آخر الأخبار

"بوسمانتسي" سجن اللاجئين المنسي على حدود الاتحاد الأوروبي

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بينما ترفع بروكسل شعارات حقوق الإنسان والكرامة، يتعرض طالبو اللجوء من سوريا وغزة والجزائر والعراق والمغرب إلى انتهاكات يومية في مركز احتجاز كان ثكنة عسكرية على أطراف العاصمة البلغارية صوفيا، ضمن إستراتيجية أوروبية جديدة وصارمة تهدف لضمان بقاء "الغرباء" خلف الأسوار أو إرغامهم على العودة القسرية إلى أوطان تمزقها الحروب.

وسلط تقرير إنساني مطول -بقلم مراسلة صحيفة نيويورك تايمز كيتلين تشاندلر- الضوء على مركز الاحتجاز الذي يعرف باسم بوسمانتسي، ويعد واحدا من شبكة مراكز للاحتجاز يمولها الاتحاد الأوروبي سرا بمليارات الدولارات، ويُستخدم كأداة "ردع" لترحيل اللاجئين قسرا تحت وطأة المعاناة النفسية والجسدية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 نائب أمريكي: ترمب ذُكر في ملفات إبستين أكثر من مليون مرة
* list 2 of 2 جيروزاليم بوست تكشف تفاصيل إخفاق قادة إسرائيل في صد طوفان الأقصى end of list

وفي هذا المنفى الذي وصفه محامون للصحيفة بأنه "نهاية العالم"، يُجبر طالبو اللجوء على الاختيار بين أمرين كلاهما مرّ: التوقيع على أوراق "العودة الطوعية"، أو البقاء محتجزين لمدة تصل إلى 18 شهرا.

أكدت المراسلة أنه لا توجد مراحيض في الداخل، مما يجبر بعض المحتجزين على التبول من النوافذ ليلا، كما لا توجد مياه جارية، فيضطر الواحد منهم إذا مرض للتقيؤ داخل أكياس بلاستيكية

ونقل التقرير عن ديانا رادوسلافوفا، التي أسست مركز مساعدة قانونية في بلغاريا عام 2009، سؤالا جوهريا: إذا كانت بلغاريا لا تستطيع ترحيل طالبي اللجوء قسرا لعدم وجود اتفاق قانوني مع دولهم، فلماذا تحتجزهم 18 شهرا؟

ويجيب التقرير بأن هذه الممارسة تشبه الابتزاز، إذ لا يتحمل البعض الحالة المزرية في مركز الاحتجاز ويوقعون مضطرين على أوراق تؤكد عودتهم طوعا إلى بلادهم.

وأشارت الناشطة إلى أنه حتى إذا تمكن طالبو اللجوء من تحمل فترة الاحتجاز وأُفرج عنهم، فإن كثيرين يُتركون بعدها بلا سكن أو رعاية أو أي خدمات، ليجدوا أنفسهم مشرّدين في بلد لا يوفر لهم أي مستقبل.

سياسة قاسية متعمدة

ويكشف التقرير، الذي استغرق إعداده 10 أشهر من البحث الميداني والتواصل السري مع المحتجزين، كيف أصبحت بلغاريا محورا لتطبيق السياسات الأوروبية الصارمة ضد المهاجرين، في حين وصفت تقارير أوروبية رسمية المراكز بأنها تشبه السجون.

إعلان

وخلال أشهر من التواصل، التقت مراسلة نيويورك تايمز بعشرات المحتجزين العرب معظمهم رُحّلوا من دول أوروبية غنية إلى بلغاريا، الدولة الأفقر في الاتحاد الأوروبي، فالاتحاد يسعى اليوم إلى نقل عبء اللجوء إلى دول الحدود، وتوسيع الاحتجاز وتسريع الترحيل ضمن "ميثاق الهجرة واللجوء" الذي أُقر عام 2024.

تجمد 3 فتيان مصريين في سن المراهقة حتى الموت في الغابات الجنوبية الثلجية ببلغاريا

وتستفيد دول مثل ألمانيا من قانون يلزم اللاجئين بتقديم طلبهم في أول دولة أوروبية يصلون إليها، أما من يغادر إلى دولة أخرى فتمكن إعادته إلى نقطة الدخول الأولى، وهو ما حصل لكثير من السوريين في موجة الهجرة عام 2015.

وبذلك، يتابع التقرير، يجد كثيرون أنفسهم محاصرين في بلغاريا التي لا ترغب في استقبالهم ورفضت وضع برامج اندماج رسمية منذ 13 عاما.

وقد لقي مهاجرون حتفهم فوق الأراضي البلغارية حيث لم تعط السلطات أولوية لإنقاذهم: ففي أواخر 2024، تجمد 3 فتيان مصريين في سن المراهقة حتى الموت في الغابات الجنوبية الثلجية، بحسب الصحيفة.

ومع ذلك، بحسب وول ستريت جورنال، تخطط ألمانيا لترحيل أعداد أكبر بـ5 مرات إلى بلغاريا مقارنة بعام 2022.

مصدر الصورة مركز احتجاز في بلغاريا (غيتي)

شبكة مراكز احتجاز

وقد يصل عدد المحتجزين إلى 1060 شخصا في موقعي الاحتجاز الرئيسيين في بلغاريا: بوسمانتسي في صوفيا، وليوبيميتس في الجنوب، طبقا لما نقله التقرير.

وهناك أيضا مراكز احتجاز في الجزر اليونانية مثل ساموس ولسبوس وخيوس وليروس وكوس، وكذلك على الجزيرة الإيطالية الصغيرة لامبيدوزا، وصقلية، وفق المراسلة. وتُعد هذه المواقع صعبة الزيارة وغير مرئية ومغلقة أمام الجمهور.

وقال روبرت نيستلر للصحفية الأمريكية، وهو محامٍ ألماني مختص باللجوء يزور جزيرة كوس كثيرا "معظم السياح لا يعرفون حتى بوجود مركز احتجاز في المنطقة، وكأنه يوجد في نهاية العالم".

تمييز أوروبي

وقارنت مراسلة الصحيفة بين هذه المعاملة وبين معاملة اللاجئين الأوكرانيين، مؤكدة أن استقبالهم كان مختلفا تماما عن التعامل مع السوريين والأفغان وغيرهم.

ففي عام 2022، ومع فرار الأوكرانيين من القصف الروسي، استأجرت الحكومة البلغارية فنادق شاغرة على ساحل البحر الأسود لإيوائهم، في حين موّل الاتحاد الأوروبي برامج لتوفير سكن خاص لهم ودورات لتعلم اللغة.

ونقل التقرير عن رئيس الوزراء البلغاري آنذاك كيريل بيتكوف قوله إن "هؤلاء الناس أوروبيون، أذكياء ومتعلمون"، مضيفا أن "هذه ليست موجة اللاجئين التي اعتدنا عليها، والتي تضم أناسا لم نكن متأكدين من هويتهم، أناسا ذوي ماضٍ غامض، وربما كانوا إرهابيين".

أوضاع مزرية وإهانات

واستهلت الصحفية وصف ما رأته في زيارتها بوسمانتسي بوصف الرائحة الخانقة التي تملأ المكان: مزيج من العفن والعرق والبول. وأوضحت أن الحرس يحشرون نحو 30 رجلا في غرفة واحدة تُغلق أبوابها عند العاشرة مساء ولا تُفتح إلا صباحا.

وأكدت أنه لا توجد مراحيض في الداخل، مما يجبر بعض المحتجزين على التبول من النوافذ ليلا، كما لا توجد مياه جارية، فيضطر الواحد منهم إذا مرض للتقيؤ داخل أكياس بلاستيكية.

وبحسب التقرير، يُستدعى بعض المحتجزين أحيانا إلى غرفة صغيرة حيث ينتظرهم مسؤولون من الشرطة البلغارية ووكالة حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ( فرونتيكس)، وتتم المقابلات دون محامين، أو تمثيل قانوني، وبدون مترجمين، ويضطر المحتجزون لترجمة بعضهم لِبعض.

"جرّوني كالحيوان بينما كانت يداي مقيدتين"

بواسطة طالب لجوء يروي كيف قبضت عليه الشرطة الألمانية

وفي هذه المقابلات المبهمة قانونيا، يُعرض على المهاجرين خياران قاسيان: توقيع اتفاق "عودة طوعية" إلى بلدانهم، أو البقاء محتجزين لمدة تصل إلى 18 شهرا.

إعلان

وفي حين يرفض الكثيرون في البداية، فإن الضغط النفسي والانهيار التدريجي يدفع بعضهم إلى التوقيع، ثم يختفون بعد أيام دون أن يسمع عنهم الآخرون شيئا، بحسب الصحفية.

وتبدأ رحلة المهاجرين في هذا المركز قسرا، إذ روى أحد المحتجزين لنيويورك تايمز كيف داهمت الشرطة الألمانية منزله ليلا، وطاردته الكلاب حتى استسلم في الغابة. وقال "جرّوني كالحيوان بينما كانت يداي مقيدتين". في حين قال آخر "يهددونني بالترحيل إلى العراق. لدي جرب ولا علاج هنا… الوضع أسوأ من الخيال".

مصدر الصورة سياج شائك أقيم على الحدود البلغارية التركية (رويترز)

ويفاقم عزلة المهاجرين -غير ال مدانين بأي جريمة قانونية- منع الهواتف داخل المركز، ومن يملك هاتفا يشاركه مع الآخرين مقابل رسوم بسيطة.

وهكذا استطاعت الصحفية الحصول على بعض الشهادات، مثل تجربة هشام، الخياط السوري الذي كان يحلم بمستقبل في ألمانيا، ومر بتجارب طويلة مع أنظمة القانون الأوروبية، واحتجز 3 مرات في المركز، لينتهي به الأمر الآن دون مال أو تمثيل قانوني.

ويستيقظ المحتجزون كل صباح على لدغات بقّ الفراش التي تغطي أذرعهم وأرجلهم، ويتلقون طعاما بلا لون أو قيمة: خبز أبيض في الإفطار، جناح دجاج وملفوف في الغداء، بطاطا مسلوقة وتفاحة في العشاء.

ويقضي هؤلاء الرجال أيامهم بدون أي هدف، ولا تعليم ولا دورات لغة ولا فرصة للعمل أو كسب المال.

وسلطت المراسلة الضوء على أشكال إهانة الشرطة البلغارية للمهاجرين، فأكدت أن أحد الأفغان احتُجز منفردا أياما دون أن يستطيع الذهاب إلى الحمام، وظل هكذا حتى فتح له الحارس الزنزانة بعد 5 أيام من ترجي السجناء الآخرين.

وذكرت أن رجلا آخر وصل بساقين مبتورتين، ولم توفر له المنشأة أي وسيلة تعينه، فاضطر زملاؤه لحمله في كل مكان.

ضرب وإهمال صحي

أكد تقرير صحيفة نيويورك تايمز أن معاناة المحتجزين في مركز بوسمانتسي لا تتوقف عند الاكتظاظ وسوء الظروف، بل تمتد إلى العنف المباشر وغياب الرعاية الصحية.

وأضاف أن محتجزين تحدثوا عن اعتداءات تقع في أماكن بعيدة عن الكاميرات، مشيرين إلى أن الحراس يعرفون جيدا الزوايا التي لا تغطيها كاميرات المراقبة ويستغلونها لضرب الرجال.

وروى أحد المحتجزين كيف جرى سحب رجل أفغاني من الحبس الانفرادي وضربه بقضيب حديدي، في حين تعرض آخرون للكمات وإهانات داخل المركز.

وفي ما يتعلق بالرعاية الطبية، قال التقرير إن الخدمات الصحية داخل بوسمانتسي "غير كافية أو غائبة تماما". وذكرت الصحيفة أنه في عام 2021، سحبت امرأة أرمينية تبلغ 83 عاما إلى المركز، لكنها توفيت بعد 5 ساعات فقط بسبب سكتة قلبية.

وكشفت مراجعة أجرتها "اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب" عن نمط مقلق من المعلومات الطبية غير الدقيقة، إذ تبين أن جميع العلامات الحيوية المسجلة للمحتجزين متطابقة، في حين كتب في استمارات الفحص الأولي عبارات متكررة مثل "لا شكاوى" أو "حواجز لغوية"، في تجاهل واضح للحالات الصحية الفعلية.

ولفتت الكاتبة إلى أن النزعات الانتحارية تكثر في مراكز احتجاز المهاجرين حول العالم، وتزداد مع طول مدة الاعتقال، لكن معظم المحتجزين يخشون الحديث علنا خوفا من أن يؤثر ذلك على فرص الإفراج عنهم.

وأكدت الصحيفة أن طول مدة الاحتجاز يؤدي إلى تدهور نفسي تدريجي يدفع البعض إلى الرحيل، ونقل التقرير عن الخياط السوري هشام قوله "أخبرني رجال في الزنزانة أنني أبكي أثناء النوم".

وأضافت أن بعض من وُضعوا في العزل الانفرادي لأسباب نفسية لم يدخلوا المركز وهم يعانون أصلا، لكن الاحتجاز نفسه أدى لتدهور حالتهم النفسية.

وخلص التقرير إلى أن مركز بوسمانتسي ليس مجرد منشأة احتجاز على أطراف صوفيا، بل رمز لسياسة أوروبية أوسع تقوم على العزل والإرهاق النفسي كوسيلة ردع، حيث يتحول طالبو اللجوء إلى مجرد أرقام خلف الأسوار، ويُترك مستقبلهم معلقا بين احتجاز طويل أو "عودة طوعية" إلى المجهول.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا