آخر الأخبار

انتخابات بنغلاديش.. 8 تساؤلات لفهم مسار "الديمقراطية الجديدة" بعد الثورة

شارك

في صباح يوم الخميس 12 فبراير/شباط 2026، اصطف ملايين الناخبين في بنغلاديش أمام مراكز الاقتراع في مشهد يحدد الشكل الجديد للبلاد بعد ثورة " جيل زد".

طوابير طويلة امتدت في شوارع العاصمة دكا والمدن الأخرى، وجوه شابة مفعمة بالحماس، ونساء يرتدين اللباس التقليدي يحملن على أيديهن رسوما بالحناء لرمز "الميزان" (شعار حزب الجماعة الإسلامية).

فهذه ليست مجرد انتخابات برلمانية عادية، بل هي اختبار حاسم لمسار "الديمقراطية الجديدة" في دولة عانت عقودا من الاستبداد السياسي والتزوير الانتخابي.

وقال مراسل الجزيرة صهيب جاسم إن الانتخابات تُجرى في أجواء احتفالية لافتة، و نقل عن الناخبين قولهم إن الانتخابات السابقة في 2014 و2018 و2024 كانت محسومة للحزب الحاكم، لكن هذه المرة لا يستطيع أحد أن يقول من سيفوز حتى تظهر النتائج.

لماذا توصف هذه الانتخابات بأنها "تاريخية وغير مسبوقة"؟

لأول مرة، تُجرى انتخابات برلمانية بعد انتفاضة قادها " الجيل زد" -جيل أقل من 30 عاما- أطاح برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة بعد حكم استمر 15 عاما متواصلة.

الشيخة حسينة، التي فرَّت إلى الهند في أغسطس/آب 2024 بعد احتجاجات دامية قُتل فيها مئات المتظاهرين، محكوم عليها الآن بالإعدام غيابيا بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

الناخب محمد جبير حسين (39 عاما) قال وهو يقف في الطابور "أشعر بالحماس لأننا نصوت بحرّية بعد 17 عاما، أصواتنا ستكون مهمة ولها تأثير"، وآخر مرة أدلى فيها جبير بصوته كانت عام 2008، قبل أن تُحكِم حسينة قبضتها على السلطة.

وما يميز هذه الانتخابات أن أكثر من ألفي مرشح يتنافسون على 300 مقعد برلماني، بينهم مستقلون كثيرون، وهو رقم قياسي على المستوى الوطني إذ يشارك ما لا يقل عن 50 حزبا.

مصدر الصورة محمد يونس أكد أن النصر جزء من الديمقراطية، والهزيمة أيضا جزء حتمي منها (الفرنسية)

ما الإجراءات التي اتخذتها حكومة محمد يونس لضمان "نزاهة" الصندوق؟

محمد يونس (85 عاما)، حائز جائزة نوبل للسلام، يقود حكومة انتقالية منذ الإطاحة بحسينة.

إعلان

وقد وصف هذه الانتخابات بأنها "ليست مجرد تصويت تقليدي آخر"، مضيفا "الصحوة العامة التي شهدناها ضد الغضب الطويل الأمد وعدم المساواة والحرمان والظلم تعبّر عن نفسها دستوريا في هذه الانتخابات".

ولضمان النزاهة، نشرت الحكومة أكثر من 900 ألف فرد من الشرطة والجيش والقوات شبه العسكرية في جميع أنحاء البلاد. إضافة إلى ذلك، دُعي نحو 500 مراقب دولي وصحفي أجنبي، بينهم وفود من الاتحاد الأوروبي والكومنولث، لمراقبة العملية الانتخابية.

وتوزَّع 800 ألف موظف على 42 و779 مركز اقتراع، في عملية لوجستية ضخمة تهدف إلى ضمان وصول كل ناخب من بين 128 مليون ناخب مسجل (49% منهم نساء) إلى صندوق الاقتراع بأمان.

لكنَّ التحدي الأكبر، كما حذَّر أحد مفوضي الانتخابات، هو "طوفان المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي القادم عبر الحدود".

ماذا يريد الناخبون؟

أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة أبحاث الاتصالات في دكا، بالتعاون مع هيئة دراسات الانتخابات والرأي العام في بنغلاديش، أن الفساد وارتفاع الأسعار هما أبرز قضيتين بالنسبة للناخبين، ولطالما احتلت بنغلاديش مرتبة متدنية بين أسوأ دول العالم أداء في مؤشر الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.

وارتفع التضخم إلى 8.58% في يناير/كانون الثاني الماضي، وفقا للبيانات الرسمية، في حين يعاني اقتصادها -وهي ثاني أكبر مصدّر للملابس في العالم- بعد أن تعطلت الصناعات الرئيسية وقت الاحتجاجات ضد حسينة.

ومع وجود ما يُقدَّر بنحو 40% من سكان بنغلاديش دون سن الثلاثين، تواجه الحكومة المقبلة ضغوطا هائلة لتوفير فرص عمل لملايين الشباب بعد شهور من عدم الاستقرار.

كيف تُجرى الانتخابات؟

يتألف برلمان بنغلاديش من 350 مقعدا، منها 300 مقعد تُنتخب مباشرة من دوائر انتخابية فردية بنظام الأغلبية البسيطة (الفائز بأكثر الأصوات يفوز)، و50 مقعدا مخصصة للنساء تُختار من قوائم الأحزاب.

ولتشكيل حكومة، يحتاج الحزب أو الائتلاف إلى 151 مقعدا على الأقل، وأرجئ التصويت في دائرة انتخابية بعد وفاة أحد المرشحين، ليصبح عدد المقاعد المتنافَس عليها اليوم 299 مقعدا، وتستمر ولاية البرلمان 5 سنوات.

ويُتوقع ظهور النتائج الأولية نحو منتصف الليل، وأن تتضح النتائج النهائية بحلول صباح الجمعة.

مصدر الصورة أكثر من نصف الناخبين تترواح أعمارهم بين 18 و35 عاما (رويترز)

ما دور "الجيل زد" والناخبين الجدد؟

نحو 5 ملايين ناخب يصوتون أول مرة في حياتهم، معظمهم من "الجيل زد" الذي قاد الانتفاضة ضد حسينة.

شيثي غوسوامي (21 عاما) طالبة في كلية مدينة دكا، اصطفت مبكرا لتجنب الزحام قائلة "هذه كانت أول مرة أصوت فيها، آمل بعد كل ما مررنا به في السنوات القليلة الماضية أن يكون الآن وقت شيء إيجابي".

ونحو نصف الناخبين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما، وهم يمثلون قوة حاسمة في تحديد نتائج هذه الانتخابات.

وهؤلاء الشباب الذين واجهوا الرصاص في الشوارع لإسقاط حسينة، يريدون الآن استكمال ثورتهم عبر صناديق الاقتراع.

كيف يغيّر "الاستفتاء الدستوري" المصاحب شكل الدولة مستقبلا؟

بالتوازي مع الانتخابات، يُجرى استفتاء على مجموعة من الإصلاحات الدستورية الجذرية تشمل:


* إنشاء حكومة انتقالية محايدة لفترات الانتخابات
* إعادة هيكلة البرلمان ليصبح هيئة تشريعية من مجلسين
* زيادة تمثيل المرأة
* تعزيز استقلال القضاء
* فرض حد أقصى لولاية رئيس الوزراء بفترتين (10 سنوات)
إعلان

إذا وافقت أغلبية الناخبين على الاستفتاء فسيشكل البرلمان المنتخب حديثا مجلس إصلاح دستوري لإجراء التغييرات خلال 180 يوم عمل من جلسته الأولى.

وتهدف هذه الإصلاحات إلى منع عودة "الحكم الاستبدادي" الذي شهدته البلاد تحت حكم حسينة.

مصدر الصورة استطلاعات للرأي تشير إلى احتمال تقدُّم الحزب الوطني البنغلاديشي بقيادة طارق رحمن (أسوشتيد برس)

ما الخارطة السياسية الجديدة؟

المنافسة الرئيسية تدور بين ائتلافين يقودهما حلفاء سابقون، هما حزب بنغلاديش الوطني والجماعة الإسلامية.

الأول: حزب بنغلاديش الوطني بقيادة طارق رحمن (60 عاما)، نجل رئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء ورئيس الدولة الأسبق ضياء الرحمن، وعاد رحمن إلى بنغلاديش في ديسمبر/كانون الأول بعد 17 عاما قضاها في منفى اختياري في لندن.

ويتنافس الحزب على 292 مقعدا، ويتعهد بمساعدات مالية للأسر الفقيرة ومكافحة الفساد وإنعاش الاقتصاد عبر الاستثمارات الأجنبية.

الثاني: تحالف مكون من 11 حزبا بقيادة حزب الجماعة الإسلامية، أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد التي يشكّل المسلمون فيها أكثر من 90% من السكان (مقابل 8% من الهندوس).

والحزب، الذي كان محظورا في عهد حسينة، يتنافس على 224 مقعدا بقيادة شفيق الرحمن (67 عاما)، السجين السياسي السابق، ومن حلفائه حزب المواطنة الوطنية الجديد الذي شكَّله قادة الطلبة الذين قادوا الانتفاضة.

وتتفاوت استطلاعات الرأي بشكل كبير، لكن معظمها يعطي الحزب الوطني الأفضلية، مع إشارة بعضها إلى أن كل الاحتمالات تبقى واردة.

أما حزب رابطة عوامي بزعامة حسينة، فقد حُظر من المشاركة. وحسينة، التي لا تزال في منفاها بالهند، محكوم عليها بالإعدام، وحزبها -مع أنه حزب رئيسي- مُستبعَد تماما من المشهد السياسي.

كيف تتأثر موازين القوى الإقليمية؟

حظر حزب رابطة عوامي وبقاء حسينة في الهند "يمهد الطريق أمام الصين لتوسيع نفوذها في بنغلاديش في ظل تدهور علاقات دكا مع نيودلهي"، كما تشير مصادر.

وتدهورت العلاقات مع الهند منذ انتفاضة 2024، لكنَّ بكين -التي كانت محدودة النفوذ في عهد حسينة الموالية لنيودلهي- تراقب هذه الانتخابات بعناية.

وقد يفتح فوز أي من الائتلافين الباب أمام توسيع الاستثمارات الصينية في هذه الدولة الإستراتيجية الواقعة في جنوب آسيا.

هل تنهي الانتخابات حقبة "الاضطراب الاقتصادي"؟

ستواجه الحكومة المقبلة تحديات اقتصادية هائلة، فقد حذَّر طارق رحمن من أن "الاقتصاد دُمّر"، وقال إن أولويته الأولى -إن انتُخب- ستكون "استعادة الأمن والاستقرار".

وبنغلاديش هي ثاني أكبر مصدّر للملابس في العالم، وتعطل هذا القطاع الحيوي بسبب الاضطرابات، وتحتاج البلاد إلى إنعاش اقتصادي عاجل.

وقال المحلل في مجموعة الأزمات الدولية توماس كين "الاختبار الحاسم لبنغلاديش الآن هو ضمان إجراء الانتخابات بشكل عادل ومحايد، وأن تقبل جميع الأطراف النتيجة، وإذا حدث ذلك فسيكون أقوى دليل حتى الآن على أن بنغلاديش قد شرعت بالفعل في فترة من التجديد الديمقراطي".

وفي الخطاب الأخير قبل التصويت، دعا رئيس الوزراء الانتقالي محمد يونس المواطنين إلى تكريم "تضحية" انتفاضة 2024، قائلا "النصر جزء من الديمقراطية، والهزيمة أيضاً جزء حتمي منها، رجاء، كرّسوا أنفسكم لبناء بنغلاديش جديدة عادلة وشاملة".

وينتظر 175 مليون نسمة في بنغلاديش نتائج هذه الانتخابات التي قد تعيد تشكيل مستقبل ديمقراطيتهم واقتصادهم، وموقعهم على خريطة التوازنات الإقليمية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا