بوعلام صنصال من زنزانة في سجن بالجزائر.. إلى كرسي دائم في محفل ثقافي عريق في فرنسا.
في خطوة لافتة تتاشبك فيها السياسة بالأدب، منحت الأكاديمية الفرنسية الروائي الفرنسي الجزائري الأصل بوعلام صنصال مقعدا في مجمع الخالدين الذي لا يدخله إلا جهابذة الفكر والأدب الفرنسي، منهم على سبيل المثال لا الحصر أسماء لامعة فولتير وفكتور هوغو وأناتول فرانس ومارسيل بانيول وألفرد دي موسي ومونتيسكيو.
فمن كان يصدّق أن بوعلام صنصال سيحصل على عضوية الأكاديمية الفرنسية العريقة وهو الذي كان حتى وقت قريب يقبع في زنزانة بالجزائر طيلة سنة كاملة. حيث كان حُكم عليه بالسجن خمس سنوات بتُهم عدة منها "المساس بالأمن القومي" و"الترويج المتعمّد لأخبار كاذبة من شأنها المساس بالنظام العمومي والأمن العام إضافة إلى تهمة "القذف والإهانة" بحق الجيش الجزائري وفق ما جاء في لائحة الاتهام.
وكان الروائي قبل إلقاء القبض عليه والتهم الموجهة إليه محط انتقادات حادة في الجزائر بسبب زيارته لإسرائيل قبل سنوات. فقد حضر "مهرجان الأدباء العالمي" عام 2012 بل ودعا الكتاب العرب ليحذوا حذوه ما أثار ضجة وقتها خصوصا وأن الفعالية تزامنت وإحياء ذكرى نكبة فلسطين.
صنصال (76 عاما) الذي حصل الى الجنسية الفرنسية عام 2024، قال في معرض تعليقه على الحدث، إن دخوله الأكاديمية يعني أنه أصبح جزءا من تاريخ فرنسا وأن التكريم هو بمثابة "هدية ملكية" كما حلا له أن يسمّيها، ما دفع بعضهم للتساؤل عما إذا كان المعني نفسه مقتنعا بأنه استحق الهدية فعلا أم أنه يعتقد في قرارة نفسه أنها ليست حقا اكتسبه عن جدارة أدبية.
للحصول على هذا الإفراج كان لا بد من استعمال شتى الوسائل، ومن هنا جاءت فكرةٌ أطلقها الكاتب والعضو في الأكاديمية الفرنسية جان كريستوف روفين. فانتخاب صنصال عضوا دائما في هذا المحفل هو بمثابة صكّ ضمان للحفاظ على حياة الروائي المثير للجدل وفق تعبير الكاتب. فمن يجرؤ على النيل من "عضو خالد في مؤسسة مرموقة"؟
وهذا بالضبط ما صرّح به صنصال في حوار صحفي بعد نيل العضوية، فقال: إن انتخابي هو بمثابة حماية لي، لأنه لا أحد يتعرض لعضو في الأكاديمية". وأضاف: أعتقد أن صديقي جان كريستوف روفين هو من اقترح الفكرة لأنه كان يعتقد أن انتخابي سيكون وسيلة إضافية للدفاع عني. في الوقت نفسه اعترف صنصال بحساسية المسألة فقال: كان هناك خلاف حول القضية لأنه هناك من رأى أنه إذا فعلنا هذا (انتخاب صنصال عضوا في الأكاديمية) فإننا بذلك سنكون نتعاطى السياسة، لكن الأكاديمية لم تخض أبدا في السياسة وهي لا تتعاطاها إطلاقا" وفق الروائي.
وهكذا كان، ومن هنا دخل الفرنسي من أصل جزائري الأكاديمية بإجماع كافة الأعضاء وبعد مسار انتخابي لم يحتج إلا لدورة واحدة فقط. وقد استغرقت حملة ترشيح صنصال بالكاد بضع أسابيع. إذ بدأت في الثامن من يناير كانون الثاني وانتهت بإعلان انتخابه في التاسع والعشرين من نفس الشهر. بل وتم إعفاؤه من الزيارات البروتوكولية التي كان عليه أن يقوم بها لزملائه الأعضاء كما جرت العادة.
من شروط الفوز بكرسي من كراسي "الخالدين" ثمة شروط، منها أن يكون المرشّح صاحب أخلاق وصاحب سيرة طيبة والأهم من هذا كله أن يُشهد له بمستواه الأدبي والفكري الذي لا يُضاهى. كما أن اختياره يتطلّب تزكية من رئيس الجمهورية نفسه.
أسماء أدبية لامعة كثيرة لم تنل شرف دخول الأكاديمية الفرنسية ومنهم بالزاك وبودلير وفيرلين بل حتى إيميل زولا الذي ترشّح للمنصب 25 مرة دون أن يحالفه الحظ لدخول "دنيا الخالدين".
وقد ضجت فرنسا بخبر انتخاب صنصال بين مهّلل ومادح لشخصية الفائز. حيث كتبت صحيفة ويست فرانس بأنه طيلة مسيرته لم يأل جهدا في محاربة فساد النخب والأصولية وأسلمة كوكب الأرض . ومضت الصحيفة في المديح فقالت: "قبل ثلاثة أشهر كان يعاني في السجون الجزائرية وكنات هناك خشية على حياته، أما اليوم فقد أصبح من الخالدين، وها هو يستمتع بتكريم الجمهورية وبالقبة وذهبها"، في إشارة إلى قبة معهد فرنسا المزينة بالذهب والتي تُؤوي مقر الأكاديمية الفرنسية.
كما أن هناك من رأى أن منْح مقعد في هذا المحفل للروائي المثير للجدل هو ردّ اعتبار للتاريخ وفق ما جاء في أحد التقارير لقناة فرانسو إنفو الإخبارية.
الحدث لم يمرّ مرور الكرام بطبيعة الحال لدى بعض الساسة في هذا البلد. فقد غرّد وزير الداخلية الأسبق برونو روتايو وهو من صقور اليمين المحافظ في فرنسا فقال في تغريدة مهنّئا "صديقه": "أهنئ صديقي بوعلام صنصال الذي سيضيئ الأكاديمية الفرنسية بموهبته الأدبية وشجاعته وابتسامته الدافئة. إن انتخاب هذا الفرنسي اللغة والحبر هو دليلٌ واضح ومطمئن على أن فرنسا ستبقى وطنا عظيما للأدب".
ومن الساسة المحسوبين على اليمين المتطرف من وصف الحدث بأنه "شرف عظيم لفرنسا وأن الرجال الأحرار هم الذين يشقون الطريق لغيرهم" مثلما كتب روبرت مينار رئيس بلدية بيزييه (جنوب البلاد) والذي كان يوما رئيسا لمنظمة صحفيين بلا حدود قبل أن يقع في شرَك حزب التجمع الوطني برئاسة جوردان بارديلا وملهمته النائبة الأوروبية مارين لوبان الزعيمة السابق للحزب.
أما صاحب المبادرة، الكاتب وعضو الأكاديمية جان كريستوف ريفان فقال: "نعم لقد دعمته (أي صنصال) وكنت من بين الذين اقترحوا انتخابه أثناء وجوده في السجن. ويعترف المتحدث بالجدل الذي أثير وقتها حول المسألة فيقول: كان هناك نقاش محتدم بهذا الشأن في نوفمبر الماضي، بين من يرون أن خطوة مثل هذه كانت ستكون دليلا إضافيا على انتمائه لفرنسا ولعالم الفرانكوفونية فتساعده وكنت أنا من أصحاب هذا الرأي. وهناك أيضا من كانوا على النقيض من هذا الموقف فاعتبروا أنه من الأفضل أن نتوخى الحذر".
الإعلام الجزائري الرسمي والخاص آثر تجاهل خبر انتخاب صنصال عضوا في الأكاديمية الفرنسية، فلم يخض كثيرا في الحدث، لكن الموقع الإلكتروني "كل شيء عن الجزائر" قال في مقال مقتضب إن دخول صنصال الأكاديمية الفرنسية هو خطوة سياسية بامتياز لا علاقة لها بمكانته الأدبية والثقافية.
وأمام تجاهل الجزائر للحدث، نجد موقف الإعلام في المغرب على النقيض تماما. فقد رأى موقع ماروك ديبلوماتيك أن انتخاب الروائي المنحدر من أب مغربي، هو تجسيد لقيمته كمثقف. ولم يفتْ الموقع أن يكيل المديح للعضو الجديد في الأكاديمية معدّدا مناقبه الفكرية والأدبية التي كلّفته كثيرا وعرّضته لقمع السلطات في الجزائر وأن ينوّه بأن الخطوة هي رسالة سياسية لا لُبس فيها تجاه دولة لم تفتأ تضطهد أحد أكثر كتابها اسستشرافا وشهرة على الصعيد الدولي. ومضى الكاتب في هجومه قائلا إن انتخاب صنصال هو بمثابة "توبيخ صامت للممارسات التي تستهدف المثقفين غير المحسوبين على السلطة في الجزائر. وهو أيضا بمثابة تذكير بأنّ المهمّشين سيحظون بالاعتراف الدولي مهما طال الزمن، وأنّ سجن الجسد لا يمحو الكتب أو الأفكار " وفق تعبير كاتب المقال.
يدخل صنصال الأكاديمية الفرنسية ليرتدي الزي الأخضر الشهير. لكن خلف هذا اللباس المزيّن بخيوط الذهب والذي يكلّف صاحبه عشرات الآلاف من اليوروهات تتوارى عباءة السياسة. عباءةٌ ثقيلة شاءت مواقفه وتصريحاته أن تقف حائلا بينه وبين الاعتراف بوجوده كمثقف وروائي دون اعتبارات أخرى . فبعيدا عن قبّة معهد فرنسا، سيبقى الروائي دائما مثار جدل بين من يراه مثقفا حرّا دفع ثمن مواقفه وبين من يعتبره بيدقا في رقعة الشطرنج بين الجزائر وفرنسا وشوكة في خاصرة وطنه الأم ليبقي السؤال معلقا: من أدخل صنصال الأكاديمية الفرنسية؟ فكرُه وأدبُه أم مواقفُه أم الاثنان معا؟
المصدر:
يورو نيوز