آخر الأخبار

عائلاتٌ للجزيرة نت: “قسد” أخفت أبناءنا ونريد معرفة مصيرهم

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

دمشق- مع انتقال السيطرة على مناطق واسعة في شمال شرقي سوريا إلى الحكومة الجديدة، عاد ملف الاختفاء القسري لدى قوات "قسد" إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات الحقوقية إلحاحا، وسط مطالب متزايدة بكشف مصير آلاف المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن احتجازهم.

ووفق تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان بتاريخ 25 يناير/كانون الثاني 2026، لا تزال "قسد" تحتجز آلاف الأشخاص، بينهم عشرات الأطفال، في ظروف وُصفت بأنها تنتهك أبسط معايير القانون الدولي الإنساني.

كما وثق التقرير مقتل عشرات المعتقلين تحت التعذيب منذ تأسيس "قسد"، إلى جانب آلاف حالات الاعتقال التعسفي والتعذيب الممنهج داخل مراكز الاحتجاز التابعة لها.

مصدر الصورة عائلات سورية تنتظر معرفة مصير أبنائها المختفين في سجون قسد التي سيطرت عليها الحكومة (الجزيرة)

قصص مؤلمة

في هذا السياق، يروي ذوو معتقلين ومختفين قصصا مؤلمة عن سنوات من الغياب القسري وانقطاع الأخبار.

قال عادل عكيش للجزيرة نت إن شقيقه من مواليد عام 1995، والذي ينتظره بجانب سجن يتبع لهذه القوات سابقا في الرقة، إن أخاه اعتُقل عام 2015 قرب منطقة كانت خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة بتهمة الانتماء للجيش الحر، ومنذ ذلك الحين لا يعرفون أي شيء عن مصيره، وسط تضارب روايات غير مؤكدة عن وفاته أو بقائه على قيد الحياة.

من جهته، صرح عبد القادر العيسى -من منطقة الشدادي- للجزيرة نت بأن شقيقه عبد الغني محمد العيسى اعتُقل في مدينة عين العرب (كوباني) بالتهمة ذاتها، وصدر بحقه حكم بالسجن 3 سنوات في سجن الأقطان. وأكد أن العائلة لم تتمكن من زيارته إلا مرة واحدة بعد نحو 9 أشهر من الاعتقال، قبل أن يُدرج اسمه لاحقا على باب المحكمة، مع آمال بالإفراج عنه.

وتشير آية هلال شقيقة المعتقل حمود فرحان الهلال إلى أن أخاها اعتُقل سنة 2018 على أحد حواجز "قسد" ونُقل إلى سجن الرقة، حيث بقي مصيره مجهولا لمدة سنة و8 أشهر. وأوضحت للجزيرة نت أنه تم اتهامه بالتعامل مع المعارضة السورية في شمال حلب حيث وقعت عملية " درع الفرات" التركية السورية، رغم عدم وجود أي صلة له بذلك، مؤكدة أنه يعاني من أمراض مزمنة ويعيل أسرة كبيرة.

بدورها، تحدثت مراش العبد الله والدة أحد المغيبين من قبل "قسد" عن ابنها المعتقل منذ 7 سنوات، مؤكدة للجزيرة نت أنه المعيل الوحيد لزوجته وأطفاله الخمسة، وأنه يتعرض للتعذيب والحرمان في ظل غياب أي تجاوب رسمي مع مطالب العائلة بمعرفة مصيره.

إعلان

من ناحيته، قال فواز الشبلي والد أحد المختفين للجزيرة نت إن ابنه عبد الله اعتُقل قبل نحو شهرين ونصف بسبب صورة على هاتفه، وتنقل بين عدد من مراكز احتجاز "قسد" قبل صدور حكم بحقه، خُفّض لاحقا مقابل مبالغ مالية. وأكد أن العائلة أمضت أياما طويلة تفترش الأرصفة في الرقة بانتظار الإفراج عنه.

من جانبها، تروي صباح خليل قصة شقيقها إبراهيم أحمد الخليل المختفي، وأوضحت أنه اعتُقل منذ 4 أشهر بتهمة مقاومة دورية تابعة لـ"قسد"، وقالت للجزيرة نت إن أسرتها دفعت مبالغ مالية كبيرة دون أن يتم الإفراج عنه، رغم صدور خلاصة قضائية تفيد بعدم وجود شيء بحقه، مشيرة إلى تدهور حالته الصحية نتيجة التعذيب.

مصدر الصورة سوريون يلازمون الطرقات بانتظار خبر عن ذويهم (الجزيرة)

تجنيد قاصرين

ولا يقتصر ملف الانتهاكات على الاعتقال والاختفاء القسري، بل يشمل أيضا تجنيد قاصرين، وبينهم فتيات. وذكر والد فتاة كردية قاصرة -رفض الكشف عن هويته خوفا على حياته- أن ابنته (15 عاما) جرى استقطابها قبل أكثر من عام من قبل جهات تابعة لقوات "قسد"، قبل أن ينقطع الاتصال بها بشكل كامل.

وقال للجزيرة نت إنهم حاولوا مرارا التواصل مع الجهات المعنية لمعرفة مكانها أو الاطمئنان على سلامتها، دون تلقي أي معلومات واضحة، مبينا أن ابنته غادرت المنزل بحجة الالتحاق بدورة تعليمية، قبل أن تكتشف العائلة لاحقا أنها جُنّدت قسرا. ومنذ ذلك الحين، لا يعلمون إن كانت ما تزال على قيد الحياة أو في أي موقع توجد.

وأكد الأب أن غياب أي معلومات رسمية عن مصيرها فاقم معاناتهم، خاصة مع ورود أخبار عن نقل قاصرين إلى معسكرات مغلقة، معتبرا أن ما جرى يشكل انتهاكا جسيما لحقوق الأطفال، مطالبا بالكشف عن مصيرها وإعادتها إليهم.

من جهته، أفاد فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان للجزيرة نت، بأن "قسد" لا تزال تحتجز ما لا يقل عن 3705 أشخاص في عداد المختفين قسريا، إضافة إلى توثيق مقتل 122 شخصا تحت التعذيب منذ تأسيسها. واعتبر أن هذا الملف يمثل أحد أخطر أنماط الانتهاكات في مناطق سيطرتها، إذ لا يقتصر على الاعتقال التعسفي، بل يشمل إخفاء المصير ومكان الاحتجاز لفترات طويلة، ما يحرم الضحايا من أي حماية قانونية أو رقابة قضائية فعالة.

وأشار إلى أن نمط الاحتجاز هذا يضع المعتقلين خارج إطار القانون، وتترتب عنه مسؤولية مباشرة على المنفذين والآمرين والمسؤولين عن إدارة مراكز الاحتجاز، وفق مبدأ المسؤولية ضمن سلسلة القيادة.

مصدر الصورة لحظات من الحزن والترقب لأب سوري يريد معرفة مصير ابنه المختفي (الجزيرة)

انتهاكات جسيمة

ودعت الشبكة إلى صون مراكز الاحتجاز السابقة التي كانت تحت سيطرة "قسد"، مثل سجني الشدادي والأقطان، باعتبارها مواقع محتملة لوقوع جرائم جسيمة، مع ضرورة منع العبث بالوثائق والسجلات والأدلة المادية التي قد تُستخدم مستقبلا في مسارات المساءلة الجنائية.

وحسب شهادات متطابقة، خرج بعض المعتقلين من هذه السجون بحالات صحية متدهورة، شملت فقدان الذاكرة أو ضعفا جسديا شديدا. ويرى مختصون أن ما جرى توثيقه في مناطق سيطرة "قسد" يمثل نمطا مركبا من الانتهاكات الجسيمة، يجمع بين الاعتقال التعسفي، و الاختفاء القسري، والتعذيب، وتجنيد القاصرين، وهي أفعال محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

إعلان

وقال الخبير الحقوقي أحمد قاهر للجزيرة نت، إن تجنيد الأطفال دون سن 18 عاما، ولا سيما الفتيات، يُعد جريمة جسيمة بموجب اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، ويترتب عليها التزام فوري بالإفراج عن المجندين القاصرين وإعادتهم إلى عائلاتهم وتأمين برامج إعادة تأهيل نفسية واجتماعية.

وأضاف أن استمرار إخفاء مصير المعتقلين والمجندين قسرا بعد تغيّر السيطرة، يثير مخاوف جدية من ضياع الأدلة، ويضع على عاتق السلطات الجديدة مسؤولية قانونية وأخلاقية في فتح هذه الملفات وضمان الوصول إلى السجلات ومراكز الاحتجاز.

في المقابل، نفت "قسد"، في بيان نشرته قنواتها الرسمية ونقلته وسائل إعلام في أكتوبر/تشرين الأول 2025، اتهامات بتجنيد شبان في الرقة، ووصفتها بأنها "ادعاءات كاذبة تماما وليس لها أساس من الصحة". وأوضحت أن ما حدث كان "إجراء أمنيا روتينيا للتحقق من الهويات الشخصية وضمان سلامة وثائق الهوية، بهدف الحفاظ على الاستقرار والأمن في المنطقة، وليس تجنيدا قسريا".

تطورات ميدانية

وفي دير الزور، نظم أهالي مختفين وقفات احتجاجية للمطالبة بكشف مصير أبنائهم الذين اعتُقلوا خلال فترة سيطرة "قسد" على مناطق كانت خاضعة لتنظيم الدولة الإسلامية. وأعلنت السلطات السورية الإفراج عن 126 قاصرا من سجن الأقطان، وسط روايات عن تعرضهم للتعذيب.

وتأتي هذه التطورات في ظل تغيّر ميداني وسياسي، بعد انسحاب "قسد" من بعض المناطق، واتهامات لها بمحاولة إطلاق سراح عناصر من التنظيم لإثارة الفوضى. وأعلنت وزارة الداخلية السورية أن "المرحلة المقبلة ستشهد الكشف عن خلايا إرهابية"، معتبرة أن "قسد" باتت "أداة من الماضي".

ويُصنّف الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي، وتطالب منظمات حقوقية دولية بالكشف الفوري عن مصير المختفين ومحاسبة المسؤولين. ومع انتقال السيطرة، يتزايد الضغط على الحكومة السورية لفتح مراكز الاحتجاز أمام لجان تحقيق مستقلة.

ويبقى ملف المختفين قسريا لدى "قسد" اختبارا حقيقيا لمرحلة ما بعد 2025، ومؤشرا على جدية أي مسار نحو العدالة والمصالحة، في وقت لا تزال فيه آلاف العائلات تنتظر معرفة الحقيقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا