آخر الأخبار

إيران: دولة متعددة الأعراق تعصف بها صراعات داخلية

شارك
ملايين الإيرانيين يحلمون بحياة أفضل في وطنهمصورة من: Egmont Strigl/imageBROKER/picture alliance

أثار حجم العنف الذي مارسته قوات الأمن ضد المتظاهرين صدمة عميقة في أوساط الإيرانيين. اندلعت احتجاجات جماهيرية في جميع أنحاء البلاد في نهاية كانون الأول/ديسمبر بعد تدهور الحالة المعيشية وتعمّق الأزمة الاقتصادية. ردت السلطات بحجب الإنترنت مؤقتاً و اعتمدت على العنف لقمع الاحتجاجات .

وحسب البيانات الرسمية قُتل 3117 شخصاً من بينهم عدد كبير من أفراد قوات الأمن. وتشير منظمات حقوق الإنسان إلى أرقام أعلى بكثير. وحسب "وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان" (HRANA)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، تم حتى نهاية كانون الثاني/يناير 2026 تأكيد 6126 حالة وفاة من بينها 86 طفلاً و5777 متظاهراً، ويجري حالياً التحقق من 17091 حالة أخرى.

الضحايا كانوا جزءا من ملايين الشباب الذين يحلمون بحياة أفضل في وطنهم. إيران لا تعاني فقط من أزمة اقتصادية عميقة وارتفاع معدلات البطالة، بل إن ندرة المياه والجفاف يضعان ضغوطاً إضافية على الكثير من الناس ويجبرونهم على الفرار من مناطقهم الأصلية.

تشير إحصاءات مركز أبحاث البرلمان الإيراني إلى أن ما لا يقل عن 30 مليون شخص أي أكثر من ثلث السكان قد نقلوا مكان سكنهم داخل البلاد خلال الثلاثين عاما الماضية.

الفرس والشيعة

إيران دولة متعددة الأعراق تضم العديد من الشعوب التي تشترك في تاريخ طويل. بعد الغزو العربي في القرن السابع دخل الإسلام إلى البلاد. ومع ذلك حافظ السكان على لغتهم الفارسية التي لا تزال حتى اليوم عنصراً أساسياً في الهوية الإيرانية.

في القرن السادس عشر أعلن شاه إسماعيل الأول، مؤسس سلالة الصفويين، الإسلام الشيعي الاثني عشري ديانة الدولة. وبذلك ميزت إيران نفسها عن الإمبراطورية العثمانية ذات الطابع السني.

على مدى قرون كانت بلاد فارس قوة مركزية في المنطقة. في عام 1935 أطلق الشاه رضا بهلوي اسم "إيران" رسمياً على الدولة لتعزيز الهوية الوطنية الحديثة.

وحتى اليوم يشكل السنة أقلية دينية في إيران ذات الطابع الشيعي حيث يمثلون بين 5 إلى 10٪ من السكان. يعيشون بشكل رئيسي في المناطق الحدودية: في المناطق الكردية والبلوشية والتركمانية.

خطوط الصراع الداخلية

تشكو الأقليات خاصة في المناطق الحدودية منذ عقود من التمييز المنهجي من قبل الدولة. ويدعم النظام السياسي أنصار مخلصون أيديولوجيا للجمهورية الإسلامية بغض النظر عن انتمائهم العرقي. فالزعيم الديني للبلاد، آية الله علي خامنئي ، هو من أصل أذري، والرئيس الحالي، مسعود بيشكيان، هو نصف كردي ونصف أذري، وعلي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى، ينحدر من عائلة ذات أصول عربية.

ولا تنفك وسائل الإعلام الحكومية عن نشر تقارير عن أنشطة الانفصاليين زاعمة أنهم يريدون إغراق البلاد في الفوضى وإثارة حرب أهلية. وتظهر الاحتجاجات المتكررة أن غالبية متزايدة من المجتمع ترفض النظام الحالي. ولكن في الوقت نفسه لا يوجد حتى الآن بديل سياسي واضح المعالم، يمكن أن يحظى بتأييد واسع النطاق من جميع شرائح المجتمع المعارضة للنظام الحالي.

الأكراد

يشكل الأكراد الذين يقدر عددهم بين 9 و12 مليون نسمة أقلية كبيرة ذات أغلبية سنية. وهم ينتمون إلى الشعب الكردي المنتشر في أربعة بلدان: إيران والعراق وتركيا وسوريا. منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية يحلم الكثير من الأكراد بكردستان مستقلة.

ولا تزال جمهورية ماهباد الكردية قصيرة العمر، التي تأسست عام 1946 بدعم سوفيتي في إيران واستمرت أحد عشر شهراً فقط، مصدر إلهام للسعي نحو الاستقلال حتى اليوم. تم قمع جميع انتفاضات الأكراد في إيران حتى الآن، على سبيل المثال انتفاضة "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" اليساري عام 1967 التي قمعها الشاه محمد رضا بهلوي.

شارك الكثير من الأكراد في المظاهرات المناهضة للشاه في عامي 1978 و1979. إلا أنه بعد الإطاحة بمحمد رضا بهلوي، رفض النظام الجديد منح أي حكم ذاتي لأي عرقية أو طائفة. وقد قُمعت الانتفاضة التي اندلعت في ربيع عام 1979 بوحشية.

وتنتشر موجات الاحتجاج ضد النظام بسرعة خاصة في المناطق الكردية، كما كان الحال مع الاحتجاجات التي عمت البلاد بعد وفاة الكردية ماهسا جينا أميني البالغة من العمر 22 عاماً أثناء احتجازها لدى الشرطة بتهمة مخالفة قواعد ارتداء الحجاب.

في حالة اندلاع اضطرابات في المناطق الكردية تتعاون طهران بشكل وثيق مع الدول المجاورة، وخاصة تركيا، تحت ذريعة حماية الأمن القومي.

الأذريون

تحمل محافظتان إيرانيتان على الحدود الشمالية الغربية اسمي أذربيجان الغربية وأذربيجان الشرقية. انفصلت دولة أذربيجان الحالية عن إيران في عام 1828 بعد حرب روسية-فارسية ويبلغ عدد سكانها حوالي 10.2 مليون نسمة.

في إيران يُقدر عدد المواطنين من أصل أذري بنحو 18 مليون نسمة. وينتاب النظام قلق من الجماعات الانفصالية التي تسعى إلى استقلال "أذربيجان الجنوبية". في الوقت نفسه توجد في باكو تيارات قومية تتحدث عن "أذربيجان الكبرى" والتي تشمل المقاطعات الإيرانية.

ويمثل تعزيز العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل في السنوات الأخيرة شوكة في عين طهران. منذ ثورة 1979 يهدد الحكام دولة إسرائيل بالدمار ويحاولون إظهار أنفسهم كقوة حامية للمسلمين المضطهدين في العالم الإسلامي.

البلوش

يعيش حوالي ثلاثة ملايين من سكان إيران البالغ عددهم حوالي 92 مليون نسمة في محافظة سيستان وبلوشستان في جنوب شرق البلاد. غالبية السكان هم من البلوش السنة وهم مجموعة عرقية موجودة أيضاً في باكستان وأفغانستان.

وتنظر الحكومة المركزية الشيعية في طهران بعين الريبة إلى تماسك القبائل السنية على طول الحدود. ويصعب السيطرة على هذه المنطقة الحدودية بإحكام. ومنطقة البلوش من أفقر المناطق في إيران ويعتمد الكثير من السكان على التهريب، خاصة الوقود والمخدرات، لتأمين معيشتهم.

عدد الإعدامات بسبب جرائم المخدرات مرتفع جداً في محافظة سيستان وبلوشستان. من بين 975 حالة إعدام موثقة في عام 2024 كان 503 منها أي أكثر من النصف بسبب أحكام تتعلق بالمخدرات.

وتطالب منظمات حقوق الإنسان "مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة" (UNODC) ببذل المزيد من الجهود لإنهاء عقوبة الإعدام في جرائم المخدرات.

تسود منطقة البلوش مشاعر الإحباط والغضب تجاه الحكومة المركزية. وصلت الاحتجاجات التي اندلعت في جميع أنحاء البلاد تحت شعار "المرأة، الحياة، الحرية" بعد وفاة ماهسا جينا أميني في خريف 2022 إلى محافظة سيستان وبلوشستان أيضاً. وأصبحت عاصمة المحافظة زاهدان على وجه الخصوص معقلاً للاحتجاجات والقمع الحكومي الشديد.

ونظراً للقيود المفروضة على الاتصالات والحظر المتكرر للإنترنت لا تتوفر سوى معلومات قليلة موثوقة عن الاحتجاجات الحالية في محافظة سيستان وبلوشستان.

أعده للعربية: م.أ.م

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا