في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- يعتقد مراقبون ومحللون أن اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي دولة مستقلة، والتطورات في اليمن وما أثارته من توتر إقليمي، سيكون لها تداعيات على السودان، ويُحذرون من تنافس إقليمي وصراع نفوذ على أرضه مما يطيل الأزمة ويُعقّد الأوضاع في البلاد.
وأعاد إعلان الاعتراف المتبادل، يوم 26 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بين إسرائيل وإقليم "أرض الصومال" الساعي للانفصال عن الصومال منذ أكثر من 3 عقود، تسليط الضوء على التحولات الجارية في الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه منطقة القرن الأفريقي، حيث يعد موقع السودان الجيوسياسي مؤثرا في المنطقة.
وشكّلت منطقة القرن الأفريقي أحد ميادين ما عُرفت في الأدبيات الإسرائيلية بـ"سياسة شدّ الأطراف"، التي استهدفت تطويق العالم العربي عبر اختراق بيئته الإقليمية، وإضعاف دوله، ودعم الأقليات، وتأجيج الصراعات الداخلية.
وبشأن الأزمة في جنوب اليمن ومحافظاته الشرقية التي عكست تقاطعات إقليمية تتجاوز حدود الدولة، فإنها -حسب مراقبين- قد تجر المحاور الإقليمية المتنافسة إلى داخل السودان، مما يُضعف فرص الوصول إلى تسوية لأزمته المستمرة منذ نحو 32 شهرا، ويجعل مسار السلام مرتبطا بتجاذبات خارجية.
وتُحذّر تقارير من ملامح سيناريو في السودان مشابه لما يجري في اليمن مثل كيان الحكومة الموازية التي يرأسها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو " حميدتي" في إقليم دارفور، التي صارت تُغازل إسرائيل وتزعم منصات سودانية أن مسؤولا رفيعا في تلك الحكومة سيزور تل أبيب قريبا.
ويقول إبراهيم الميرغني، القيادي في تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" الذي يقوده الدعم السريع، إن "حكومة أرض الصومال" التي لم تنل اعترافا دوليا خلال العقود الثلاثة الماضية حققت نجاحات لشعبها وكانت واحة للاستقرار في ساحة الفوضى.
وتعليقا على اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، يضيف الميرغني عبر منشور في منصة فيسبوك أن قصة أرض الصومال ليست مجرد نجاح محلي، بل إنها درس عميق لكل الشعوب التي تسعى لبناء مستقبلها وسط الدمار من شعب اختار الاعتماد على نفسه، وأجرى مصالحات داخلية، وبنى مؤسسات فعالة.
ويضيف "أثبت أن الحرية والتنمية ممكنتان معا عندما توجد إرادة جماعية صادقة، فليس من الضروري دائما انتظار موافقة الآخرين للبدء في العيش بكرامة وحرية".
ويعتقد الباحث والكاتب في الشؤون الأفريقية، عباس محمد صالح، أن الوضع في السودان وثيق الصلة بما حدث بـ"أرض الصومال"، وهو نظام إقليمي جديد قيد التشكل، لإعادة رسم خرائط وموازين القوة وبناء التحالفات لتفكيك الدول بغرض إعادة تشكيلها بما يتماشى مع أهداف النظام الجديد.
ويوضح صالح للجزيرة نت أن ما يجري في السودان لم تقتصر تداعياته على حدود البلاد وإنما محيطه الإقليمي الأكبر، وهو ما يهدد مصالح قوى وأطراف عدة، لذا أخذت الشُقة تتباعد حتى بين أطراف إقليمية كانت مواقفها قبل أشهر فقط تتطابق بشأن الصراع في السودان كما بين أعضاء المجموعة الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات) التي طرحت خطة للسلام في السودان.
ويُرجح صالح إعادة إنتاج سيناريو "أرض الصومال" في حالة السودان واليمن في ضوء وجود مقدمات لذلك، مثل إعلان حكومة حميدتي في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع وحلفاؤها، ومحاولات إعلان كيان انفصالي تحت مسمى جمهورية جنوب اليمن، فكلا الكيانين سيكون منخرطا بقوة في لعبة التطبيع والاعتراف المتبادل مع الاحتلال الإسرائيلي.
أما الكاتب والمحلل السياسي عثمان ميرغني، فيرى أن السودان يرغب في تراجع القوى التي تساند الدعم السريع، لأن ذلك يفتح بابا واسعا لإنهاء الأزمة في البلاد سلما أو حربا، ويعتقد السودانيون أن فتح جبهة أخرى تنشغل بها تلك القوى قد يحقق ذلك الأمل.
ويضيف الكاتب للجزيرة نت "لكن ذلك ليس صحيحا بالضرورة، بل ربما تزداد الأوضاع في السودان تعقيدا، فكلما اتسعت دوائر المواجهات في الإقليم، زاد الاستقطاب والحاجة الماسة للأطراف العربية إلى نقل الصراعات إلى مسارح بعيدة توفر لها أكبر دائرة أمان".
ويرى أن السودان سيتحول إلى ملعب كبير للإرادات الدولية والإقليمية، وهي مرحلة لن تجدي فيها الحلول الداخلية السودانية، ولو اتفقت عليها كل القوى السودانية، وأن أفضل سياسة يمكن اتباعها هي الحرص على إطفاء النيران من حولنا، خاصة في القرن الأفريقي و البحر الأحمر، مهما كان مصدرها وأسبابها.
من جهته، يفيد الكاتب إبراهيم الشقلاوي بأن الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ويعمّق المخاطر على السودان، ويجعله أكثر عرضة للضغط الخارجي، ويضعه في قلب لعبة النفوذ الإقليمي من دول تبحث عن استثمار الفراغ لتحقيق مكاسب إستراتيجية.
ويقول الشقلاوي للجزيرة نت إن السودان أمام مفترق طرق، فقوته الداخلية، ووعي نخبته، وقدرة الجيش على الصمود، هي التي ستحدد موقعه في القرن الأفريقي، وأي جبهة جديدة أو تدخل خارجي سيُقرأ وفق قدرة الخرطوم على إدارة تحالفاتها وحماية سيادتها.
وعن ارتباط ما يجري في الصومال واليمن بالسودان، يرى الكاتب المهتم بالقرن الأفريقي، عمار العركي، أن هذه التطورات لها صلة بأزمة السودان، ويعكس أن ما يُدار في الإقليم ليس أزمات منفصلة، بل هو مسار واحد متعدد الواجهات، وأن قبول سابقة واحدة في أي بلد سرعان ما يتحول إلى نموذج قابل للاستنساخ في بلدان أخرى.
ويقول العركي للجزيرة نت إن الصومال واليمن يعانيان من تجربة مريرة، ويدركان أن تفكيك الدولة يبدأ بخطوة صغيرة، غالبا ما تُقدَّم بوصفها حلا مؤقتا أو ترتيبا أمنيا، ثم تتحول لاحقا إلى واقع مفروض.
وحسب الكاتب فإن السودان، بما يُمثّله من ثقل جغرافي وأمني وسياسي، كان دائما بمنزلة نقطة توازن بين العمق الأفريقي والامتداد العربي والبحر الأحمر، وما جرى في الخرطوم لم يبقَ داخل حدودها، بل تداعت ارتداداته سريعا على كامل الإقليم.
وباعتقاده يصبح الربط بين "الخرطوم، و حضرموت، وأرض الصومال" ربطا منطقيا لا تعسفيا، فهذه الجغرافيا، رغم تباعدها الظاهري، تشكل خط تماس واحدا مع مشروع أكبر يستهدف إعادة رسم خرائط النفوذ، والتحكم في الموانئ، والممرات البحرية، والموارد، وفرض وقائع جديدة على البحر الأحمر بوصفه شريانا دوليا لا يُراد له أن يبقى في يد دُوله.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة