كولومبو- يحرص تشاثورا غانيجودا الذي ينتمي إلى خلفية بوذية، وزوجته وطفلهما على استكشاف أطعمة جديدة، وهو فضول يشترك فيه العديد من السريلانكيين، وعندما صادفوا إعلانا عن فعالية ثقافية تُقدَّم فيها تشكيلة من الأطعمة التي يُحضّرها المسلمون حصريا في كولومبو قرروا حضورها.
تعد فعالية "سلام رمضان" التي حضرتها عائلة غانيجودا، المرة الأولى التي تشهد فيها سريلانكا حدثا يُسلّط الضوء على فنون ومأكولات وثقافة الإسلام والمسلمين في البلاد.
وكما فعلت عائلة غانيجودا، حضر العديد من السريلانكيين من مختلف الخلفيات الدينية الفعالية لاكتشاف تاريخ المسلمين السريلانكيين ودينهم وثقافتهم ومأكولاتهم، وحضرت معهم الجزيرة نت أيضا للتعرّف أكثر على الحدث.
تتمتع سريلانكا بموقع إستراتيجي في المحيط الهندي، ويقطنها مسلمون يشكلون حوالي 10% من إجمالي السكان، أي نحو 2.2 مليون نسمة من أصل 22 مليونا، وينقسم المسلمون إلى 4 مجموعات عرقية، أكثرهم المور الذين يشكّلون نحو 90%، يليهم الملايو، والميمون، والبهرة الداوودية.
ووفقا لرئيس فريق تنظيم فعالية "سلام رمضان" رزان نظير، ونائبه أمان أشرف، فإن هذا الحدث يتماشى مع رؤية رئيس سريلانكا أنورا كومارا ديساناياكي ، لتعزيز التعايش من خلال الاحتفاء بالتنوع الثقافي.
وأوضحا للجزيرة نت، أن الرئيس أعرب لوالي المحافظة الغربية حنيف يوسف، عن أهمية تنظيم فعالية تُبرز التنوع الثقافي للمسلمين، وأكد نظير على أهمية هذه المبادرة والدعم الكبير الذي حظيت به من غير المسلمين.
وفي حديثه للجزيرة نت، صرّح نظير أن "رئيس سريلانكا أراد إقامة هذا الحدث لتعزيز التآخي بين جميع الطوائف، حيث يُقيم البوذيون والمسيحيون مثل هذه الفعاليات خلال عيد فيساك و عيد الميلاد ، لكننا لم يكن لدينا حدث مماثل، لذلك، وفي غضون أسابيع قليلة، قمنا بتنظيمه، وشهدنا حضورا كبيرا من غير المسلمين الذين أتوا لاستكشافه".
من جانبه، أكّد أشرف على الجهد الجماعي للجماعات العرقية المسلمة الأربع في سريلانكا لإنجاح الفعالية، وأشار إلى أن هذه المجموعات كانت تُقيم في السابق احتفالات ثقافية منفصلة، لكن هذه هي المرة الأولى التي تجتمع فيها بحدث مشترك، مما يعكس وحدة المجتمع الإسلامي.
لطالما جذبت سريلانكا التجار العرب في عصور قبل الإسلام وبعد ظهورها، فقد كان العرب ينجذبون إلى شواطئها بفضل ثراء الجزيرة بالتوابل والأحجار الكريمة.
ومع استقرار التجار العرب وزواجهم من نساء محليات، نشأ مجتمع مسلم متميز، يُعرف عرقيا باسم "المور"، ومع مرور الوقت، ازدادت هذه الفئة الإسلامية تنوعا بفضل هجرة الملايو من الأرخبيل الإندونيسي، بالإضافة إلى الميمون والبهرة الداوودية من الهند قبل التقسيم.
وقد لعبت هذه المجموعات المتنوعة دورا مهمًا في تشكيل الثقافة السريلانكية، حيث ساهمت في تطوير المطبخ المحلي، والملابس، والمفردات. ووفقا لآصف حسين، رئيس قسم التوعية في مركز الدراسات الإسلامية في كولومبو، فقد تركت المجتمعات المسلمة بصمة دائمة في الثقافة السريلانكية.
وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح حسين أن بعض الأطعمة السريلانكية الشهيرة، مثل الدودهول والأتشارو، تعود أصولها إلى الأرخبيل الإندونيسي، كما أشار إلى أن الاسم الرسمي السابق لسريلانكا "سيلون"، مشتق من كلمة سيلان العربية.
وخلال فعالية "سلام رمضان" قام متطوعو المركز بتوزيع ترجمات معاني القرآن الكريم باللغة السنهالية، مما يساعد في تعزيز التفاهم الثقافي والديني بين المسلمين والأغلبية الناطقة بالسنهالية.
وكان ركن الخط العربي أحد أبرز المعالم في الفعالية، حيث أُتيحت الفرصة للزوار لكتابة أسمائهم بأسلوب فني مميز، وللكثير من السريلانكيين غير المسلمين، وكانت هذه تجربة جديدة وجذابة، أسهمت في تعزيز تقديرهم للثقافة الإسلامية.
وإلى جانب الجوانب الثقافية، أسهم المجتمع المسلم في سريلانكا بشكل كبير في الاقتصاد الوطني، وهو ما استعرضه "مجلس تقييم الحلال" في الفعالية.
وفي هذا السياق، صرّح أسامة زيد، رئيس قسم العلامة التجارية وتطوير الأعمال في مجلس تقييم الحلال، للجزيرة نت، بأن "المنتجات الحاصلة على شهادة الحلال من صادرات سريلانكا قد حققت إيرادات بلغت 1.7 مليار دولار أميركي في العام الماضي، وهو رقم يشهد زيادة مطردة في السنوات الأخيرة".
أثناء تجربة عائلته للأطعمة الإسلامية المتنوعة، أعرب غانيجودا عن إعجابه بالصيام، معتبرا إياه عادة مفيدة للصحة، وأكد في حديثه للجزيرة نت، أن الطعام قادر على جمع الناس معا، "فالغذاء هو حاجة الناس الأساسية، وعندما تُنظم فعاليات تتمحور حول الطعام، ويلتقي الناس من مختلف الأعراق والأديان، يتعزّز التفاهم والانسجام والتآلف بينهم".
لم يقتصر الحضور في الفعالية على السريلانكيين فحسب، بل شارك به أيضا العديد من السياح والأجانب العاملين في البلاد، ومن بين المشاركين، حضرت نور أزيدة عمر، وهي ماليزية تعمل في المجال الدبلوماسي، حيث انضمت إلى الفعالية مع زوجها وأطفالها لاكتشاف ثقافة المسلمين في سريلانكا.
وأوضحت أزيدة للجزيرة نت أنها وجدت الفعالية فريدة من نوعها، مشيرة إلى أنها "كانت فرصة رائعة لتبادل الثقافات والتعرف على تقاليد المسلمين في سريلانكا، ليس فقط بالنسبة للسريلانكيين، ولكن أيضًا للأجانب".