في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- كان نبش قوات الاحتلال الإسرائيلي لـ"مقبرة البطش" بالنسبة لذوي الشهداء والأموات في قطاع غزة بمثابة طعنة جديدة في قلوبهم، ونكء لجروحهم، وأعاد إليهم وجع الفقد، وداس على مشاعرهم بانتهاك قاس لقدسية وحرمة جثامين شهدائهم وأمواتهم.
وعلى مدار يومين كانت "مقبرة البطش" في حي التفاح شمال شرق مدينة غزة، مسرحا للعبث من قوات الاحتلال ترافقها فرق مختصة في مهمة العثور على جثة الجندي الإسرائيلي الأسير الأخير ران غويلي.
وتشير المعلومات المتواترة إلى أن الاحتلال نبش وجرف زهاء 250 قبرا في هذه المقبرة، وأخرج الجثامين وأخضعها لفحوص ميدانية، ونقل عددا غير معلوم من جثث الشهداء والأموات لمعهد الطب العدلي (أبو كبير) بمدينة القدس، وليس معلوما مصير هذه الجثامين بعد العثور على جثة الجندي الإسرائيلي.
ويقول مواطنون غزيون للجزيرة نت "لقد نبشوا أرواحنا قبل قبور أهلنا، وعثروا على أسيرهم ودفنوه، وتركونا نكتوي بنيران الفقد مرتين، مرة بجرائم القتل وفقد أحبتنا، ومرة ثانية بجثامين لا نعلم مصيرها، وهل أعيدت إلى قبورها أم سرقوها؟ أم تركوها فريسة للحيوانات والكلاب الضالة".
وأعادت مشاهد النبش القاسية لهذه المقبرة نكء جراح المواطن قصي صرصور (أبو أنس) وعائلته، ويقول للجزيرة نت "الاحتلال لم ينبش القبور فقط، وإنما طعن قلوبنا ونبش جروحنا التي لم تبرأ بعدُ حزنا على شهدائنا".
ولا يعلم أبو أنس، وهو ضابط في الدفاع المدني، مصير 10 قبور تضم شهداء من عائلته وأصدقائه ورفاقه، حيث يمنع الاحتلال وصول ذوي الشهداء والأموات لمقبرة البطش، لمعاينة ما حدث فيها بعد عمليات النبش والتجريف.
وتحدث أبو أنس بألم عن شقيقه، الذي لم يعرف النوم طريقه إليه على مدار الأيام الماضية، قلقا وحزنا على جثامين زوجته وأطفاله المدفونين في "مقبرة البطش" ويجهل مصيرهم، وقال أبو أنس "ما نعيشه حاليا يُشبه شعورنا المؤلم بالفقد عندما تلقينا خبر استشهادهم"، مؤكدا أن شعورا حزينا ينتاب أهالي الشهداء والأموات بفعل نبش القبور وامتهان كرامة جثامين أحبتهم.
وفي مرتين سابقتين تعرضت فيهما مقبرة البطش لنبش قبورها من الاحتلال، وتُركت الجثامين ملقاة على الأرض، تمكّن مواطنون من الوصول إليها وإعادة دفنها، لكنْ -هذه المرة- يمنع الاحتلال الوصول للمقبرة الواقعة في نطاق ما يسمى "الخط الأصفر" الخاضع لسيطرة عسكرية إسرائيلية ويقضم زهاء 60% من مساحة القطاع الساحلي الصغير.
وحسب سكان في حي التفاح فإن قوات الاحتلال انسحبت من المقبرة، وتراجعت من حدود المنطقة الواقعة فيها، غير أنها فتحت نيران أسلحتها على فلسطينيين حاولوا الوصول للمقبرة لمعاينة القبور.
وإثر اجتياح المقبرة للمرة الثانية مطلع العام الماضي، تمكّن أبو أنس وأهالي شهداء من الوصول إلى المقبرة، وإعادة جمع الجثامين المبعثرة ودفنها من جديد في قبور تعرضت للنبش والعبث والتجريف.
وأظهرت مقاطع مصورة نشرها شاب فلسطيني نجح في تجاوز المخاطر والتسلل للمقبرة، مشاهد قاسية لدمار هائل ونبش واسع طال عشرات القبور. وقال أبو أنس "هذه المشاهد جددت الألم في قلوبنا الموجوعة"، وأضاف أن ما يزيد من الوجع شعورهم بالعجز وعدم القدرة على الوصول للمقبرة.
بدوره، وصف الصحفي محمود هنية للجزيرة نت ما حدث بأنه "وجع كبير"، وقال إنه لم يحظ برؤية قبري زوجته الشهيدة الصحفية دعاء شرف ونجله عبيدة (15 شهرا) اللذين استشهدا في منطقة اليرموك مع عشرات آخرين في "مجزرة التاج" المروعة التي ارتكبها الاحتلال في أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2023.
آنذاك كان هنية نازحا في جنوب القطاع، ودُفنت زوجته ونجله في "مقبرة البطش"، وقد سبقت جرافات الاحتلال عودته إلى مدينة غزة إثر اتفاق وقف إطلاق النار، في يناير/كانون الثاني 2025، واجتاحت المقبرة ودمّرتها وبعثرت الجثامين.
وتجدد الشعور بالقهر لدى هنية مع الاجتياح الأخير للمقبرة ونبش قبورها، ويقول "كغيري من أهالي الشهداء والأموات لقد اكتويت بنيران القهر والشعور المتجدد بالفقد، وكأن الاحتلال يمعن في قتلنا مجددا، والدوس على جراح قلوبنا وذاكرتنا".
ولم يعثر هنية على قبري زوجته ونجله، ولا يزال مصيرهما مجهولا وقلبه ينوء بحزن ثقيل، وهو يأمل بعدما بات فقدهما واقعا قاسيا أن يعثر على جثمانيهما ويدفنهما في قبر يمكنه زيارته كلما اشتاق لهما.
ويتساءل مواطنون غزيون: "من أجل البحث عن جثة إسرائيلي واحد وقف العالم صامتا أمام نبش آلاف القبور وامتهان كرامة شهدائنا، فأين هذا العالم اليوم من الجريمة التي ارتكبها الاحتلال بالمقبرة، وقتله لشهدائنا مرتين، وملاحقتهم حتى في قبورهم؟".
وأدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية -في بيان رسمي- نبش الاحتلال القبور بمقبرة البطش، في انتهاك صارخ لحرمة الموتى، وتجاوز خطير لكل القيم الدينية والإنسانية والأعراف والقوانين الدولية التي تكفل احترام كرامة الإنسان حيا وميتا.
وتُوثق الوزارة تدمير الاحتلال 40 مقبرة من أصل 60 خلال حرب الإبادة، آخرها إعادة تدمير مقبرة البطش، ونبش مئات القبور واستخراج مئات الجثامين وإلقاؤها خارج القبور، في سابقة خطيرة تهدف إلى طمس الهوية وامتهان كرامة الشعب الفلسطيني وشهدائه.
وأكدت أنها ستتعاون مع الجهات المعنية والمؤسسات المختصة، ببذل كل الجهود اللازمة لإكرام الأموات والشهداء، والعمل على إعادة دفنهم بما يليق بكرامة الإنسان، والحفاظ على حرمة المقابر، رغم الظروف الصعبة والإمكانات المحدودة.
وحمّلت الوزارة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم المستمرة، ودعت المجتمع الدولي، والمؤسسات الحقوقية والإنسانية، إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والتحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات الخطيرة، ومحاسبة الاحتلال على جرائمه بحق الإنسان الفلسطيني حيا وميتا.
من جهته، قال مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، علاء السكافي، إن نبش القبور والاعتداء على حرمة الموتى، يُمثّل جريمة وانتهاكا خطيرا لكرامة الإنسان، ومخالفة صريحة للمبادئ الإنسانية والأخلاقية، بموجب الإعلان الدولي لحقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني.
وأشار إلى أن "حرمة الموتى واحترام قبورهم مكفولة بموجب القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة، التي تشدد على ضرورة احترام جثامين الموتى وحمايتها من أي شكل من أشكال الإهانة والتمثيل والاعتداء، سواء في أوقات النزاعات المسلحة أو السلم".
وللسكافي نفسه تجربة إنسانية خاصة، حيث فقد 3 من أبناء عمومته في ديسمبر/كانون الأول 2023، وكان حينها نازحا والكثير من أفراد عائلته في جنوب القطاع، ولم يحظوا بفرصة إلقاء نظرة الوداع عليهم والمشاركة في تشييعهم، وتكفل أقارب وجيران بدفنهم في مقبرة البطش.
وهو ينظر لنبش المقبرة للمرة الثالثة بأنه "فقد جديد"، ويقول السكافي إن عدم معرفة مصير الجثامين بعد أيام من هذا الاعتداء يزيد من آلامهم، وتسيطر عليهم مشاعر قاسية بالعجز والقهر، والاحتلال يمعن في مضاعفة أوجاعهم بمنع ذوي الشهداء من الوصول للمقبرة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة