آخر الأخبار

مسلسلات رمضان 2025: كيف تسعى مصر للحفاظ على "الذوق العام"؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

مصدر الصورة

موسم رمضان لهذا العام في مصر كان حافلاً، لكنه مختلف. تصاعد الجدل فيه على خلفية مسلسلات رأى البعض أنها ابتعدت عن "الضوابط المجتمعية".

دفع هذا الجدل الدولة إلى التدخل؛ فأٌعلن عن تشكيل لجان جديدة وعن مؤتمر مرتقب لإعادة تقييم مسار الدراما المصرية.

لم يُوضّح أي مسؤول ما المقصود بالـ"ذوق العام" - مما فتح باب التفسيرات المختلفة.

كما فتح الباب أمام الخوف من ممارسة المزيد من الرقابة على الأعمال الفنية.

السيسي: "خائف على الذوق العام"

مصدر الصورة

كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول من فجّر هذا النقاش، خلال إفطار رمضاني نظمته القوات المسلحة، حيث دعا القنوات التلفزيونية ومنتجي الدراما إلى تقديم أعمال تتسم بالـ"جدية والالتزام"، مشيراً إلى ضرورة الابتعاد عن المحتوى الذي وصفه بـ"الغم والهزل".

وجّه حديثه إلى صناع الدراما مطالباً بالبحث عن الأعمال التي تحقق فائدة للمجتمع، مؤكداً أهمية تقديم محتوى إيجابي يساهم في "بناء القيم"، دون التوسّع في شرح هذه القيم.

لاحقاً، وأمام جمهور "لقاء المرأة المصرية والأم المثالية"، استعرض الرئيس تحولات المشهد الدرامي في البلاد، قائلاً إن الدراما المصرية كانت صناعة مدعومة من الدولة، تتحرك وفق أهداف مجتمعية وضعها متخصصون في الإعلام وعلم النفس والاجتماع، لتلعب دوراً في صياغة الوعي العام.

ومع تغير الظروف، أوضح السيسي أن هذه الصناعة فقدت تدريجياً هذا البُعد الثقافي، وأصبحت أقرب إلى سلعة تجارية تستهدف الربح في المقام الأول. وأعرب عن قلقه من هذا التحول، قائلاً إن "الذوق العام" أصبح عرضة لتأثيرات سلبية.

حتى أن الرئيس السيسي ساوى بين دور الدراما، ودور مؤسسات المجتمع الأخرى مثل المسجد والكنيسة والمدرسة والجامعة والأسرة.

ما الذي أزعج الناس؟

وبعد توجيهات الرئيس المصري، أعلن رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، تحركاً فورياً، كاشفاً عن تشكيل "مجموعة عمل متخصصة لصياغة رؤية واضحة للمستقبل تساهم في تعزيز الرسائل الإيجابية للإعلام والمسرح المصري تجاه الفرد والمجتمع".

ستجمع المجموعة الجديدة "كل الجهات المعنية بالإعلام والدراما في مصر"، بما في ذلك وزارة الثقافة، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، إلى جانب مجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية، وشركات إنتاج مستقلة أخرى.

علماً أن المتحدة للخدمات الإعلامية أو "يونايتد ميديا" تعد الذراع الإعلامية الأكبر في البلاد، حيث تشرف على إنتاج وتوزيع غالبية الأعمال الدرامية والسينمائية المعروضة على القنوات المصرية.

ومن المعروف أن المجموعة تملك محفظة من القنوات الفضائية والمنصات الرقمية المؤثرة، وتلعب دوراً مركزياً في تشكيل الخريطة الدرامية الرمضانية.

إلى جانب هذه المؤسسات، أشار مدبولي إلى إشراك "نخبة من الخبراء المتميزين" في صياغة التوصيات التي ستصدر عن اللجنة الجديدة.

لم تحدد الجهات الرسميّة مسلسلات بعينها، لكن اتفق كثير من الإعلاميين والنقاد على تسمية عدد منها.

فمثلاً، تعتقد الناقدة ماجدة خيرالله، أن أربعة مسلسلات هي التي كانت وراء كل هذه الأزمة: "إش إش"، "العتاولة 2"، "فهد البطل"، و"سيد الناس".

وتقول في مقابلة مع بي بي سي عربي: "لم أعد أشاهد هذه المسلسلات، في البداية أعطيت كل منها فرصة متابعة لخمس حلقات، لكنني شعرت بأن مشاهدتها مضيعة للوقت".

الأمر الذي وجدته الناقدة المعروفة مزعجاً كان مشاهد الصراخ الدائم؛ إذ ترى أن هذا الأمر "غير منطقي ولا يحصل في الحياة العادية".

تقول خيرالله إن رفض مثل هذه المشاهد المبالغ فيها، لم يبدأ من النقاد، بل من الجمهور نفسه: "الناس هي من أثارت هذه الأزمة، وليست الصحافة أو النقاد. الكثافة في تقديم هذا النوع من الأعمال هي ما جعلت الأمر غير محتمل".

وانزعجت كثيراً من ربط مسلسلات الأحياء الشعبية بالـ"بلطجة والشرشحة".

ففي حين اختارت بعض المسلسلات تقديم مشاهد الحارات الشعبية من خلال ضجيج صاخب، وشتائم متكررة، وانفعالات مبالغ فيها، أثبتت أعمال أخرى أن الحي الشعبي لا يعني بالضرورة الفوضى.

تُشيد خيرالله، على وجه الخصوص، بمسلسل "أولاد الشمس"، الذي - برأيها - "قدّم دراما هادئة ومنطقية"، وأعطى فرصة ظهور نجمين شابين هما أحمد مالك وطه الدسوقي.

كما أشادت بمسلسل "80 باكو"، الذي عرض حالات إنسانية لبطلات العمل "دون أن يسقط في فخ الضجيج أو العنف (غير المنطقي)".

وترى خيرالله أن ما يُميّز هذه الأعمال هو احترامها لعقل المشاهد، وانطلاقها من أساسات فنية متينة، موضحة: "العمل الفني لابد أن يُبنى على كتابة راقية، وعلى مخرج واعٍ يفهم من هو جمهوره المستهدف. في النهاية، الدراما تدخل بيوت الناس، ويجب أن تحترم هذا الأمر".

رغم تصاعد موجة النقد التي رافقت موسم رمضان الدرامي هذا العام، لا ينكر عضو لجنة الدراما في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، زين العابدين شبلي، في مقابلته مع بي بي سي عربي، وجود أعمال تستحق الثناء.

من أبرزها "جودر 2"، الذي قدّم معالجة معاصرة لعوالم "ألف ليلة وليلة" بأسلوب بصري حديث وجاذب، ومسلسل "ولاد الشمس" الذي تعمّق في قضايا الأيتام وانتهاكات دور الرعاية، إلى جانب "قلبي ومفتاحه" الذي تناول موضوعي الطلاق التعسفي والزواج المشروط، و"ظلم المصطبة" الذي غاص في معاناة الريف المصري، وصولاً إلى "قهوة المحطة" الذي سلّط الضوء على أحلام شباب الصعيد في بلوغ الشهرة والنجاح.

لكنّ شبلي يرى أن تأثير بعض الأعمال، التي اتُّهمت بالإسفاف والعنف اللفظي، طغت على هذه التجارب الإيجابية.

مشهد تنظيمي مربك

مصدر الصورة

مع تصاعد الجدل الرسمي حول مضامين الأعمال الدرامية في مصر، دخلت ثلاث لجان مختلفة على خط المشهد، لكل منها تبعيتها المؤسسية ومهامها الخاصة، ما أطلق نقاشاً واسعاً حول طبيعة هذه الكيانات وحدود تدخلها.

أحدث هذه اللجان جاءت بتكليف مباشر من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وتعمل تحت مظلة رئاسة مجلس الوزراء. اللجنة وُصفت بأنها "مجموعة عمل متخصصة لصياغة رؤية واضحة للمستقبل"، هدفها وضع تصور شامل لدور الدراما في تعزيز القيم المجتمعية، بمشاركة جهات حكومية وإعلامية وإنتاجية، أبرزها وزارة الثقافة، المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الهيئة الوطنية للإعلام، والمجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية، إلى جانب عدد من شركات الإنتاج الخاصة وخبراء مستقلين.

سألنا المكتب الإعلامي في وزارة الثقافة المصرية عن هذه اللجنة فأوضح أنه لا تشكيل رسمي بعد لها، ولا شيء في جعبتهم للحديث عنه بعد حول هذه اللجنة غير ما ورد على لسان رئيس الحكومة.

في المسار ذاته، أعاد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تفعيل لجنة الدراما التابعة له، وأسند رئاستها للناقدة ماجدة موريس. هذه اللجنة تُعنى برصد ومتابعة الأعمال الدرامية بعد عرضها، مع ضبط الأداء المهني وفق السياسات المعتمدة من المجلس، وتقديم توصيات إلى صناع القرار دون التدخل في عملية الإنتاج أو منح التصاريح المسبقة.

أما المجلس القومي لحقوق الإنسان، فواصل العمل عبر لجنة درامية مستقلة يرأسها الناقد طارق الشناوي، تتابع الإنتاج الدرامي من زاوية حقوقية وثقافية، مركزة على صورة الإنسان في الدراما المصرية والقضايا المرتبطة بالكرامة الإنسانية.

هذا التداخل بين اللجان أثار تساؤلات حول طبيعة التنسيق بينها، خاصة في ظل اختلاف المهام والمرجعيات. وفي مقابلة مع بي بي سي عربي، أوضح زين العابدين شبلي، عضو لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن اللجنة التي ينتمي إليها "تلتزم بمهام محددة تشمل رصد ومتابعة الأعمال بعد العرض، وضبط الأداء المهني وفقاً للتعليمات الصادرة عن المجلس، مع رفع توصيات إلى صناع القرار"، مؤكداً أن اللجنة ليست جهة رقابية سابقة على الإنتاج أو التصوير.

وفي مقابل هذه اللجنة ذات الطابع التنظيمي، يرى شبلي أن اللجنة المشكلة من قبل رئيس الوزراء تمثل جهة تخطيط أوسع نطاقاً، تعمل على رسم ملامح مستقبلية لصناعة الدراما المصرية. ويشير إلى أن لجاناً أخرى، كالمجلس القومي لحقوق الإنسان والهيئة الوطنية للإعلام، تتناول المشهد الدرامي من زوايا مهنية وثقافية وحقوقية متنوعة.

ويعلّق شبلي على المشهد بالقول إن "وجود لجان متعددة ليس بالأمر المستجد في مصر"، لكنه يعترف بأن "تزامن هذه المبادرات قد يربك المشهد لدى المتابعين". رغم ذلك، يضيف أن "وجود منصات نقاش متعددة قد يكون مفيداً، شريطة ألا تؤدي إلى تضييق على حرية الإبداع".

الرقابة: ما هو "المقبول"؟

الرقابة على الدراما في مصر لا تقتصر على اللجان المشكلة حديثاً. فالأعمال الفنية تمر عبر جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، وهو جهاز حكومي مخوّل بمنح الموافقات على ما يُعرض من مسلسلات وأفلام.

يشرح شبلي أن نظام الرقابة يمر بمرحلتين: الأولى تتعلق بمراجعة النصوص قبل التصوير، والثانية تتم بعد الانتهاء من التصوير والمونتاج. لكنه يلفت إلى أن هذا النظام "لم يُطبق بالشكل الأمثل هذا العام"، مشيراً إلى وجود فجوات في المتابعة والتقييم.

أما ما يُعد مقبولاً أو غير مقبول في الدراما، فهو برأيه أمر نسبي، يعكس تعدد القيم داخل المجتمع المصري، حيث تختلف المعايير بين بيئة وأخرى. لكنه يشير إلى وجود "خطوط حمراء يتفق عليها الجميع، مثل رفض العنف والتحريض والكراهية وازدراء الأديان".

ويضيف أن اللجنة التي ينتمي إليها تؤدي دورها بعد العرض، من خلال تقديم تقارير وتوصيات، لا تقتصر على الانتقاد، بل قد تتضمن إشادة بأعمال جيدة أيضاً. ويوضح أن الهدف ليس الحذف أو المنع، بل المساهمة في تحسين الأداء المهني ومراعاة المعايير دون المساس بحرية الإبداع.

"لا إبداع بقرارات مكتبية"

مصدر الصورة

في ملامح هذه الرؤية المرتقبة، شدد مدبولي على أن الهدف "هو تطوير رؤية علمية وموضوعية للدراما المصرية"، مؤكداً أن هذا التوجه الجديد "لن يحدّ بأي شكل من الأشكال من الإبداع وحرية الفكر"، بل يستهدف الوصول إلى "دراما تعكس الواقع المصري، وتعكس الهوية الثقافية للمجتمع المصري، وتعلي من الشعور بالانتماء الوطني".

دون شرح أو توضيح المقصود بالهوية الثقافيّة، وكأن الدولة تفترض أن هذه الهوية واضحة في عقول المصريين.

من جهة أخرى، يقف طارق الشناوي، رئيس لجنة الدراما بالمجلس القومي لحقوق الإنسان، على الضفة المقابلة لهذا الحراك، متخذاً موقفاً ناقداً لتكرار فكرة اللجان كحل تنظيمي.

فمن وجهة نظره، ليست اللجان إلا امتداداً لمحاولات سابقة أثبتت فشلها في الارتقاء بجودة المحتوى، مشيراً إلى تجربة "الكود الأخلاقي" التي حاول المجلس الأعلى للإعلام فرضها قبل سنوات، لكنها قوبلت برفض واسع، حتى من رموز كبيرة كعادل إمام.

"الإبداع لا يُصنع في الغرف المغلقة أو عبر التوصيات الإدارية"، يقول الشناوي، مؤكداً أن الدراما لا تنمو إلا في مناخ يسمح بطرح قضايا المجتمع بشجاعة ودون خوف.

في الموسم الرمضاني الحالي، يرى الشناوي بارقة أمل في بعض الأعمال التي كسرت التابوهات وطرحت قضايا شائكة، مثل مسلسل "لام شمسية" الذي اقتحم ملف التحرش بالأطفال بجرأة.

هو لا يبحث عن دراما موجهة، بل عن إنتاجات راقية وجاذبة تلقى قبولاً شعبياً دون أن تكون مضطرة للتنازل عن قيمها، مؤكداً: "العملة الجيدة تطرد الرديئة"، وأن دعم الأعمال الجيدة هو السبيل الحقيقي نحو صناعة متوازنة ومؤثرة.

هذا الرأي يلاقي صدى لدى الناقدة ماجدة خيرالله، التي ترى أن تعدد اللجان وتضخمها ليس سوى طبقة إضافية من الوصاية على الفن والجمهور على حدّ سواء.

تقول بصراحة: "أنا ضد هذه المقاربة، الجمهور قال كلمته. لسنا بحاجة إلى مزيد من الوصاية. لدينا نحو 30 مسلسلاً هذا الموسم تقدم أداء رائعاً. لو كنت مواطناً عادياً ووجدت مسلسلاً مزعجاً، ببساطة أتركه وأشاهد عملاً جيداً. مشاهدة المسلسل الرديء هي ترويج له".

وترى خيرالله أن الخلل لا يعالج بتقارير مكتبية، بل بدعم الكتابة الراقية وفهم الجمهور: "المسألة لا تُحل بوضع لجان. هناك لجان وافقت أصلاً على هذه الأعمال، وهناك رقابة ومنصات اشترتها بعد أن شاهدتها. هذه اللجان أصبحت وصاية على حرية الإبداع. نحن نطالب بالمزيد من الإبداع، ولا إبداع يُنتَج في أجواء مخنوقة".

بين هذين الموقفين، تنتظر الأوساط الفنية والثقافية ما سيحمله مؤتمر "مستقبل الدراما في مصر"، محاولة لرسم ملامح الدور القادم للدراما المصرية، في ظل معركة مفتوحة بين من يتمسكون بالحرية كشرط أولي للإبداع، وآخرين يطالبون بإعادة صياغة الذوق العام عبر بوابات التنظيم والرقابة.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا