تشهد فنزويلا انتشارا كثيفا لجماعات مسلحة متداخلة، في مشهد أمني شديد التعقيد يهدد أي مسار انتقالي محتمل، ويمثل في الوقت ذاته تحديا كبيرا لخطط الولايات المتحدة لإدارة البلاد أو جذب استثمارات أجنبية، ولا سيما في قطاعات الطاقة والتعدين.
واستعرض تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز في التعامل مع العصابات المسلحة من جهة، وضبط علاقتها بضباط الجيش في ظل الضغوط الأميركية، من جهة أخرى.
يرى مراسلو الصحيفة -جو دانيلز وأندريس شيباني وآنا براثون- أن رودريغيز لا تمتلك السلطة الكافية لفرض سيطرتها على الجماعات المسلحة في البلاد، مشيرين إلى أن هذه التشكيلات لا تخضع لها بشكل مباشر، وتعمل وفق مصالحها الخاصة.
ومن جهته، قال أندريه سربين بونت، المحلل العسكري ورئيس مركز أبحاث "كرايس" في بوينس آيرس، إن الجماعات المسلحة قادرة على تخريب أي عملية انتقال سلمي عبر زعزعة الاستقرار الأمني وخلق حالة فوضى عامة.
وسلّط التقرير الضوء على الفاعلين العسكريين في المشهد الفنزويلي، وفي مقدمتهم جماعات "الكوليكتيفوس"، التي تعود جذورها إلى عهد الرئيس الراحل هوغو شافيز.
وقد أُنشئت هذه الجماعات في البداية كوسيط محلي بين الدولة والمجتمع، لكنها تحولت تدريجيا إلى أداة قمع مسلحة بيد النظام. ويؤكد قادتها في تصريحات علنية أنهم "خط الدفاع الأول عن الثورة".
وفي محاولة لاحتواء التدهور الأمني، لجأت رودريغيز إلى نشر عناصر "الكوليكتيفوس" الذين أقاموا حواجز حول العاصمة كاراكاس، وأجروا عمليات تفتيش لهواتف المواطنين بحثا عن أي مؤشرات على التجسس، بحسب التقرير.
خارج المدن الكبرى، حيث تغيب السيطرة الحكومية الفعلية، تنتشر جماعات تمرد كولومبية على طول الحدود الممتدة لأكثر من 2200 كيلومتر مع كولومبيا. وتدير هذه الجماعات -بحسب التقرير- مناجم ذهب غير قانونية في جنوب البلاد قرب حزام أورينوكو النفطي.
ونقلت فايننشال تايمز تحذير خبراء من أن أي تحرك عسكري أميركي في جنوب فنزويلا سيواجه مقاومة عنيفة من جماعات مسلحة متمرّسة في المنطقة، مما يشكل خطرا كبيرا على الاستثمارات الأجنبية، خصوصا في النفط والتعدين.
ويبرز "جيش التحرير الوطني" في مقدمة هذه التنظيمات، وهو تنظيم ماركسي يضم ما بين 4 و6 آلاف مقاتل، ومصنف منظمة إرهابية في الولايات المتحدة. ويصفه محللون بأنه قوة عسكرية منظمة وذات خبرة، تعمل في فنزويلا كقوة شبه حليفة للنظام حتى الآن.
يبقى التحدي الأكبر أمام رودريغيز -بحسب الصحيفة- كسب ولاء أبرز المتشددين المناهضين للولايات المتحدة داخل الحكومة
وقال كارلوس أرتورو فيلانديا، القائد السابق في "جيش التحرير الوطني" والمحلل في شؤون النزاعات، إنه في حال حدوث انقسام داخل السلطة الفنزويلية، فإن التنظيم سيقف بجانب الجناح الراديكالي المناهض للإمبريالية، وفق التقرير.
إلى جانب المتمردين، أكدت فايننشال تايمزعصابات إجرامية محلية تُعرف بـ"السيستيمات" تنشط في المدن، وتربطها علاقات وثيقة مع سياسيين محليين ووطنيين.
ويتداخل هذا المشهد مع دور القوات المسلحة، التي يصفها محللون بأنها منقسمة وضعيفة ومتورطة بعمق في أنشطة غير مشروعة، من تهريب المخدرات إلى السيطرة على مناجم غير قانونية، وفق التقرير.
ويبقى التحدي الأكبر أمام رودريغيز -بحسب الصحيفة- كسب ولاء أبرز المتشددين المناهضين للولايات المتحدة داخل الحكومة، وعلى رأسهم وزير الداخلية ديوسدادو كابيلو، الذي يسيطر على الشرطة والميليشيات، ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو، الذي يسيطر على الجيش.
ووفق ما نقله التقرير عن فيل غنسون، محلل مجموعة الأزمات الدولية في كاراكاس، فإن رودريغيز تسير على "حبل مشدود"، إذ لا يمكنها إبرام أي تفاهم مع واشنطن دون موافقة من يسيطرون فعليا على السلاح، أي كابيلو وبادرينو.
ولفتت فايننشال تايمز إلى وجود انقسام سياسي حتى بين هذين القائدين، محذرا من أن أي تصدع حاد بين الجناحين المدني والعسكري قد يدفع فنزويلا نحو سيناريو فوضوي واسع النطاق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة