آخر الأخبار

ربع قرن من الغضب المتكرر وسؤال المصير: ماذا يكشف تاريخ الاحتجاجات في إيران؟

شارك

تشهد إيران منذ أيام تصعيدا في الاحتجاجات على غلاء المعيشة، انطلقت شرارته الأولى من تجمعات وإضرابات في أسواق العاصمة طهران احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار، قبل أن تتوسع التحركات لتشمل جامعات وعددا من المدن الأخرى. وترافقت هذه الاحتجاجات مع مواجهات متفرقة بين متظاهرين وقوات الأمن، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، مع دخول التظاهرات يومها الخامس.

وتأتي هذه التطورات في ظل إجراءات أمنية واعتقالات، وتحذيرات رسمية من محاولات استغلال الاحتجاجات لأعمال عنف. وفي خطاب متلفز، حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من عواقب الفشل في معالجة أزمة سبل العيش، في وقت أعلنت فيه السلطات عطلة رسمية ممتدة، وسط تبريرات مرتبطة بالطقس وترشيد الطاقة.

مصدر الصورة متظاهرون يسيرون في وسط مدينة طهران، إيران، يوم الاثنين 29 ديسمبر/كانون الأول 2025. AP/AP

ويجري هذا التصعيد على خلفية تدهور اقتصادي حاد، شمل انهيارا متواصلا في قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم، ما أعاد إلى الواجهة موجات الغضب الشعبي التي عرفتها البلاد في محطات سابقة.

سياق تاريخي: الاحتجاج كظاهرة متكررة

لا يمكن فصل الاحتجاجات الجارية عن السياق الأوسع لتاريخ التحركات الشعبية في إيران ، إذ تأتي هذه الموجة في إطار نمط متكرر شهدته البلاد على مدى العقود الثلاثة الماضية. ففي كل مرة تتراكم فيها الضغوط الاقتصادية أو الاجتماعية، يعود الشارع الإيراني إلى الاحتجاج بأشكال ودوافع مختلفة، تتراوح بين مطالب معيشية مباشرة واعتراضات سياسية أوسع.

ومنذ أواخر التسعينات، شهدت إيران محطات احتجاجية مفصلية، بدأت بالاحتجاجات الطلابية عام 1999، ثم الحركة الخضراء عام 2009، مرورا بالاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية في 2017 و2018، واحتجاجات الوقود عام 2019، وصولا إلى احتجاجات عام 2022 التي اندلعت بعد وفاة الشابة مهسا أميني . ويُظهر هذا التسلسل أن التحركات الحالية ليست حدثا معزولا، بل امتداد لمسار احتجاجي طويل، وفي ما يلي أبرز المحطات التي شكّلت تاريخ الاحتجاجات الشعبية في إيران خلال العقود الثلاثة الماضية.

1999: بداية الاحتجاجات الحديثة

اندلعت احتجاجات طلابية واسعة في إيران في تموز/يوليو 1999 عقب إغلاق صحيفة إصلاحية، وتركزت شرارتها الأولى في السكن الجامعي لجامعة طهران. وسرعان ما توسعت التحركات مع انضمام آلاف الطلاب من جامعات أخرى، احتجاجا على اقتحام السكن الجامعي وحدوث اعتداءات خلال تلك الأحداث.

وخلال أيام، امتدت التظاهرات إلى وسط طهران ومدن أخرى، وشهدت اشتباكات وقطع طرق وإحراق مركبات، مع تصاعد غير مسبوق في الشعارات السياسية. وردت السلطات بإجراءات أمنية واسعة شملت استخدام القوة وتنفيذ اعتقالات، ما أدى إلى إنهاء الاحتجاجات بعد أيام، تبعها تشديد كبير على الإعلام الإصلاحي، في محطة اعتُبرت مفصلية في تاريخ الاحتجاجات الحديثة في إيران.

2007: الغضب المعيشي وتقنين الوقود

شهدت إيران في عام 2007 اضطرابات شعبية عقب قرار حكومي مفاجئ بتقنين الوقود للمركبات الخاصة. وأدى القرار إلى احتجاجات في عدد من المدن، تخللتها أعمال تخريب وإحراق محطات وقود، إضافة إلى ازدحام واسع أمام المحطات.

وبرزت في تلك المرحلة انتقادات داخلية لطريقة اتخاذ القرار وتوقيته، مقابل آراء رأت في التقنين خطوة مرتبطة بإدارة استهلاك الطاقة، لكنها اعتبرت أن سوء التنفيذ وغياب التواصل أسهما في تفجر الاضطرابات. كما وُجهت ملاحظات إلى أداء الإعلام الرسمي الذي لم يعكس حجم التحركات بشكل كامل.

مصدر الصورة احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في شارع انقلاب في طهران، إيران، يوم الأحد 27 ديسمبر/كانون الأول 2009. STR/AP2009

2009: الانتخابات والحركة الخضراء

في عام 2009، شهدت إيران موجة احتجاجات واسعة عقب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية التي أعيد فيها انتخاب محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية. وانطلقت التحركات من طهران قبل أن تشمل مدنا أخرى، وتحولت سريعا إلى حراك شعبي واسع عُرف باسم "الحركة الخضراء".

شارك في الاحتجاجات مئات آلاف الإيرانيين مطالبين بعدم الاعتراف بنتائج الانتخابات، فيما ردت السلطات بإجراءات أمنية شملت توقيف شخصيات إصلاحية وناشطين. وبالتوازي، نُظمت تظاهرات مؤيدة للنظام عُرفت بأحداث "30 ديسمبر"، وبعدها استعادت السلطات السيطرة على الشارع، منهية واحدة من أبرز المحطات السياسية الاحتجاجية في تاريخ "الجمهورية الإسلامية".

مصدر الصورة في هذه الصورة التي التقطها أحد المواطنين يوم الأحد 28 يونيو/حزيران 2009، يظهر علي رضا بهشتي، وهو مساعد مقرب من مير حسين موسوي ، يتحدث خلال تجمع في مسجد الغوبة بطهران. Anonymous/AP2009

2017: عودة الاحتجاج الاجتماعي الواسع

شهدت إيران في أواخر عام 2017 احتجاجات شعبية ذات طابع اجتماعي واقتصادي، انطلقت من مدينة مشهد قبل أن تشمل طهران ومحافظات أخرى. وجاءت هذه التحركات في سياق تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار والبطالة.

ورفع المتظاهرون مطالب اقتصادية وانتقادات مباشرة للسياسات الحكومية، فيما شهدت بعض المناطق اضطرابات وأعمال تخريب واحتكاكات مع القوى الأمنية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. واعتبرت السلطات التحركات غير قانونية، وربط مراقبون هذه الاحتجاجات بأزمات مالية وانهيار مؤسسات إقراض غير قانونية.

وخلال تلك الفترة، أعلنت السلطات تقييد الوصول إلى بعض منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة بررتها بمحاولة الحد من استخدام هذه الوسائل في التحريض على التظاهر.

2018: أزمة المياه تتحول إلى احتجاج

في عام 2018، انتقل الغضب الشعبي إلى ملف أكثر تخصصا مع اندلاع احتجاجات في مناطق زراعية عدة على خلفية تفاقم أزمة المياه والجفاف. وخرج مزارعون للاحتجاج على فقدانهم مصادر المياه، متهمين مسؤولين محليين بتحويل المياه إلى مناطق أخرى مقابل رشاوى.

وترافقت هذه التحركات مع اتهامات بسوء إدارة الموارد المائية، ما حول أزمة المياه إلى قضية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية. وواجهت السلطات الاحتجاجات بإجراءات أمنية وتعهدات بإصلاحات، في ظل ضغوط بيئية واقتصادية متزايدة.

2019: صدمة الوقود والاضطرابات الواسعة

اندلعت احتجاجات واسعة في عام 2019 عقب قرار حكومي برفع أسعار الوقود وفرض نظام تقنين جديد للبنزين. وسرعان ما تحولت التحركات إلى اضطرابات في عدد من المدن، شملت أعمال تخريب ومحاولات استهداف منشآت نفطية.

ولم تعلن السلطات حصيلة نهائية للضحايا، في حين تحدثت منظمات حقوقية ومصادر غير رسمية عن أعداد مرتفعة من القتلى. ومع انتشار أمني واسع، جرى احتواء الاحتجاجات خلال أيام، في واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ الاحتجاجات المعاصرة في إيران.

2021: شح المياه مجددا

شهد عام 2021 احتجاجات جديدة على خلفية شح المياه، أبرزها في مدينة أصفهان، حيث تجمع آلاف المزارعين مطالبين بإعادة تدفق نهر زاينده رود. وقدمت الحكومة اعتذارات وتعهدات بمعالجة الأزمة، بينما أرجعت السلطات نقص المياه إلى الجفاف غير المسبوق، في حين أشار منتقدون إلى سوء الإدارة.

وفي الفترة نفسها، سُجلت تحركات محدودة في العاصمة طهران على خلفية انقطاعات التيار الكهربائي، رافقتها شعارات انتقادية للأداء الحكومي.

2022: عام التحول الكبير

شكّل عام 2022 نقطة تحول في مسار الاحتجاجات، مع تداخل المطالب المعيشية مع حراك اجتماعي وسياسي أوسع. فإلى جانب احتجاجات المياه وارتفاع أسعار المواد الغذائية، اندلعت في أيلول/سبتمبر موجة احتجاجات غير مسبوقة عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق.

مصدر الصورة إيرانيون يحتجون على مقتل الشابة مهسا أميني، البالغة من العمر 22 عامًا، بعد اعتقالها من قبل شرطة الآداب، في طهران، 1 أكتوبر/تشرين الأول 2022. AP/Copyright 2022 The AP. All rights reserved.

واتسمت هذه الاحتجاجات باتساع رقعتها الجغرافية وارتفاع سقف الشعارات لتشمل قضايا الحريات وشكل النظام السياسي. ولم تُنشر حصيلة رسمية نهائية للضحايا، لكن منظمات حقوقية تحدثت عن أعداد مرتفعة، فيما تراجعت حدة الاحتجاجات لاحقا بفعل الانتشار الأمني، مع استمرار آثارها السياسية والاجتماعية.

وفي مرحلة ما بعد الاحتجاجات، لوحظ استمرار مظاهر تحدي قانون إلزامية الحجاب في طهران ومدن كبرى أخرى، حيث ظهرت نساء في أماكن عامة من دون تغطية الرأس، في سلوك عكس تحولات اجتماعية رافقت أحداث هذا العام من دون أن يتخذ طابعا احتجاجيا منظما.

احتجاجات قطاعية ومناطقية متواصلة

إلى جانب المحطات الكبرى، شهدت إيران خلال السنوات الماضية تحركات احتجاجية متكررة ذات طابع قطاعي ومناطقي، شملت إضرابات واعتصامات لعمال في قطاعات صناعية ونفطية، إضافة إلى احتجاجات لمعلمي المدارس وموظفي القطاع العام، على خلفية الأجور، العقود، وتأخر الرواتب. كما سُجلت تحركات في مناطق طرفية، لا سيما في خوزستان وبلوشستان، ارتبطت بقضايا التهميش، الخدمات، والأوضاع المعيشية.

خلاصة المسار الاحتجاجي

يُظهر هذا التسلسل أن احتجاجات إيران الحالية ليست استثناء، بل امتداد لمسار احتجاجي طويل شهدته البلاد خلال العقود الماضية، حيث تكررت التحركات الشعبية بأشكال ودوافع مختلفة مع تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وفي كل مرحلة، اتخذت هذه الاحتجاجات طابعا خاصا من حيث حجمها وانتشارها ونتائجها، التي جاءت متفاوتة من مرحلة إلى أخرى تبعا للظروف المحيطة والسياق الداخلي في حينه.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا