في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
وتأتي هذه القمة في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة الدول الأوروبية على تعويض الغياب الأميركي المتصاعد، خصوصاً بعد ما اعتُبر تقارباً نسبياً بين واشنطن و موسكو، وابتعاداً تدريجياً للولايات المتحدة عن الانخراط المباشر في الملف الأوكراني.
فرنسا تسعى للقيادة الأوروبية وتعزيز الدور العسكري
الباحث في الفلسفة السياسية، رامي خليفة العلي، قال في تصريحاته لـ"سكاي نيوز عربية" إن "الجانب الفرنسي يريد أن يكون لأوروبا دور محوري، إن لم يكن على طاولة المفاوضات، فعلى الأقل في الضمانات الأمنية التي يتم الحديث عنها في حال الوصول إلى اتفاق سلام".
وأشار العلي إلى أن باريس تأمل في بناء رؤية أوروبية موحدة تجاه الملف الأوكراني، وتوفير دعم عسكري ملموس، ليس فقط خلال الحرب، بل في مرحلة ما بعد الاتفاق المحتمل، مشددا على أن فرنسا أعلنت عن تقديم دعم مالي يقدر بملياري دولار لكييف.
وبحسب العلي، فإن "النقاش بات يتركز على إنشاء قوة أوروبية ليست تحت مسمى قوات حفظ السلام – الذي ترفضه روسيا – بل كقوة لطمأنة الجانب الأوكراني بأن هناك دعما فعليا له في حال تعرض لأي تهديد من موسكو".
لكن الباحث السياسي يرى أن "قدرة أوروبا على تعويض الدعم الأميركي بشكل كامل مستبعدة للغاية"، موضحا أن القارة العجوز "لا تملك الإرادة السياسية ولا الجاهزية العسكرية لفرض شروطها على روسيا أو الدخول في مواجهة مباشرة معها".
روسيا ترى القمة خطوة نحو التصعيد لا نحو الحل
من جانبه، وصف الكاتب والباحث السياسي الروسي، يفغيني سيدروف، القمة بأنها "خطوة أخرى نحو التصعيد من منظور موسكو"، مضيفاً أن "روسيا سترفض كل المحاولات الأوروبية لتقوية التواجد العسكري الأجنبي في أوكرانيا، سواء تحت مسمى قوات حفظ السلام أو غيرها".
وفي حديثه لـ"سكاي نيوز عربية"، أوضح سيدروف أن "كل هذه التسميات لا تغير من حقيقة أن موسكو تعتبر أي تواجد عسكري أجنبي في أوكرانيا تهديداً مباشراً وغير مقبول"، مشيراً إلى أن "المشكلة لا تتعلق بالتسمية بل بالجوهر".
وأضاف أن "الدول الأوروبية، رغم خطاباتها الحماسية، تدرك تماما أن أي قوة أوروبية على الأرض الأوكرانية لن تكون فاعلة دون غطاء أميركي، وهو ما لا يبدو متوفراً في الوقت الراهن".
الانقسام الأوروبي الداخلي يعقد المشهد
ويرى سيدروف أن "الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي يجعل موقفه ضعيفاً أمام كل من موسكو وواشنطن"، مشيراً إلى أن "فرنسا التي تقود الدعوات لدعم أوكرانيا، تعاني من مشاكل اقتصادية حادة، أبرزها الدين العام الذي يبلغ نحو 300 مليار دولار"، متسائلاً: "كيف يمكنها زيادة المساعدات العسكرية وسط رفض شعبي متصاعد؟".
كما لفت إلى أن "هناك دولاً داخل الاتحاد الأوروبي مثل هنغاريا وسلوفاكيا لا ترغب بالانخراط في مشروع عسكري واسع لدعم أوكرانيا، مما يضعف الجبهة الأوروبية ويمنعها من اتخاذ مواقف موحدة".
أوروبا بين الطموح والدور المحدود في المفاوضات
من جهة أخرى، أشار العلي إلى أن "الإجابة عن مستقبل الحل في أوكرانيا لا تزال عملياً بيد واشنطن"، موضحاً أن الولايات المتحدة "هي من تملك مفاتيح الضغط والتفاوض مع روسيا"، مضيفاً أن أوروبا تحاول فقط أن "تكون على الطاولة وأن تقنع الولايات المتحدة بمنحها دوراً أثناء الاتفاق أو بعده".
وأكد العلي أنه "لا يوجد حتى الآن إجماع أوروبي حقيقي لبناء استقلالية دفاعية، وما زال مشروع الاستقلال العسكري الأوروبي يعاني من تعثر واضح، كما حصل مؤخراً مع رفض مشروع فون دير لاين من قبل دول كفرنسا وإسبانيا".
ورغم ذلك، شدد على أن "معظم الدول الأوروبية ترى أن انتصار روسيا في أوكرانيا سيكون تهديداً مباشراً لأمن القارة، ما يدفعها لمحاولة بناء قوة أوروبية قادرة على التواجد في أي اتفاق مستقبلي".
بين الرؤية الأميركية والقلق الأوروبي
وحول الموقف الأميركي، يرى العلي أن "واشنطن تبدو أقرب إلى الرؤية الروسية منها إلى الرؤية الأوروبية، وهو ما يزيد من تعقيد مهمة الأوروبيين"، مشيراً إلى أن "أوروبا تحاول إقناع الولايات المتحدة بدورها المستقبلي، لكن من المستبعد أن تفرض شروطها على طاولة المفاوضات".
من جهته، اختتم سيدروف بالتأكيد على أن "الناس في أوروبا لا يرون روسيا كخطر مباشر، ولا يعتقدون أن هناك تهديدا حقيقيا قادما من موسكو"، لافتاً إلى أن "العلاقات الثقافية والتاريخية بين روسيا ودول مثل فرنسا وإيطاليا تعزز هذا الانطباع الشعبي، وهو ما يصعب تسويق أي مشروع عسكري أوروبي واسع النطاق".
وبين هذا وذاك، يبدو أن قمة باريس كشفت عن طموحات أوروبية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه أبرزت حدود قدرة أوروبا على لعب دور مستقل، في ظل غياب الإجماع الداخلي، وتراجع الغطاء الأميركي، ورفض روسي واضح لأي وجود عسكري غربي في أوكرانيا.