيد. وتغدو القدرات التي كانت محفوظة في الاحتياط أصعب تبريرًا لحجبها. ودليل هذه الحقيقة الجديدة هو الإعلان غير المسبوق من مجلس الأمن القومي الأعلى الإيراني بأن إيران تحتفظ بحق شن ضربات استباقية استنادًا إلى "مؤشرات موضوعية للتهديد".

كما صرَّح اللواء عبد الرحيم موسوي، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، بأن إيران عملت، عقب الصراع الأخير الذي استمر 12 يومًا، على مراجعة عقيدتها العسكرية، منتقلة من وضع دفاعي صِرف إلى وضع هجومي، ومتوعدة برد ساحق ردًّا على أي عدوان.

مصدر الصورة لإثبات استعدادها للحرب أعلنت إيران تجهيز 5 ألاف مقبرة للجنود الأمريكيين (صحف إيرانية)

نافذة ديفيدسون

لم تعد الولايات المتحدة تعمل في عالم هي فيه اللاعب العسكري الكبير الوحيد. وكما ذُكر سابقًا، فإن كل معترِض يُطلَق في الشرق الأوسط ينطوي على كلفة ضياع فرص في غرب المحيط الهادئ.

إن استنزاف مخزونات "ثاد" و"SM-3″، في عام 2025، لن يُعالَج قبل بلوغ العام 2027، وهو ما يتداخل مع ما يُعرف بـ"نافذة ديفيدسون" المتعلقة بالصين وتايوان. وإيران تدرك ذلك، كما أن إسرائيل تدركه أيضًا. وترمب يدركه، بالتأكيد. ولهذا تبدو الإجراءات الرمزية أكثر جاذبية من الحرب الشاملة.

محور المقاومة بعد 7 أكتوبر

لابد لأي تحليل جاد لوضع إيران الراهن أن يبدأ باعتراف غير مريح مفاده أن الإستراتيجية التي انتهجتها إيران وحزب الله لما يقرب من عقدين فشلت بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. تلك الإستراتيجية،التي وُصفت غالبًا بـ"لا حرب ولا سلم"، لم تكن حمقاء. بل على العكس، نجحت لفترة طويلة. فقد اعتمدت على التهديد بتصعيد إقليمي لردع إسرائيل، مع تجنب كلفة الحرب الشاملة.

امتنعت إسرائيل، لسنوات، عن ضرب العديد من الأهداف الإيرانية وأهداف حزب الله عالية القيمة، ولم يكن ذلك لقصور في الاستخبارات أو القدرة، بل لأنها لم تُرِد المخاطرة بحرب قد تدمر اقتصادها ومجتمعها. وكانت ترسانة حزب الله بمنزلة سيف ديموقليس، فيما عززت إيران ميزان الردع هذا.

إعلان

لم تكن أفعال حزب الله خلف كسر هذا التوازن، بل إن النجاح غير المتوقع لحماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول والصدمة النفسية التي أعقبته، هو ما أحدث ذلك الكسر. دخلت إسرائيل حالة تعبئة حرب شاملة في غزة، متحملة كلفًا كانت ستُعد سابقًا غير مقبولة سياسيًّا. ومع امتداد حرب غزة، أخذت الكلفة الهامشية لتوسيع الصراع شمالًا تشهد تراجعًا تدريجيًّا.

أساءت إيران وحزب الله قراءة هذا التحول. فجاء ردهما -هجمات محدودة مُعايَرة لإظهار التضامن دون إشعال الحرب- غير متماسك إستراتيجيًّا. فقد حاولا ضبط التصعيد في بيئة لم تعد إسرائيل مهتمة فيها بالمعايرة. وتحول نموذج "لا حرب ولا سلم" إلى فخ.

صعَّدت إسرائيل بلا هوادة. وكان قصف مجمع القنصلية الإيرانية في سوريا، في أبريل/نيسان 2024، إشارة إنذار صارخة. ثم جاء اغتيال فؤاد شكر في بيروت، في 30 يوليو/تموز 2024، تلاه اغتيال إسماعيل هنية في طهران في اليوم التالي، ليشكِّلا منعطفًا أشد دراماتيكية. وبحلول سبتمبر/أيلول، مزقت هجمات أجهزة النداء والاتصال المحمولة ضد حزب الله ما تبقى من القواعد القديمة.

وقد كان أن شُلَّت حركة حزب الله وإيران، ليس بسبب نقص في القدرة، بل لأنهما عَلِقَا بين خوفين: الخوف من الحرب الشاملة، والخوف من الظهور بمظهر العاجز. أدركت إسرائيل هذا الشلل واستغلته. أما سبب فشل الردع فلا يرجع لعبثية إستراتيجية إيران بل لأنه تم تجاوز معادلة الردع تلك بفعل تحولات سياسية ونفسية أطلقتها موجات من العنف واسع النطاق.

وتزيد أهمية هذا الفشل عندما نعلم أنه أعاد تشكيل ديناميات التصعيد في المنطقة. لقد زال التوازن القديم ويعمل الفاعلون الآن في بيئة أقل استقرارًا بكثير؛ حيث تزداد احتمالات سوء التقدير، ويغدو ضبط النفس أصعب.

مصدر الصورة الشهيد إسماعيل هنية (يمين) والمرشد الإيراني خامنئي (أرشيفية – الفرنسية)

الانتشار المتقدم في العراق

من أكثر التحولات التي لم تُقدَّر حق قدرها منذ مطلع 2024: تنامي أهمية الأردن في التخطيط العسكري الأمريكي ضد إيران. فقد نجحت قدرات إيران الضاربة، على ما فيها من نواقص، في إبقاء معظم الدول العربية في الخليج في موقع الحياد الحذر. فالتهديد الذي تشكِّله إيران على بنى النفط والغاز ومحطات تحلية المياه والطيران والبنية الاقتصادية الأوسع حقيقي بما يكفي لتشكيل السلوك السياسي.

نجد أن القواعد الجوية الأردنية، عمليًّا، بعيدة عن إيران بقدر بُعد القواعد الإسرائيلية عنها. ولا يمكن استخدام ذخائر إيران الأقصر مدى، ضد الأردن.

وبناءً على ذلك، أصبح الأردن هو المكان الوحيد في المنطقة، إلى جانب إسرائيل نفسها، الذي تستطيع فيه الولايات المتحدة نشر قوات هجومية علنًا مع قدر محدود نسبيًّا من القدرة الإيرانية على الردع المضاد؛ إذ يمكن للطائرات الأمريكية العاملة من الأردن ضرب إيران مع الاستفادة من البعد، والدفاعات المركزة، مع توفير بصمة تشغيلية مدمجة توفر أصول الدفاع الصاروخي النادرة.

قد ترد إيران عبر حلفائها من غير الدول في العراق، ومن المرجح أن تفعل ذلك. لكن هذه الورقة لا يمكن لعبها إلى ما لا نهاية. فالعراق ليس اليمن، والنفوذ الإيراني فيه مقيد بالسياسة الداخلية وحساسية العراقيين من أن يصبح بلدهم ساحة حرب مرة أخرى.

تساعد هذه الهندسة المتغيرة على تفسير تركيز إيران على الانتشار المتقدم لمنظومات الضرب في العراق. فلبنان قريب جدًّا ومكشوف، واليمن بعيد جدًّا لكثير من الأنظمة. أما العراق فبالقرب الكافي من إسرائيل ليكون مؤثرًا ومفيدًا لتهديد القوات الأمريكية.

لماذا لا تستطيع القوة الجوية وحدها حسم المعركة

لا يزال هناك اعتقاد راسخ بأن القوة الجوية الأمريكية قادرة على حل "مشكلة إيران" عبر ضربات دقيقة: تدمير مواقع الصواريخ، وشل الإنتاج، وقطع الرأس القيادي، ثم الانسحاب. وهذا اعتقاد فيه تجاهل للواقع.

فالمنظومات الإيرانية الضاربة منتشرة ومتحركة وتزداد تحصينًا. ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية صعبة الاكتشاف وأصعب تدميرًا. أما منصات صواريخ كروز والطائرات المسيرة فهي رخيصة ومتحركة وسهلة الإخفاء، وهو ما يزيد من تعقيد الاستهداف.

أما الذخائر بعيدة المدى فمحدودة العدد وباهظة الثمن؛ وغالبًا ما تكون حمولاتها غير كافية لتدمير منشآت محصنة تحت الأرض. وفي مواجهة هذه الأهداف، يكون السلاح المفضل هو نوع من قنابل الاختراق الثقيلة، وهي ليست ذخائر بعيدة المدى بحق، وتتطلب اقتراب الطائرات من المجال الجوي المتنازع عليه.

وهكذا، فإن القوة الجوية يمكنها فرض كلفة لكنها لا تستطيع إنهاء الحرب. وهذه هي الحقيقة التي يواجهها ترمب ويسعى إلى تجنبها.

لماذا لا يستطيع سلاح الجو الأمريكي حسم المعركة؟ (وكالة الأنباء الأوروبية)

الحرب الاقتصادية

غالبًا ما يُستهان بقدرة إيران على التأثير في الدول العربية لأن المحللين يركزون حصريًّا على البنية النفطية. في الواقع، لا تحتاج إيران إلى تدمير الحقول النفطية لإحداث كارثة اقتصادية بل يكفي أن تُغلِق المجال الجوي.

فالطيران المدني هو شريان الحياة لدبي والدوحة وأبوظبي، بوصفها مراكز عالمية. وإغلاق المجال الجوي -حتى وإن كان مؤقتًا- من شأنه أن يخلِّف آثارًا متسلسلة من قبيل: تحويل مسارات الطائرات، وارتفاع التأمين، وتعطل المسافرين، وتضرر السمعة. وتقف عشرات المليارات من الدولارات على شكل طائرات ضخمة مكشوفة في المطارات يمكن استهدافها في أي وقت.

تفسر هذه الهشاشة جهود الوساطة العربية أفضل بكثير من خطابات "الانسجام الإقليمي". فهذه الدول ليست محايدة بدافع الإيثار، بل فاعلين عقلانيين يسعون لتجنب التحول إلى أضرار جانبية في حرب لا يستطيعون التحكم بمآلاتها.

كما يُعد إغلاق المجال الجوي المدني أحد أوضح مؤشرات الإنذار المبكر على اقتراب الصراع. فعلى عكس الصواريخ الباليستية، لا يمكن فصل صواريخ كروز والطائرات المسيرة الهجومية بأمان عن حركة الطيران المدني.

ترمب

يتأثر دونالد ترمب بشكل خاص بمغالطة "اليد الساخنة"، وهي تحيز معرفي يقود إلى الاعتقاد بأن تحقيق سلسلة من النجاحات إنما يعكس مهارة متأصلة، وليس نتيجة ظروف مواتية.

كان هتلر مقامرًا أساء تفسير النجاحات المبكرة بوصفها علامة قدر محتوم. فأعادت عسكرة الراين، والأنشلوس، وغزو تشيكوسلوفاكيا، وهزيمة فرنسا ترسيخ اعتقاد زائف بأنه لا يُقهَر. نجحت كل مقامرة، ليس لأن ألمانيا كانت لا تُهزَم، بل لأن خصومها ترددوا. وأفضت هذه النجاحات إلى ثقة مفرطة. وفي النهاية، ارتكب هتلر مخاطرة طائشة حين استهان بالقوة الصناعية وعدد السكان والقدرة على الصمود لدى أعدائه. وانتهت سلسلة انتصاراته بفشل كارثي.

حالة ترمب مختلفة، لكن النمط النفسي مألوف. فقد اختبر مرارًا كيف أدى التشدد إلى انتزاع تنازلات. وهو يعتقد أن الضغط ينجح لأنه نجح سابقًا، والخطر يكمن في افتراض أنه سينجح دائمًا.

إيران ليست فنزويلا، ولا ليبيا، ولا عراق 2003. إنها دولة كبيرة ومتماسكة، تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، بما في ذلك أكبر ترسانة صواريخ باليستية في الشرق الأوسط، ومؤسسات مصممة لتحمل الشدائد والضغط الخارجي. ويعني امتدادها الإقليمي وثقافتها القائمة على المقاومة والبقاء أنها لا تحتاج إلى الفوز سريعًا؛ يكفيها أن تضمن ألا يفوز خصومها.

يعرف ترمب كيف يمكن لمقامرة عسكرية فاشلة أن تدمر رئاسة. كما يدرك أن حربًا طويلة في الشرق الأوسط ستنسف سرده السياسي. ولهذا تبدو الضربات الرمزية استعراضات قوة بلا تصعيد مفتوح، أكثر جاذبية بكثير من حرب شاملة.

ترامب ونتنياهو (الفرنسية)

خاتمة

إذا سقط وهم النصر السريع فلن يبقى سوى حرب استنزاف طويلة لا فائز حقيقيًّا فيها. ومن هذا المنظور، تصبح الدبلوماسية هي الخيار الواقعي الوحيد. فالشرق الأوسط يواجه أصلًا طيفًا واسعًا من الأزمات، وأي انزلاق إلى حرب ستكون نتائجه كارثية على الجميع.

كتب سون تزو: "إذا حاصرت جيشًا، فاترك له منفذًا". لا يعني هذا السماح للعدو بالفرار، وكما يوضح دو مو في شرحه لـ"فن الحرب"، فإن الغاية هي "إيهامه بوجود طريق إلى الأمان، ومن ثم منعه من القتال بشجاعة اليائس".

ينطبق هذا المنطق هنا. فإيران و"محور المقاومة" الأوسع، يمتلكان الوسائل لإشعال المنطقة، وإذا اعتقدوا أنه لم يعد لديهم ما يخسرونه، فلا سبب وجيهًا للاعتقاد بأنهم سيمتنعون عن ذلك. وقد لمَّح مسؤولون إيرانيون إلى هذا المعنى. والأهم أن عام 2026 عام حاسم لرئاسة ترمب، ومن الصعب تصور أن يغامر برئاسته في حرب شرق أوسطية طويلة، بما تحمله من تبعات اقتصادية حتمية، وهو أمر كان، ولا يزال على الأرجح، نقيضًا لمنصته.

إن ترمب مدفوع برغبة في الفوز، وأن يكون ذلك سريعًا. قد يكون النصر ممكنًا، لكنه سيأتي بكلفة هائلة، وتوقع نهاية سريعة وحاسمة غير واقعي. ولهذا أرجِّح أن تكون الضربة الرمزية التي تُظهر القوة دون التسبب في تصعيد لا يمكن السيطرة عليه، هي السيناريو الأكثر احتمالًا. ويمكن أن يقترن ذلك بتصعيد الضغوط الاقتصادية والسياسية الهادفة إلى إنهاك إيران وزعزعة استقرارها تدريجيًّا على طريقة "سلق الضفدع"

https://studies.aljazeera.net/ar/article/6439

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا