آخر الأخبار

من سوريا إلى لبنان.. الموت أقرب من النجاة | الحرة

شارك

في ليلة عاصفة، لم يكن العبور من سوريا إلى لبنان اختياراً، بل انزلاقاً قسرياً نحو المجهول. “النهر الكبير الجنوبي” في ريف حمص الغربي، الفاصل بين البلدين، كان يفيض بالمياه العكرة والسيول الجارفة، فيما حوّل المطر ضفافه إلى طين لزج يلتهم الأقدام. في هذه الظروف، لم يكن التراجع خياراً، تقول “أم حسن”: “قال لنا المهرّب اعبروا… فلا طريق سواه”.

“أم حسن”، اللاجئة السورية في لبنان منذ 2015، عادت إلى حلب في زيارة عائلية قصيرة. ورغم دخولها الأراضي السورية بطريقة شرعية، اضطرت إلى الرجوع إلى لبنان بطريقة غير شرعية، وذلك لعدم امتلاكها الأوراق اللازمة للعودة القانونية.

تروي “أم حسن” لموقع “الحرة” تفاصيل الرحلة المرعبة: “تواصلت مع مهرب تعرفه العائلة منذ سنوات. طلب مني الانتقال مع ولديّ إلى حمص، حيث تبدأ المرحلة الأصعب من الرحلة”.

في منزل موحش انتظرت مع ولديها وتسعة آخرين حلول الليل. لا تدفئة، ولا أسئلة، فقط صمت يثقل القلوب. ومع اشتداد المطر، ظنّ البعض أن الرحلة ستتأجل، لكن التحضيرات للعبور تسارعت تحت الغطاء الليلي.

نُقلوا على دراجات نارية في برد قارس، قبل أن يُنزَلوا قرب النهر الكبير، حيث المياه العكرة والسيول تتجاوز مستوى الركبتين حينها. تقول “أم حسن”: “لم تكن مياه النهر عادية، بل سيولاً تأخذ كلّ ما يعترض طريقها”.

“خطوة واحدة كانت كافية كي يفهم الجميع أن السقوط لا يعني البلل، بل الغرق. الأطفال يبكون، والنساء تتشبث بالفراغ، والخوف يسبق الصراخ”، تقول، وتضيف: “من يسقط يحتاج إلى يدين، لا إلى يد واحدة، لعلّه يتمكن من النهوض”.

تمكّنت “أم حسن” وولديها من دخول لبنان، لكن الأحداث أخذت منحى مأساوياً بعد يومين من نجاتهم، إذ انتشر، ليل السبت الماضي، خبر غرق عدد من السوريين أثناء محاولتهم عبور النهر.

كشفت الحادثة الكارثية أن دوافع الهجرة لم تنتهِ مع سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، لتسلط الضوء على معاناة السوريين على جانبي الحدود، سواء في لبنان أو في سوريا، وسط ظروف قاسية تضغط عليهم وتدفعهم نحو طرق محفوفة بالمخاطر.

مخاطر تتجاوز النهر

لم يكن عبور النهر الكبير نهاية الخوف بالنسبة لأم حسن، فبعد الوصول إلى الضفة اللبنانية، سارت ومن معها بصمت عبر أرض مظلمة، إلى أن وصلوا إلى حظيرة للغنم، بلا أبواب ولا جدران مكتملة. تقول “أم حسن” انه كان عليهم الانتظار هناك حتى قدوم المهرّب الآخر. تضيف: “سمعنا صوت دورية للأمن اللبناني، فبقينا قرابة ربع ساعة لا نكاد نتنفس”.

لاحقاً، أقلّتهم سيارة باتجاه وادي خالد، ومنها إلى بيروت، حيث انتهت الرحلة جغرافياً، لكنها لم تنتهِ نفسياً. دفعت “أم حسن” 140 دولاراً عنها وعن ولديها، ثمناً لعبور لا يمكن قياس كلفته الحقيقية بالمال، بل بما تركه من خوف عالق في الذاكرة.

“شعور انعدام الأمان يطغى على شرائح واسعة من السوريين سواء في لبنان أو في سوريا”، كما يوضح رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان، مشيراً إلى أن هذا الإحساس “غالباً ما يستند إلى تجارب شخصية، وقد لا يكون دقيقاً دائماً، إلا أنه يعكس واقعاً عاماً من عدم الاستقرار لهؤلاء في البلدين”.

وفيما يتصل بحادثة اجتياز النهر يوم السبت الماضي، ينفي الأسمر في حديث لموقع “الحرة” بشكل قاطع أيّ دور للأجهزة اللبنانية في إجبار السوريين على العبور، خلافاً لما روّجت له بعض المواقع الإلكترونية. ويوضح أنهم “كانوا يسعون للدخول من سوريا إلى لبنان عبر مهربين، وفق إفادات الناجين”، لافتاً إلى أن المهربين أنفسهم “حذّروا، وفق بعض الشهود، من عبور النهر في ذلك اليوم، إلا أن هذه التحذيرات لم يلتزم بها بعض الأشخاص، ما أدى إلى وقوع الكارثة”.

من جهته، أكد الجيش اللبناني في بيان أنه يسهّل “العودة الطوعية للسوريين إلى الأراضي السورية عن طريق المعابر الحدودية الشرعية، بما يراعي سلامتهم”، وأنه “يتم التأكد من وصولهم إلى الجانب السوري بأمان، بالتنسيق مع السلطات السورية المختصة”.

خيار قسري؟

تنشط عصابات تهريب البشر على الحدود اللبنانية – السورية منذ سنوات الحرب السورية، مستفيدة من الفوضى الأمنية التي سادت خلال مرحلة حكم نظام الأسد. ورغم الجهود المبذولة من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية والسورية للحدّ من نشاطها، ما زالت هذه العصابات تجد في الواقع الحدودي الهش بيئة ملائمة للاستمرار، مستغلة حاجة الفارّين وصعوبة ضبط المعابر غير الشرعية.

وعند سؤالها عن سبب عودتها إلى لبنان وعدم البقاء في وطنها، أجابت “أم حسن” بلا تردد: “الوضع سيء جداً، منطقتنا في حلب مدمّرة، منزلي مهدّم، لا كهرباء ولا مياه ولا تدفئة ولا عمل”.

وتستعيد “أم حسن” تفاصيل أيامها هناك، قائلة إنها أمضت 22 يوماً في منزل شقيقتها، ولم تتمكن من الاستحمام سوى مرتين لعدم توفر الماء. تضيف: “كلّ الكلام عن أن الوضع في سوريا تحسّن غير صحيح. يبقى الوضع هنا أرحم من بلدنا”.

ويشير رئيس رابطة الشباب السوري في لبنان، الشيخ عبد الناصر العسلي، إلى أن القوانين اللبنانية والسورية “تعقّد حركة الدخول والخروج بين البلدين”، لافتاً في حديث لموقع “الحرة” إلى أن النساء والأطفال هم الأكثر تعرضاً للمخاطر، “خاصة أولئك الذين يرتبطون بأزواج أو آباء لا يستطيعون العودة، ويحتاجون لتثبيت أوضاعهم القانونية والمدرسية”.

مسار رسمي.. ولكن

في 16 يونيو الماضي، تبنى مجلس الوزراء اللبناني خطة “لعودة آمنة ومستدامة” للاجئين السوريين، تشمل شطب أسماء العائدين من سجلات مفوضية شؤون اللاجئين والأمن العام اللبناني مما يفقدهم الصفة التي كانت لهم في السنين الماضية.

وأكد المفوض السامي للأمم المتحدة فيليبو غراندي ، خلال زيارة لبنان في يونيو الماضي، دعم المفوضية لخطة الحكومة اللبنانية، مشدداً على الحاجة إلى مساعدة المجتمع الدولي. بدوره، شدد الرئيس اللبناني جوزاف عون على أهمية تنظيم العودة بدعم دولي بعد زوال أسباب النزوح.

ومنذ البدء بتطبيق الخطة وحتى 15 ديسمبر، عاد “380 ألف نازح”، بحسب ما أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، لافتة إلى شطب أسمائهم نهائياً من قاعدة بيانات المفوضية، مضيفة في منشور على “ إكس ” إن نحو 74 ألفاً آخرين عبّروا عن رغبتهم في العودة قبل نهاية العام.

يُذكر أنّ لبنان استضاف منذ اندلاع الحرب السورية نحو 1.5 مليون لاجئ سوري، من بينهم قرابة 950 ألفاً سجّلوا أسماءهم لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كما ذكرت الأمم المتحدة ، ومع تعداد سكاني يُقدّر بنحو ستة ملايين نسمة، يعدّ لبنان أنه يستضيف أكبر عدد من اللاجئين لكل فرد في العالم.

مدير البرنامج القانوني في مركز سيدار، المحامي محمد صبلوح، يؤكد أن التحولات السياسية في سوريا بعد سقوط الأسد أسقطت عملياً صفة “اللجوء السياسي” عن السوريين، مشيراً إلى أن لبنان “لم يعترف بهذه الصفة أصلاً، بل صنّفهم نازحين تهرّباً من الالتزامات الدولية”.

رغم ذلك، يؤكد صبلوح لموقع “الحرة” أن العودة يجب أن تكون “طوعية وآمنة وكريمة”، منتقداً السلطات اللبنانية لدفعها اللاجئين “للعودة قسراً عبر غرامات مالية لانتهاء إقامتهم وشروط تعجيزية لمنحها، مع حالات لسحبها واستبدالها ببطاقات ترحيل”.

ويلفت إلى أن الحملات العنصرية ضد السوريين في لبنان “تراجعت إعلامياً وسياسياً لكنها لم تنتهِ على الأرض”، وأن جزءاً كبيراً من مخاوف اللاجئين يعود إلى العامل الأمني المتمثل “بوجود فلول للنظام السابق في لبنان وإمكانية زعزعتهم للاستقرار”، معتبراً أن ملاحقة هؤلاء تعتبر “عاملاً مطمئناً للاجئين وداعماً لاستقرار سوريا”.

تداعيات مميتة

ينقسم السوريون في لبنان إلى فئتين رئيسيتين: “اللاجئون الفارّون من الحرب وظلم النظام السابق، ومن كانوا موجودين قبل الحرب ولهم أعمال وروابط اجتماعية ومصاهرة مع اللبنانيين”، كما يقول العسلي.

يضيف: إن سقوط النظام سمح لعدد كبير بالعودة، “خصوصاً من ما زالت منازلهم قائمة، فيما بقي آخرون مؤقتاً بانتظار مشاريع إعادة الإعمار أو لتمكين أبنائهم من متابعة دراستهم في لبنان”، ويشدّد على أن العودة “ليست مرفوضة، إلا من قبل فلول النظام السابق المتورّطة بالدماء أو المواقف العدائية ضد وطنهم”.

وفي حين كان لبنان يترقب انطلاق عودة واسعة للاجئين عقب سقوط نظام الأسد، فوجئ بتدفق موجة جديدة من السوريين إلى أراضيه، دخل عدد كبير منهم بعد الأحداث الدامية التي شهدها الساحل السوري في مارس الماضي.

وفيما يتعلق بالسوريين الذين يدخلون لبنان بطرق غير شرعية، يشدد صبلوح على “مسؤولية الدولة اللبنانية في مراقبة الحدود بالتنسيق مع الجانب السوري”، مؤكداً ضرورة فتح مسارات قانونية وآمنة، ومحذراً من المخاطر الجسيمة التي تهدد حياتهم وأطفالهم، لا سيما عند عبور النهر أو المرور في مناطق تنتشر فيها الألغام.

وفي السياق، تختم “أم حسن” شهادتها، محذّرة من سلوك طرق العبور غير الشرعية، مؤكدة أن المخاطرة كبيرة جداً، وأن “الموت على هذا الطريق أقرب من النجاة”.

تحفيز.. وتصويب

مددت الحكومة اللبنانية التعميم الخاص بتقديم تسهيلات إضافية للاجئين السوريين والفلسطينيين القادمين من سوريا والراغبين في مغادرة لبنان عبر المعابر البرية الرسمية، حتى 31 مارس 2026، بحسب ما أعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ، يوم الاثنين الماضي.

ويشمل البرنامج نقلاً منظّماً تحت إشراف المفوضية والمنظمة الدولية للهجرة، إضافة إلى منحة نقدية لمرة واحدة بقيمة 100 دولار أميركي لكلّ فرد من أفراد العائلة العائدة.

وفي تعليق له، يشدد الأسمر على أن المحفّز الأساسي لعودة السوريين هو وضعهم في وطنهم، متحدثاً عن “غياب خطة جدّية من الحكومة السورية لتحفيز عودتهم من دول الانتشار”، وما يرافق ذلك “من مخاوف متزايدة لدى العائدين المحتملين من المجهول، ولا سيما لدى من فقدوا منازلهم، إضافة إلى تعقيدات تتصل بالتعليم وفرص العمل”.

وفي هذا السياق، يؤكد الأسمر ضرورة بلورة خطة مشتركة بين لبنان وسوريا لتحفيز العودة الآمنة والمنظمة، تقوم على تسهيل العبور عبر المعابر الرسمية، مشدداً على أن الجلوس إلى طاولة واحدة “يبقى الخيار الأفضل اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً للدولتين”.

ومن جهته، يرى العسلي أن خيار العودة “مرتبط بتسريع إعادة إعمار سوريا وتفعيل القرارات الدولية التي تتيح لها الانفتاح الحر على اقتصادها وثرواتها، مع وقف الضربات الإسرائيلية التي هجرت الكثير من الناس في درعا والقنيطرة وريف دمشق”.

أما صبلوح فيعتبر أن “غياب الضمانات الأمنية والسياسية في سوريا يشكّل عائقاً أساسياً أمام عودة أعداد كبيرة من اللاجئين، رغم تشكيل وزارة الخارجية السورية لجنة تهدف إلى تحفيزهم للعودة، مع منح الأولوية للاجئي لبنان، واستعداد عدد من الدول العربية لتقديم مساعدات لإنجاح هذا المسار”.

ويشير صبلوح إلى أن هذا الملف “لا يزال معقداً، إذ يجمع بين الأبعاد الإنسانية والأمنية والقانونية”، مؤكداً أن “رفع العقوبات الدولية وإطلاق مسار إعادة الإعمار يشكلان عاملين حاسمين لتسريع عملية العودة”.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا