في ذروة تصعيد سياسي وعسكري متسارع، برز سؤالان في المشهد اليمني: ما سبب تراجع رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، عن السفر إلى الرياض في اللحظة الأخيرة؟ وما الذي جرى لوفد المجلس الذي وصل بالفعل إلى العاصمة السعودية للمشاركة في مشاورات تمهيدية لحوار جنوبي – جنوبي برعاية المملكة؟
كان من المتوقع أن يتوجه عيدروس الزبيدي بنفسه إلى الرياض على رأس وفد الانتقالي للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب. فبحسب التحالف ، تم إبلاغ الزبيدي رسميا يوم 4 يناير بضرورة الحضور إلى المملكة خلال 48 ساعة للقاء العليمي وقيادة التحالف ومناقشة أسباب التصعيد الأخير وهجوم قوات الانتقالي على حضرموت والمهرة.
ووافق الزبيدي مبدئيا على الحضور، إذ أبلغ الرياض في 6 يناير برغبته في المشاركة في المؤتمر، وعلى إثر ذلك توجّه وفد من قيادات الانتقالي إلى مطار عدن الدولي مساء 6 يناير استعدادا للمغادرة إلى الرياض على متن رحلة للخطوط اليمنية، حتى تم تأخير إقلاع الطائرة لأكثر من ثلاث ساعات لإتاحة فرصة انضمام الزبيدي إليها غير أن اللحظة الحاسمة شهدت تغيرا دراماتيكيا. فوفق رواية التحالف، لم يستقل عيدروس الزبيدي الطائرة مطلقا وغادر المطار في اللحظة الأخيرة بشكل مفاجئ.
أعلن المتحدث باسم التحالف تركي المالكي صباح 7 يناير أن الزبيدي “هرب إلى مكان غير معلوم”، بدل السفر إلى الرياض مما اعتُبر إخلالا بالتعهدات. وعلى الفور عقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعا طارئا برئاسة العليمي، أفضى إلى إسقاط عضوية الزبيدي من المجلس الرئاسي وإحالته للقضاء بتهمة الخيانة العظمى. ويعكس هذا القرار التصعيدي حجم القطيعة بين الزبيدي والحكومة المعترف بها، خاصة وأن الانتقالي شريك نظري في السلطة ضمن اتفاق الرياض سابقًا.
أما المجلس الانتقالي نفسه فسعى لتخفيف وقع غياب زعيمه؛ ففي إحاطة قدّمها عمرو البيض، الممثل الخاص لرئيس المجلس الانتقالي للشؤون الخارجية، صباح اليوم الأربعاء عبر اتصال مرئي مع وسائل الإعلام، أكد أن عيدروس الزبيدي موجود في عدن ويواصل الإشراف على الأوضاع الأمنية والعسكرية، نافيًا مزاعم فراره.
بحسب الإحاطة التي قدّمها البيض، فإن عدم سفر الزبيدي لم يكن تراجعا عن المشاركة بقدر ما كان قرارا سياسيا محسوبا.
أوضح البيض أن المجلس كان قد أرسل بالفعل وفدا “مفوّضا” للمشاركة، وأن الأجواء التي سبقت الدعوة لم تكن، وفق توصيفه، ملائمة لحوار طبيعي. وقال إن الرسائل التي وصلت للمجلس فُهمت على أنها ضاغطة، وتحمل معنى: “إما أن تأتي لتشارك أو ستتعرضون للتصعيد”، معتبرا أن مثل هذه الصيغة لا تهيئ بيئة تفاوضية متكافئة.
وفي ما يتعلق بالوفد، أكد البيض أن أعضاءه وصلوا إلى الرياض فجرا، قبل أن ينقطع التواصل معهم بالكامل لاحقا وعددهم أكثر من 50 عضوا يشمل وزراء ومسؤولين حكوميين. هذا الانقطاع وفق روايته عزّز لدى المجلس الشعور بأن الظرف غير ملائم لحوار “حقيقي”، لاسيما مع غياب أي قناة اتصال مباشرة تتيح التحقق مما يجري على الأرض.
وما زاد من حالة الغموض هو تداول “ منشور وحيد ” منسوب إلى محمد الغيثي، أحد أعضاء هيئة رئاسة المجلس الانتقالي، والذي وصل بمعية زملائه من عدن إلى الرياض. ومفاد هذا المنشور هو: “وصلت بمعية الزملاء من عدن إلى مدينة الرياض، وفي أجواء إيجابية سنبدأ سلسلة لقاءات للتهيئة لحوار جنوبي – جنوبي برعاية الأشقاء في المملكة العربية السعودية”. ومع ذلك، لم يتمكن المجلس من التحقق من صحة هذا المنشور، وفقاً لتصريح البيض، بسبب انعدام التواصل مع صاحبه.
أما تفاصيل ما حدث في المطار، فقال البيض إنها نُقلت عبر شهود كانوا على نفس الرحلة، تحدثوا عن نقل الوفد من الطائرة إلى حافلة ومغادرته، دون معرفة وجهته. لكنه شدد على أنه لا يجزم بمسألة مصادرة هواتفهم، لأن الشهود وفق قوله، لم يشاهدوها بشكل مباشر.
ومن خلال تواصلنا مع عائلة أحد أعضاء الوفد، أكدوا أنهم فقدوا التواصل معه فور وصوله إلى الرياض؛ إذ تمكّن من إرسال رسالة قصيرة عند الوصول، قبل أن ينقطع الاتصال لاحقا.
في المحصلة، يقول المجلس إنه يطالب حاليا بضمان سلامة الوفد، ويدعو إلى تحرك وضغط يضمن ذلك، مع التأكيد على استمرار الدعوة لخفض التصعيد وتهيئة ظروف حوار “حقيقية”. وبين تغريدة واحدة لا يمكن التحقق منها ورواية رسمية عن انقطاع الاتصال، يبقى مصير الفريق المفاوض وسياق تحركاته في الرياض سؤالًا مفتوحًا ينتظر توضيحا رسميا.
المصدر:
الحرة