منذ اللحظة التي تسرّبت فيها معلومات عن وجود معسكر في منطقة بني شنقول داخل الأراضي الإثيوبية، لتدريب مقاتلين على صلة بقوات الدعم السريع السودانية دخلت العلاقة بين السودان وإثيوبيا مرحلة جديدة من التوتر.
التقارير تحدثت عن تدريب عناصر يُعتقد أنهم سيلتحقون بقوات الدعم السريع في جبهة النيل الأزرق، وهي جبهة حساسة لقربها من سد الروصيرص السوداني ومن الحدود الإثيوبية، ما أعطى القضية أبعادا تتجاوز الجانب العسكري، لتمس توازنات القرن الإفريقي بأكمله.
أديس أبابا سارعت إلى النفي. مسؤول حكومي إثيوبي شدد في تصريح لـ”الحرة”، أن بلاده لا تنحاز لأي طرف، وقال: إن إثيوبيا “تؤكد على ثبات موقفها الداعم لوحدة السودان وضرورة إنهاء الصراع عبر الحوار السياسي بين الأطراف المتنازعة، كما تنفي كافة الادعاءات التي تروج لانحيازها لأي طرف ميداني وتعتبرها عارية عن الصحة”.
هذا الموقف الرسمي حاول تثبيت صورة إثيوبيا كوسيط محتمل لا كطرف في الصراع، خصوصا أنها الدولة المضيفة للاتحاد الإفريقي، ما يمنحها ثقلا سياسيا إضافيا في أي تحرك دبلوماسي.
لكن في المقابل، أشارت رافاييلا ليبشيتز، الباحثة في معهد نيولاينز، في حديث مع “الحرة” إلى أن “معسكر تدريب قوات الدعم السريع في بني شنقول هو أول دليل مباشر على تورط إثيوبيا في حرب السودان، وهو ما يمثل تطوراً خطيراً، يحتمل أن يزود قوات الدعم السريع بجنود جدد في وقت تشهد فيه منطقة النيل الأزرق مزيداً من الصراع”.
وتضيف أن “المصادر تقول إن الإمارات العربية المتحدة مولت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعما لوجستيا للموقع”. وتذهب أبعد من ذلك بقولها إن “إثيوبيا تتدخل في حرب السودان، وتقف إلى جانب قوات الدعم السريع وتقبل أموالاً من الإمارات العربية المتحدة، لحماية مصالحها في ما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي الكبير”.
وتنفي الإمارات التدخل في الحرب السودانية، وأكدت في بيانات رسمية أنها لا تقدم “أسلحة أو دعما عسكريا لأي من الأطراف المتحاربة في السودان”.
وحذرت ليبشيتز من أن “تورط إثيوبيا في حرب السودان أمر محفوف بالمخاطر، وقد يؤدي إلى اندلاع صراع مع إريتريا، وقد ترى إثيوبيا أن من الاستراتيجي إبقاء القوات المسلحة السودانية، المتحالفة مع القاهرة ضعيفة لأنها تقوي الجماعة المناهضة لسد النهضة الإثيوبي الكبير”.
في خضم هذا الجدل، قام وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم بزيارة إلى إثيوبيا، في خطوة قرأها البعض كمحاولة لاحتواء التصعيد ومنع انتقاله من مستوى الاتهامات الإعلامية إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
الزيارة تزامنت مع تطور مهم تمثل في الدعوات المستمرة لرفع تجميد عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي بعد إنهاء تجميد عضويتها في منظمة الهيئة الحكومية للتنمية “إيقاد”، وهو ما أعاد الخرطوم إلى الطاولة الإقليمية بعد فترة عزلة. هنا برز سؤال حول ما إذا كان الموقف الإثيوبي من إعادة العضوية مجرد لفتة دبلوماسية أم جزءا من مقايضات أوسع.
ليبشيتز ترى أن إثيوبيا “بصفتها الدولة المضيفة للاتحاد الأفريقي، تتمتع بنفوذ غير رسمي على ديناميكيات القمة. قد تختار إثيوبيا عدم معارضة عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي بشكل مباشر، مع الاستمرار في دعم قوات الدعم السريع على الأرض”.
وتضيف أن “من الأفضل فهم عدم معارضة إثيوبيا المحتملة لإعادة العضوية على أنها لفتة دبلوماسية لا تكلف أديس أبابا الكثير.” كما تشير إلى أن أي تفاهم محتمل “ليس فقط بين إثيوبيا والخرطوم، بل هو جزء من مفاوضات إقليمية أوسع تشمل الولايات المتحدة ومصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية”.
في المقابل، يقدّم الصحفي الإثيوبي، نور الدين عبدا، رئيس تحرير “نيلوتيك بوست”، قراءة مختلفة تركز على الجغرافيا وضغوط الواقع، فهو يرى أن المناطق الحدودية تحولت إلى ساحة مواجهة بسبب سعي الجيش السوداني لتأمين مطارات وقواعد في مناطق الدمازين وسلك والكرمك الواقعة في جنوب شرق السودان على طول الحدود الإثيوبية ضمن ولاية النيل الأزرق، وأن هذا “وضع اثيوبيا تحت الضغوط التي تمارس عليها من طرفي الحرب والمساندين لهما إقليميا لدفع إثيوبيا نحو الانحياز، وهو ما ترفضه إثيوبيا وتحاول البقاء على مسافة واحدة من الجميع”.
كما يؤكد نورالدين أنه لا يعتقد بوجود تغير جوهري في موقف أديس أبابا، بل إن مشكلتها أنها لا تعادي الدولة السودانية بالقدر الذي يريده الدعم السريع ولا تعادي الدعم السريع بالقدر الذي تريده حكومة السودان الرسمية، ما جعلها في مرمى اتهامات الطرفين.
بالتوازي مع هذا المسار الإقليمي، ظهرت المسودة المعدلة التي قدمها المبعوث الأميركي إلى السودان، مسعد بولس، بقيادة الرباعية الدولية. وتركز الخطة على هدنة إنسانية عاجلة تفتح الباب لتدفق المساعدات ثم تؤجل القضايا العسكرية والسياسية إلى مراحل لاحقة.
ليبشيتز تشرح ذلك قائلة إن “الخطط السابقة التي كانت مشابهة إلى حد ما لهذه الخطة قد رفضتها بقوة قادة القوات المسلحة السودانية، ما يميز هذه الخطة هو سياقها ووضع الصراع في الوقت الحالي.” لكنها تحذر من أن تنفيذها “يتطلب إلى حد ما إضفاء الشرعية على قوات قوات الدعم السريع… حتى لو انسحبت هذه القوات… فمن المرجح أن تظل هياكل الحكم التابعة لقوات الدعم السريع قائمة”.
وتضيف أن الخطة “لن تؤدي على الأرجح إلى حل سياسي متين ولن تؤدي إلى حل قوات الدعم السريع، ومن المرجح أن تؤدي إلى إدارة الحرب بدلا من إنهائها”.
بهذا المعنى، تتقاطع المسارات الثلاثة، المسار الميداني في بني شنقول والنيل الأزرق، والمسار الدبلوماسي المرتبط بالاتحاد الإفريقي والإيقاد، ومسار مسودة بولس التي تسعى لتجميد الصراع عبر أولوية إنسانية.
إثيوبيا تؤكد رسميا أنها مع وحدة السودان والحوار السياسي، بينما يتم اتهامها من خلال بعض التحليلات وصور الأقمار الصناعية بدعم قوات الدعم السريع لحماية مصالحها المرتبطة بسد النهضة.
وبين النفي الرسمي والاتهامات، يبقى الثابت أن أي تحرك في بني شنقول أو النيل الأزرق لا يمكن فصله عن الحسابات الكبرى في أديس أبابا والخرطوم والقاهرة وأبوظبي والرياض، وأن مسار الحرب والسلام في السودان بات مرتبطا بشكل وثيق بتوازنات إقليمية أوسع تتجاوز حدوده الجغرافية.
المصدر:
الحرة