آخر الأخبار

بين وطنين.. حكاية يهود إيران في لوس أنجلوس | الحرة

شارك

تحت أضواء بيفرلي هيلز اللامعة، قدتُ سيارتي متجهةً جنوبًا نحو سان دييغو في ولاية كاليفورنيا. رحلةٌ طالما حلمتُ بها، لكنني لم أتخيّل يومًا أن يكون دافعها لقاء رجلٍ يحمل في ملامحه حكاية هروب، وفي ذاكرته وطنًا لم يغادره أبداً. لم يكن مجرد “طريقٍ” سلكه الرجل بين دولتيْن، بل عبورًا بين عالميْن: إيران التي تركها قسرًا، والولايات المتحدة التي أعادت تشكيل هويته.

في أحد الشوارع الهادئة، يقع متجر مجوهرات يحمل اسمًا غير مألوف:Unicorn أي وحيد القرن. الاسم ليس تفصيلاً عابرًا، هكذا يشرح لي صاحب المتجر فريد ناصري، يهودي – إيراني هاجر إلى الولايات المتحدة في سن السادسة عشرة. “وحيد القرن رمز للنقاء والسحر والقوة”، يقول، قبل أن يبدأ بسرد قصة لا تزال جراحها مفتوحة رغم سنوات الاستقرار.

“نشأتُ في مدينة إيرانية كانت الأصولية الدينية متجذّرة فيها. كطفل يهودي، رحّب بي بعض المسلمين العلمانيين، لكن آخرين رفضوني فقط لأنني يهودي”، يضيف ناصري.

خلف صوته الهادئ تختبئ ذاكرة عنفٍ صامت. لم تكن الهجرة بحثًا عن حياةٍ أفضل، بل هروبًا من ضغطٍ نفسي واضطهادٍ يومي لاحق هويته في شوارع طهران.

بعد الثورة الإسلامية في أواخر السبعينيات، تغيّر كلّ شيء. “كانوا يعرفون أنني يهودي. تعرّضتُ للمضايقة والضرب منذ سنٍ صغيرة. أذكر يومًا شتويًا، نزَعوا غطاء الرأس الذي صنعته لي أمي، وضربوني حتى اصطدمتُ بالحائط. في تلك اللحظة، قررتُ الرحيل.”، يقول ناصري.

لم يكن القرار سهلًا: عائلة، منزل، ذاكرة… لكن الحرية، كما يؤكد، كانت أثمن من كلّ ذلك.

“تعود جذور يهود إيران إلى نحو 2700 عام، منذ المنفى البابلي، تركز وجودهم بداية في أصفهان، ثم انتشروا في مناطق أخرى، كما يوضح المؤرخ المتخصص في تاريخ اليهود الفرس لورنس ستارنفيلد، في مقابلة مع “الحرة”.

علاقتهم بالمجتمع الزرادشتي كانت متقلّبة، لكنها تحسّنت بعد الفتح الإسلامي، حين مُنحوا وضع “الأقلية الدينية المحمية”، لكن مع مرور الزمن، لم تكن التجربة اليهودية واحدة في كلّ إيران؛ فقد اختلفت ظروف اليهود باختلاف المناطق والعصور. لكنهم برزوا، رغم ذلك، كحراس للفنون واللغة والموسيقى الإيرانية.

وهم، كما يشير ستارنفيلد، الأقلية الدينية الوحيدة المعترف بها التي لا تنتمي إلى عرق غير فارسي. غير أن اعتماد التشيّع دينًا للدولة فرض قيودًا قانونية واجتماعية قلّصت من مكانة اليهود وسائر الأقليات، كما يوضح.

قبل ثورة 1979، بلغ عدد اليهود في إيران نحو 100 ألف. بعد الثورة، تراجع العدد إلى ما يقارب 23 ألفًا، يتركز أكثر من نصفهم في طهران، ونحو 10% في أصفهان، والبقية في مدن مثل شيراز وهمدان. ورغم تقلّص العدد، لا تزال الجالية تمتلك مدارس ومطاعم ومؤسسات دينية واجتماعية، لتبقى إيران، وللمفارقة، أكبر تجمع لليهود في الشرق الأوسط بعد إسرائيل.

لكن الحياة بعد الثورة تغيّرت جذريًا. بحسب ستاريفلد، مُنع اليهود من تولّي مناصب عليا في الدولة والجيش، وواجهوا قيودًا في التعليم والميراث وإدارة المدارس الخاصة، واضطروا إلى الفصل القسري بين هويتهم الدينية وإسرائيل، في ظل خطاب رسمي معادٍ للصهيونية انعكس مباشرة على حياتهم اليومية.

عندما بحثتُ عن حياة اليهود الإيرانيين في بيفرلي هيلز، وجدت أن الروائية جينا ناحاي تكاد تكون الصوت الأدبي الوحيد الذي وثّق هذه التجربة. هي نفسها هربت مع عائلتها من إيران بسبب ديانتهم اليهودية. في قلب مدينة بيفرلي هيلز التقيت بناحاي، في بيت يدل على هويتها ومستواها المعيشي الجيد، تخبرنا عما دفعها لكتابة رواياتها: “أردتُ تسجيل قصة اليهود الإيرانيين في الولايات المتحدة، خصوصًا في لوس أنجلوس. أربعون عامًا مرّت، وما حدث خلالها هو ما شكّل هويتنا الحقيقية”.

تضيف ناحاي: “أطفالنا الذين وُلدوا هنا ولم يروا إيران قط، لا يزال لديهم شعور قويّ بالهوية الإيرانية. يستمعون إلى الأغاني الفارسية القديمة، ويتحدثون الفارسية، ويعيشون الثقافة والطعام. ما كنا نخشى فقدانه بعد الثورة، بقي… بل تعزّز”.

قرار الهجرة لم يكن مخططًا له. “غادرنا منزلنا في طهران، وغرف نومنا وملابسنا بقيت هناك. ظننا أننا سنعود كلّ صيف. لكننا فقدنا كلّ شيء: صودرت أعمالنا ومنزلنا”، تؤكد ناحاي.

الخيبة، كما تقول، لم تكن دينية فقط، بل وطنية. “شعرتُ بخيانة كبيرة كإيرانية. النظام انقلب ضد اليهود، وفرض خطابًا معاديًا للسامية. العودة إلى طهران اليوم قد تعني اعتقالي أو قتلي، خاصة أن رواياتي تكشف تاريخ اضطهاد اليهود”.

في الأشهر الأولى بعد الثورة، أُعدم رجل الأعمال اليهودي البارز حبيب القانيان. لم يكن الحكم قضية فردية، بل رسالة سياسية واضحة. فهم اليهود الرسالة جيدًا: المكان الذي كان آمنًا لم يعد كذلك.

يستعيد فريد ناصري تلك المرحلة قائلًا: “عندما جاءت الجمهورية الإسلامية، إذا لم تكن مسلمًا شيعيًا، فأنت غير مرحّب بك. أُعدم وسُجن كثيرون لمجرد كونهم يهودًا”.

والده حوكم أولًا وهاجر، ثم استغرق إخراج والدته وأخته سنوات. “حتى اليوم، يُقدَّر عدد اليهود في إيران بين 8 و10 آلاف فقط، وهم تحت مراقبة دائمة.”.

مع مطلع الثمانينيات، استقبلت لوس أنجلوس أعداداً غير مسبوقة من الإيرانيين. استقر اليهود الإيرانيون في ويست وود، بيفرلي هيلز، وسانتا مونيكا. لم يكتفوا بالنجاة، بل أعادوا بناء نفوذهم الاقتصادي، ثم السياسي.

في بيفرلي هيلز، لم يعودوا أقليّة، بل الكتلة التصويتية الأكثر تأثيرًا. عام 2007، انتُخب جمشيد ديلشاد عمدةً للمدينة، كأول يهودي إيراني يتولّى هذا المنصب. لم تكن مجرد انتخابات، بل إعلان تحول: لاجئو الأمس أصبحوا حكّام واحدة من أغنى مدن العالم.

اليوم، تجسّد شارونا نازاريان هذا التحول. مهاجرة جاءت طفلة إلى الولايات المتحدة. لغتها الإنجليزية هي الثالثة، لكنها وصلت إلى رئاسة بلدية بيفرلي هيلز.

“تراثي منحني أساسًا قويًا. نحن نبحث عن مكان نشعر فيه بالانتماء. نحافظ على ثقافتنا ونندمج في المجتمع الأميركي في آنٍ واحد”، تشرح.

في لقائنا معها، كشفت نازريان كيف تحولت بيفرلي هيلز إلى معقل للقيم الفارسية، وكيف توازن في قيادتها بين هويتها كأميركية وولائها لجذورها التي لم تبرح ذاكرتها.

“أعتقد أن اليهود الإيرانيين والفارسيين وطنيون للغاية، وهم ممتنون جدًا للعيش في هذه الأمة العظيمة، وأنا كذلك. أنا مهاجرة، لكنني أحبّ العيش في هذا البلد الرائع. يحافظون على ثقافتهم من خلال قضاء الوقت مع عائلاتهم واحتفال السبت، حيث يجتمعون لتناول العشاء معًا. ربما ليس الجميع متدينًا، لكنهم يواصلون الحفاظ على القيم العائلية بينما يندمجون في المجتمع. من الرائع أن نتمكن من احترام الثقافتيْن والاحتفال بهما معًا”.

خلف النفوذ السياسي، يقف محرّكان أكثر عمقاً: الدين والثقافة. لم تكن المعابد مجرّد أماكن عبادة، بل حصونًا لحماية الهوية. يشرح الحاخام ديفيد وولب، المسؤول عن معبد سيناي في لوس أنجلوس كيف واجه اليهود في إيران “تمييزًا ثلاثيّا”: هم يهود، إيرانيون، وملونون.

“علاقتي بالجالية اليهودية الفارسية كانت وثيقة للغاية، وكانت تجربة تعلّم متبادل. أتذكر عندما جئت إلى سيناي، جاء إليّ رجل فارسي مسن ووضع يده على كتفي وقال: أيها الحاخام، أنت رجل لطيف جدًا، لكنك نشأت في فيلادلفيا”، مشيرًا إلى أن عالمنا مختلف تمامًا. كان هناك الكثير لنتعلمه عن بعضنا البعض”. يوضح وولب.

تكمن رمزية معبد سيناي الذي تأسس عام 1906، كأول كنيس يهودي محافظ في المنطقة، في أنه شكّل جسر العبور لليهود الفرس. لكن خلف أبواب المعبد لم يكن الانصهار سهلاً، بل كان مواجهةً بين تحفظ طهران وليبرالية الولايات المتحدة.

يروي الحاخام ديفيد وولب، كيف قاوم الجيل الأول الذوبان، قبل أن تكسر العقود والزيجات المختلطة ذلك. والنتيجة اليوم، هوية هجينة تتقن لغة السلطة والمال في كاليفورنيا، وتتمسك بلكنة الأجداد في الصلاة.

“واجه اليهود الإيرانيون الذين جاءوا إلى الولايات المتحدة ثلاثة أنواع من التمييز. أولًا، أيّ شخص قال إنه من إيران، خاصة خلال العشرين أو الثلاثين عامًا الماضية، كان يُنظر إليه تلقائيًا على أنه شخص سيئ. ثانيًا، لأنهم أشخاص ملوّنون، وهذا له تاريخ معقد في الولايات المتحدة. ثالثًا، لأنهم يهود”.

لاحقاً، تبدلت الأمور. يؤكد وولب: “إنه أمر رائع حقًا التفكير في مدى تأثير هذه الجالية الصغيرة على لوس أنجلوس، إنه أمر خارق للعادة. نحن محظوظون جدًا لأنهم أثروا الثقافة اليهودية، وثقافة لوس أنجلوس، والثقافة الأمريكية”.

في لوس أنجلوس، لا تُحفظ التقاليد في الكتب فقط، بل في المطبخ أيضاً. الطعام هو “المعبد المنزلي”. في مطاعم يهودية فارسية، يتحول تحضير “التاديغ” و”الغوندي” إلى فعل مقاومة ثقافية ضد الذوبان.

يقول هومان يادكاريم، صاحب مطعم كباب شهير في وسط المدينة: “الطعام هو ما يجمعنا. هو تمامًا مثل ما كانت تعدّه أمهاتنا وجداتنا”

أما الجيل الثالث، فيحمل هوية مزدوجة. يقول إلياس يادكاريم: “لدي هويتان: يهودية وفارسية. هو شدّ وجذب… لكنه مزيج محظوظ”. ويضيف: أمي من عائلة من شيراز. أود أن أرى شيراز. أبي من طهران، لكن والديه وعائلته الكبيرة من همدان. أود رؤية هذه المدن الكبيرة. أصفهان، سمعت أنها جميلة جدًا. هناك الكثير من الأماكن في إيران التي لا أعتقد أن الناس يعرفون عنها الكثير. الجميع يكرهها بسبب وسائل الإعلام والحرب”.

بينما تلمع أضواء بيفرلي هيلز، تُكتب حكاية أخرى في طهران وأصفهان وشيراز. هناك، بقيت أقلية يهودية اختارت البقاء، تعيش توازنًا قلقًا بين الانتماء والحذر.

من إيران إلى لوس أنجلوس، لم تكن الهجرة مجرّد انتقال جغرافي، بل إعادة تعريف للهوية. من منفى قسري، وُلد حضور سياسي وثقافيّ فاعل. ويبقى حلم العودة، معلقًا بين الذاكرة والواقع.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا دونالد ترامب أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا