ظل الاتحاد العام التونسي للشغل أبرز الفاعلين في المشهد السياسي والاجتماعي في تونس منذ تأسيسه عام 1946. ولم يقتصر دوره على الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال فحسب، بل لعب أدواراً وطنية حاسمة، من مقاومة الاستعمار الفرنسي إلى الوساطة في أزمات الانتقال الديمقراطي بعد الثورة. وفي المقابل، لم يخلُ تاريخ الاتحاد من مواجهات وصدامات مع السلطة في مختلف مراحل الدولة التونسية.
هذا الإرث عاد إلى الواجهة مؤخرًا مع الرئيس التونسي قيس سعيّد، الذي أعاد منذ 25 يوليو/تموز 2021 رسم قواعد الحياة السياسية عبر إجراءات استثنائية منحته صلاحيات واسعة وأقصت خصومه. وهكذا برزت ملامح أزمة جديدة بين رأس السلطة وأكبر منظمة نقابية في تونس.
تجمع النقابيون في مسيرة يوم الخميس 21 أغسطس/آب أمام مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، وسط إجراءات أمنية مشددة في العاصمة تونس. ولوّح الاتحاد بالاضراب العام ووقف المفاوضات مع الحكومة إذا استمر ما قال إنه اعتداء على مقره من قبل أنصار الرئيس التونسي.
ودعا المحتجون إلى حماية الحقوق النقابية وضرورة فتح السلطة باب الحوار.
يأتي ذلك في وقت قرر الرئيس قيس سعيد إنهاء التفرغ النقابي في القطاع العام.
التفرغ النقابي يعني تفرغ قيادات الاتحاد لمهامهم النقابية، وعدم مباشرتهم وظائفهم الحكومية، مع الإبقاء على رواتبهم الشهرية.
واعتبرت الحكومة التونسية في بيان، التفرغ "مخالفة واضحة تفضي إلى إسناد امتيازات مالية لغير مستحقيها وتتسبب في إضافة أعباء على ميزانيات الهياكل العمومية".
وطالبت بـ"اتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية اللاّزمة، في حال عدم احترام المتفرغين لأحكام هذا المنشور".
بينما يصر النقابيون في تونس على أن الحق النقابي يضمنه الدستور والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها الدولة.
ويقول الناطق باسم الاتحاد سامي الطاهري إن "إلغاء التفرغ النقابي يهدف إلى إشعال فتيل الحرب على الحق النقابي". كما يندرج قرار سعيّد، وفق الطاهري، "في سياق سياسي يؤكد أن السلطة الحاكمة ماضية في التضييق على الحق النقابي".
واشتعل فتيل الأزمة مذ تظاهرت مجموعة من الأشخاص أمام مقر اتحاد الشغل يوم 9 أغسطس/ آب، غداة تصريحات لسعيّد عبّر فيها عن غضبه من إضراب لمدة ثلاثة أيام في قطاع النقل نفذه الاتحاد. ورفع المتظاهرون حينها شعارات مناهضة للاتحاد واتهموا قياداته "بالفساد" وطالبوا برحيلها.
وقال سعيّد بعد الحادثة عبر صفحة رئاسة الجمهورية التونسية على فيسبوك إن "قوات الأمن حمت مقر الاتحاد العام التونسي للشغل" وإنه "لم تكن في نية المحتجين لا الاقتحام ولا الاعتداء". لكن الرئيس التونسي شدد على أن "هناك ملفات يجب أن تفتح لأن الشعب يطالب بالمحاسبة"، حسب قوله.
وكان رد أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي في افتتاح اجتماع استثنائي للمنظمة بمقرها في العاصمة تونس أن الاتحاد لا يسعى للتصادم "لكن من يستهدفنا نقول له نحن جاهزون للدفاع عن العمال"، بحسب الطبوبي.
في خضم هذا الجدل، يتحدث البعض عن "احتقان شعبي ضد الاتحاد" كما يقول محمود بن مبروك رئيس حزب المسار الموالي للرئيس التونسي. ويرى بن مبروك أن "الشعب قد ملّ من الاضرابات خلال العشرية السوداء" وأن "الاحتقان زاد بعد إضراب في قطاع النقل مؤخراً إذ رأى فيه الناس تعطيلاً لمصالحهم". وبحسب بن مبروك فإن "رفض السلطة إشراك الاتحاد في العمل السياسي هو ما جعله يثير مثل هذه المسائل". ودعا بن مبروك اتحاد الشغل إلى "أن يعالج هذه الأزمة عن طريق تشبيب هياكله عبر إجراء انتخابات قانونية" متهما إياه بـ"الحياد عن دوره التاريخي".
وكان الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي خلال اجتماع الهيئة الإدارية قد أقر بوجود "خلافات داخلية" واصفاً إياها "بالظاهرة الصحية" وقال إنه يمكن حسمها "بالآليات الديمقراطية".
حاز الاتحاد العام التونسي للشغل، مع منظمات أخرى، على جائزة نوبل للسلام عام 2015، تقديراً لدوره في الحوار الوطني وفي ما يعرف بمرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس خلال السنوات التي تلت ثورة 2011.
لكن دور الاتحاد في فترة قيس سعيد استمر في التقلص خاصة وقد استأثر الرئيس بالقرار السياسي في البلاد. فيقول البعض في المجتمع المدني في تونس إن الرئيس ألغى بعد امتلاكه جميع السلطات أي مجال للتفاوض مع أي طرف كان.
واشتد الصراع بين قيس سعيّد والاتحاد بعد شهرين من احتكار سعيّد للسلطات منتصف عام 2021. رغم أن الاتحاد كان قد ساند سعيّد بداية عندما علق عمل البرلمان الذي كان يرأسه آنذاك رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وحل الحكومة وأقر إجراءات اعتبرها المعارضون له مؤشراً على انزلاق خطير نحو حكم فردي مطلق ووأداً للمشهد الديمقراطي في البلاد.
لكن سرعان ما غيّر الاتحاد موقفه بسبب ما اعتبره "إبعاد الرئيس لأي سياسة تشاركية ".
وواجهت مواقف الاتحاد من الرئيس انتقادات ترى أن المنظمة "لم تحسن قراءة اللحظة".
وقال الأمين العام المساعد للاتحاد سامي الطاهري لبي بي سي إن ما دفع الاتحاد للاحتجاج الآن هو التضييق على العمل النقابي و"الاعتداء على المنظمة" إلى جانب إغلاق السلطة باب التفاوض والحوار الذي يرى الطاهري أنه ضروري في هذه المرحلة التي يمر بها عمال تونس وهم "في أسوء أوضاعهم الاجتماعية بسبب غلاء المعيشة التي لم تشهد له البلاد مثيلا"، على حد تعبيره.
وشدد الطاهري على أن النقابيين "سيكونون صفاً واحداً من أجل الدفاع عن منظمتهم مهما كانت اختلافاتهم".
ويؤكد الصحفي والمحلل السياسي صبري الزغيدي في حديثه لبي بي سي أن "العمل النقابي يتعرض للتضييق" مستدلاً على ذلك بما قال إنها "عمليات عزل وطرد وإيقاف عن العمل طالت عاملين في قطاعات مختلفة، إضافة إلى اعتقالات وملاحقات قضائية تطال النقابيين".
وعن التصعيد بين الاتحاد والسلطة، يرى الزغيدي أن "الاتحاد اعتبر إلغاء جلسات الحوار مع السلطة في ما يخص النزاعات الشغلية، إصراراً على خوض معركة كسر العظام، وحصراً للاتحاد في مربعات ضيقة".
ويرى نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، بسام خواجا، أنه "بعد أن كثّفت السلطات هجماتها ضد الأحزاب السياسية والجمعيات، يبدو أن النقابات العمالية، وهي واحدة من آخر أعمدة الديمقراطية في تونس، أصبحت الآن هدفاً للسلطات،".
واعتبر خواجا أن "التهديدات المبطنة من الرئيس التونسي ضد المركزية النقابية تشكل انتهاكاً جديداً للمؤسسات التي يسعى سعيّد إلى تفكيكها"، وفق تعبيره.
ويرفض الرئيس التونسي الحوار منذ إقراره الإجراءات الاستثنائية، التي وصفها معارضوه بأنها "تكريس لحكم فردي" بينما يصر سعيّد على أنها إجراءات "ضرورية وقانونية" لإنقاذ الدولة من "انهيار شامل".
يضم الاتحاد العام التونسي للشغل 700 ألف عضو على الأقل، ما قد يسبب خسائر كبيرة إذا نفذ تهديده بالإضراب العام، "إذا تواصلت الاعتداءات عليه"، في وقت تواجه البلاد صعوبات اقتصادية، إذ وصل عجز الميزان التجاري فيها عام 2024 إلى نسبة 10.8 في المائة.