تبذل الحكومة المصرية جهود حثيثة في محاولة لتغيير واقع اقتصادي فرضته سنوات من الاقتراض وارتفاع كلفة الديون، مع الاستقرار النسبي الذي يشهده الاقتصاد المصري، مدعوما بثبات سعر الصرف مؤخرا.
وفي هذا السياق، كشفت بيانات البنك الدولي عن ارتفاع الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من عام 2025، ليصل إلى 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر، مقارنة بـ161.23 مليار دولار في يونيو من العام نفسه.
في المقابل، أعلن البنك المركزي المصري، الخميس، ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 52.594 مليار دولار بنهاية يناير 2026، مقابل 51.451 مليار دولار بنهاية عام 2025، بزيادة قدرها 1.143 مليار دولار، ما يعكس تحسنا في مؤشرات السيولة الخارجية.
يتزامن ذلك مع إبرام الحكومة المصرية عددا من الصفقات الاستثمارية الكبرى، كان أبرزها صفقة تطوير وتنمية مدينة رأس الحكمة على الساحل الشمالي الغربي، التي وُقعت مطلع عام 2024 بين وزارة الإسكان وشركة أبو ظبي التنموية القابضة. ووفرت الصفقة لمصر، وفقا للبيانات الحكومية، تدفقات نقدية بلغت 35 مليار دولار خلال شهرين، موزعة على دفعتين: الأولى بقيمة 15 مليار دولار، والثانية بقيمة 20 مليار دولار.
وفي نوفمبر 2025، أبرمت القاهرة ثاني أكبر صفقة استثمارية في تاريخها، من خلال شراكة مصرية – قطرية لتطوير منطقة علم الروم بمحافظة مطروح، باستثمارات تُقدّر بنحو 29.7 مليار دولار، حصلت مصر منها على دفعة أولى بقيمة 3.5 مليار دولار في ديسمبر الماضي، على أن تشكل هذه الدفعة بداية للهيكل المالي للاتفاق.
ورغم هذه التدفقات، أثار استمرار ارتفاع الدين الخارجي تساؤلات واسعة. ويقول الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، عضو مجلس النواب، في تصريحات لـ”الحرة”، إن الزيادة الأخيرة في الدين لا تعود إلى أجهزة الموازنة العامة، بل إلى ارتفاع ديون الهيئات الاقتصادية والشركات والقطاع المصرفي بنحو 2.4 مليار دولار، من بينها 1.3 مليار دولار تخص القطاع المصرفي، في حين تراجعت ديون أجهزة الموازنة بنحو 1.23 مليار دولار.
وأشار فؤاد إلى وجود مفارقة في الخطاب الرسمي حول مسار الدين العام، موضحا أن الحديث عن تراجعه يقتصر على ديون الموازنة فقط، دون احتساب إجمالي الديون السيادية.
“كل ديون الموازنة تُعد ديونا سيادية، لكن ليس كل دين سيادي يندرج ضمن ديون الموازنة،” يقول.
من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي محمد أنيس أن الحكومة كانت قد أعلنت، عقب صفقة رأس الحكمة، استهداف خفض الدين الخارجي بمعدل 2 مليار دولار سنويا، وهو ما أكده كل من وزير المالية ورئيس الوزراء. غير أن الواقع أظهر ارتفاعا في إجمالي الدين. وأرجع ذلك إلى ديون الهيئات الاقتصادية، التي وإن لم تُستخدم لسد عجز الموازنة، تظل ديونا سيادية مضمونة من الدولة، بحسب قوله.
وخلال الشهر الماضي رفع صندوق النقد الدولي، تقديراته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي الحالي إلى 4.7%، للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر، متوقعا أن يشهد الاقتصاد تسارعا في وتيرة النمو ليبلغ 5.4% بحلول عام 2027، بدعم من مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتحسن مؤشرات الاستقرار الكلي.
ومع تجدد الجدل حول مستويات الدين، عاد إلى الواجهة مقترح رجل الأعمال، المصرفي حسن هيكل، الذي دعا إلى تنفيذ “مقايضة كبرى” لمعالجة الدين المحلي، عبر استبداله بأحد الأصول السيادية الكبرى، ممثلا في هيئة قناة السويس. وأثار الطرح، الذي قُدم لرئيس الوزراء ونُشر لاحقا عبر منصة “إكس”، انقساما واسعا بين الخبراء الاقتصاديين.
ويقترح هيكل نقل ملكية هيئة قناة السويس من وزارة المالية إلى البنك المركزي المصري، بعد تقييمها عبر الجهاز المركزي للمحاسبات وبمشاركة شركة عالمية، معتبرا أن قيمتها قد تصل إلى 200 مليار دولار، استنادا إلى إيرادات سنوية تقارب 10 مليارات دولار. ويرى أن البنك المركزي يمكنه سداد فوائد الديون من عوائد القناة، دون المساس بأموال المودعين.
غير أن هيكل رفض التعليق “للحرة”على الجدل المثار حول مقترحه، مكتفيا بالإشارة إلى أن الحكومة تدرك ما يتعين عليها القيام به.
وفي تقييمه للمقترح، يرى الدكتور محمد فؤاد أن الطرح، رغم جاذبيته الظاهرية، يفتقر إلى وضوح المسار التنفيذي ودراسات الأثر، محذرا من الانجراف وراء حلول تبدو ثورية دون تحديد دقيق للعلاقات المالية وآليات انتقال الأصول وتسوية الالتزامات.
وأكد فؤاد أن الاستشهاد بتجربة دول أخرى لا ينطبق على الحالة المصرية لاختلاف السياق والأدوات.
وعلى الصعيد القانوني، يقول الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، في تصريح لـ”الحرة”، إن نقل الأصول السيادية من الحكومة إلى البنك المركزي قد يكون مقبولا محاسبيا، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة الاقتصادية. ويشير إلى أن المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، تنظر إلى الدين من منظور القطاع العام الموحد، بما يشمل الحكومة والبنك المركزي معا.
وحذر مهران من أن مثل هذه الخطوات قد تُفسَّر دوليا على أنها هندسة مالية تهدف إلى تجميل الأرقام، ما قد ينعكس سلبا على التصنيف الائتماني لمصر وثقة المستثمرين، مؤكدا أن الشفافية والمعالجة الهيكلية للدين تبقى أكثر أهمية من الحلول المحاسبية الشكلية.
في المحصلة، تعكس الأرقام المتباينة حجم التعقيد الذي يحيط بالملف الاقتصادي في مصر؛ فبين ارتفاع الدين الخارجي إلى 163.7 مليار دولار، وزيادة الاحتياطيات الأجنبية إلى 52.6 مليار دولار، وتدفقات استثمارية تجاوزت 60 مليار دولار عبر صفقات كبرى، يبقى السؤال مطروحا حول الاستدامة لا الحجم.
ومع عودة الجدل حول مقترحات غير تقليدية، مثل مقايضة الديون بأصول سيادية كقناة السويس، ينقسم الخبراء بين من يراها مخرجا استثنائيا ومن يحذّر من “هندسة مالية” قد تجمّل الأرقام دون معالجة جوهر الأزمة، ما يجعل مسار إدارة الدين مفتوحا على احتمالات متعددة.
المصدر:
الحرة