في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، عاد التوتر ليخيم على واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية في معادلة الطاقة والتجارة الدولية. فلم تقتصر تداعيات التصعيد العسكري على المواجهة المباشرة بين الأطراف المتحاربة، بل امتد عبر الأسواق والطرق البحرية وشبكات التجارة، ليطال اقتصادات بعيدة عن مسرح الصراع. غير أن تداعيات هذه الأزمات -كما جرت العادة- لا تتوزع بالتساوي بين دول العالم.
ففي حين تمتلك الاقتصادات الكبرى أدوات مالية وقدرات احتياطية تساعدها على امتصاص الصدمات ولو جزئيا، تبدو الصورة مختلفة في العديد من الدول النامية. وفي أفريقيا على وجه الخصوص، حيث تعتمد اقتصادات كثيرة على واردات الطاقة والسلع الأساسية، وترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع دول الخليج، تتحول التوترات الجيوسياسية في هذه المنطقة سريعا إلى مصدر اضطرابات اقتصادية.
"الحروب التي تندلع في الشرق الأوسط تجد طريقها إلى دول ومجتمعات بعيدة عن مناطق النزاع"
وهنا تتجلى مفارقة لافتة في الاقتصاد العالمي: فالحروب التي تندلع في مراكز الصراع، قد تجد طريقها إلى مجتمعات بعيدة لم تكن طرفا في النزاع. ومع تصاعد المخاطر التي تواجه أسواق الطاقة والتجارة، يبرز سؤال أوسع حول كيفية انتقال آثار هذه الأزمات إلى الاقتصادات الأكثر هشاشة، ولماذا تبدو القارة الأفريقية في كثير من الأحيان أول من يدفع ثمن صراعات لا تشارك في صنعها.
ليست كل الممرات البحرية متساوية في أهميتها للاقتصاد العالمي. فهناك نقاط اختناق قليلة يمكن أن يؤدي اضطرابها إلى هز الأسواق الدولية في غضون أيام، ويأتي مضيق هرمز في مقدمتها. فالممر البحري الضيق الواقع بين السواحل الإيرانية والعُمانية يمثل الشريان الرئيسي الذي تتدفق عبره صادرات الطاقة من الخليج إلى بقية العالم، إذ يمر عبره يوميا نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نحو 22% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا.
غير أن أهمية هذه الممرات لا تقتصر على الطاقة، بل تمتد إلى حركة التجارة العالمية نفسها. ففي مضيق هرمز تمر نسبة تتراوح بين 2-3% من حركة الحاويات العالمية. ومع تصاعد التوترات الأمنية، لا يتأثر النقل البحري وحده، بل تمتد الارتدادات إلى شبكات الشحن الجوي العالمية. وتشير تقديرات إلى أن شركات الطيران في الشرق الأوسط تستحوذ مجتمعة على نحو 13% من سعة الشحن الجوي في العالم، ما يجعل المنطقة بدورها عقدة مركزية في شبكة تجارة تعتمد بصورة متزايدة على النقل السريع للبضائع عالية القيمة.
"يُعَد مضيق هرمز صِماما يضبط إيقاع الأمن الزراعي في العالم، ومحورا إستراتيجيا لاستقرار الإمدادات الزراعية"
يُعَد مضيق هرمز أيضا صِماما يضبط إيقاع الأمن الزراعي في العالم، ومحورا إستراتيجيا لاستقرار الإمدادات الزراعية، إذ إن نحو ثلث صادرات اليوريا في العالم -وهي من أكثر الأسمدة استخداما- تمُر عبره، في حين يعتمد ما يقرب من نصف الإنتاج الغذائي العالمي على الأسمدة. إضافة إلى ذلك، يرتبط حوالي 30% من الإنتاج العالمي للأمونيا و50% من إنتاج اليوريا بسلاسل الإمداد التي تمر عبر هذه المنطقة، ما يعكس مدى ارتباط هذه الممرات البحرية باستقرار منظومة الغذاء العالمية.
لم تكُن قفزة أسعار النفط هي الصدمة الوحيدة إذن، بل جرَّت خلفها أزمة شحن وتأمين غير مسبوقة؛ حيث اضطرت السفن لتغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، ما رفع تكلفة الرحلة الواحدة بنحو 4 ملايين دولار، ودفع شركات التأمين العالمية لتقليص تغطيتها لمخاطر الحرب، تاركة سلاسل الإمداد في مهب الريح. ولم ينجُ الأمن الغذائي من هذه الشظايا، إذ ارتفعت أسعار الأسمدة والمدخلات الزراعية بنِسَب وصلت إلى 35%، ما جعل "رغيف الخبز" رهينا لأسعار الوقود والكبريت القادم من المنطقة المشتعلة.
"كل زيادة مستدامة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط تُقلل النمو العالمي بنحو 10-20 نقطة أساس على مدى 12 شهرا"
وتشير التقديرات إلى أن كل زيادة مستدامة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط تُقلل النمو العالمي بنحو 10-20 نقطة أساس على مدى 12 شهرا، وتدفع التضخم لقفزات قياسية. ولكن تظل الحقيقة المُرَّة أن هذه الصدمات لا تصيب الجميع بالقدر نفسه؛ فبينما تمتص الدول الكبرى الأزمة، تتحول تقلبات الطاقة والتجارة في الدول النامية والفقيرة إلى "انفجارات معيشية" وديون متراكمة، لتكشف هذه الأزمات البعيدة عن هشاشة هيكلية تجعل القارة الأفريقية والجنوب العالمي يدفعون الحصة الأكبر فاتورة صراعات تدور على بعد آلاف الأميال من أراضيهم.
تبدو القارة الأفريقية وكأنها تعيش في "بيوت من زجاج"، حيث تعمل الهشاشة الاقتصادية كمضخم للأزمة، وهذا ليس مجرد سوء حظ، بل نتيجة طبيعية لنمط "التبعية الاقتصادية"، إذ ترتبط معظم البلاد الأفريقية بمراكز وقوى أكبر. وعندما تهتز ممرات الطاقة أو تشتعل الحروب، تجد الدول الأفريقية نفسها في مواجهة انكشاف مزدوج؛ انكشاف تجاري، بسبب الاعتماد المفرط على استيراد السلع الأساسية وتصدير المواد الخام، وانكشاف تمويلي يجعل العملات المحلية والسيولة رهينة لتقلبات الدولار والعملات وهروب رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة.
هذا التقاطع بين التقلبات العالمية والتبعية البنيوية هو ما يُحوِّل أي اضطراب عابر في الشرق الأوسط أو غيره إلى أزمة معيشية واجتماعية عميقة تضرب عمق القارة الأفريقية. وفي هذا السياق، تبدو القارة واحدة من أكثر المناطق عُرضة لارتدادات هذه الصدمات، حيث تتقاطع التقلُّبات العالمية مع هشاشة اقتصادية عميقة الجذور.
"في اقتصاد تحكمه الصدمات الخارجية، لا تصل آثار الحروب إلى أفريقيا كخبر بعيد، بل كضغوط يومية تعيد تشكيل الأسواق والمعيشة"
في اقتصاد تحكمه الصدمات الخارجية، لا تصل آثار الحروب إلى أفريقيا كخبر بعيد، بل كضغوط يومية تعيد تشكيل الأسواق والمعيشة. فمنذ اندلاع الحرب، تكشف تحركات أسعار الوقود عن خريطة غير متكافئة لانتقال الصدمات داخل القارة، حيث تضرب بقوة في بعض الاقتصادات بينما تتسلل بهدوء إلى أخرى، وفق درجات الهشاشة والانكشاف. وتُظهر البيانات هذا التفاوت بوضوح؛ إذ سجلت دول معدلات زيادة مرتفعة للغاية في أسعار الجازولين مثل تنزانيا ومالاوي وزيمبابوي، فيما سجلت دول أخرى معدلات أقل أو لم تشهد زيادات معتبرة، في مشهد يعكس أن الصدمة لا تتوزع بالتساوي بين الدول.
ولا يقتصر انتقال الصدمة على تحركات الأسعار وحدها، بل يرتبط ببنية اقتصادية أعمق تعكس طبيعة الانكشاف في القارة. فأفريقيا، رغم امتلاكها موارد نفطية مهمة في دول مثل نيجيريا وأنغولا، تنفق أكثر من 120 مليار دولار سنويا على استيراد المنتجات البترولية المكررة. إذ تُصدِّر نحو 70% من نفطها الخام و45% من غازها الطبيعي نتيجة محدودية قدراتها التكريرية، ما يُكلِّفها خسائر تُقدَّر بحوالي 15 مليار دولار سنويا بسبب تصدير الخام دون معالجته محليا.
وفي ظل هذه البنية، لا تعكس الصدمة مجرد ارتفاع في الأسعار، بل تكشف عن نمط "تبعية" راسخ، حيث ساهم ضعف الاستثمار في المصافي، إلى جانب هيمنة الشركات الأجنبية، في إبقاء الاقتصادات الأفريقية رهينة لاستيراد الوقود، وأكثر عرضة لارتدادات الصدمات الخارجية.
أكثر من ذلك، تعتمد أفريقيا على النقل البحري في نحو 90% من تجارتها، ولذا وجدت نفسها أمام ممرات مضطربة وتكاليف متصاعدة. ومع تعطل الملاحة في مضيق هرمز وقفزات الشحن والتأمين، تضاعفت كلفة السلع قبل وصولها، لتتحول الصدمة الخارجية إلى عبء معيشي مباشر يُقاس في أسعار الغذاء والسلع الأساسية.
علاوة على ذلك، وفي قارة تُعد فيها الزراعة ركيزة أساسية لسبل العيش، تحوَّل ارتفاع أسعار الأسمدة إلى تهديد مباشر للإنتاج الغذائي؛ كما كشفت الصراعات السابقة -وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية- حين انخفض إنتاج الحبوب بنحو 16% في شرق أفريقيا، ودخل نحو 6-7 ملايين أشخاص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي. وبالنظر إلى أن الأسر في أفريقيا تُنفق 70% من دخلها على الغذاء، فإن تضخم الأسعار يصبح آلة لسحق الدخل الحقيقي. إن زيادة بنسبة 10% في التكلفة لا تعني غلاء إضافيا فحسب، بل تعني دفع ملايين العائلات عمليا من الكفاف إلى الجوع.
"بالنظر إلى أن الأسر في أفريقيا تُنفق 70% من دخلها على الغذاء، فإن تضخم الأسعار يصبح آلة لسحق الدخل الحقيقي"
بينما كانت القارة الأفريقية تترقب بآمال حذرة انفراج معدلات التضخم مطلع عام 2026، كشفت الحرب عن الهشاشة الهيكلية الأفريقية، حيث عصف التضخم بآمال الاستقرار، وهو ما جسَّده تحذير مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغيفا، بأن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط ستترجم فورا إلى قفزة بـ 40 نقطة أساس في التضخم العالمي. إنها اقتصاديات الصدمة في أقصى تجلياتها، حيث تتحول الأرقام الدولية إلى زلازل محلية تبتلع أحلام الاستقرار.
تنتقل الصدمة داخل الاقتصادات الأفريقية وكأنها عدوى سريعة الانتشار، وتنتهي بنزيفٍ حاد في الميزان التجاري الذي يئن تحت وطأة فاتورة استيراد بلغت 719 مليار دولار. وأمام هذا الطلب الخانق على النقد الأجنبي، تتهاوى الدفاعات النقدية للقارة، حيث رصد بنك التنمية الأفريقي انخفاض قيمة عملات 29 دولة أفريقية في أعقاب اشتعال الحرب.
"رصد بنك التنمية الأفريقي انخفاض قيمة عملات 29 دولة أفريقية في أعقاب اشتعال الحرب"
لم يكن العقد الماضي بالنسبة لأفريقيا مجرد سلسلة من الأزمات، بل كان اختبارا قاسيا لصلابة هيكلها المالي تحت وطأة صدمات متلاحقة، من جائحة كوفيد-19 وصولا إلى الحرب الروسية الأوكرانية. ورغم أن دولا مثل مصر وغانا ونيجيريا وكينيا تبنَّت سياسات نقدية متشددة ورفعت أسعار الفائدة في محاولة لتعزيز الاستقرار، فإن هذا النهج لم يكن كافيا لاحتواء تداعيات الصدمة الحالية.
إذ سرعان ما تراجعت شهية المستثمرين، وبدأت تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل في الخروج نحو ما يُعرف بالملاذات الآمنة، وعلى رأسها الدولار، الذي انتعش بنيران الحرب تاركا الأسواق الأفريقية في مهب الريح. وهو ما يلقي بظلاله الثقيلة على كاهل المديونية الأفريقية التي بلغت بالفعل 1.9 تريليون دولار عام 2024، أي ما يعادل ثلثي الناتج المحلي الإجمالي للقارة.
لا يمكن فهم عمق التأثير الذي تُحدثه الصدمات الخارجية في الاقتصادات الأفريقية بمعزل عن البنية الأعمق التي تحكم موقع القارة داخل النظام الاقتصادي العالمي. فالهشاشة التي كشفتها الحرب، وما تبعها من اضطرابات في أسعار الطاقة والنقل والتمويل، لا تُعَدُّ مجرد نتيجة ظرفية، بل هي انعكاس لنمط من التبعية الاقتصادية يربط هذه الاقتصادات بالخارج في تأمين احتياجاتها الأساسية وتحديد مساراتها التنموية.
وفي ظل هذا النمط، لا تصل الصدمة إلى أفريقيا بوصفها حدثا طارئا، بل تتحول إلى آلية متكررة تعيد إنتاج الأزمات، حيث تتقاطع الاضطرابات العالمية مع اقتصاد يعتمد على الخارج في الاستيراد، ويُعيد توجيه موارده نحو تصدير المواد الخام، ويرتبط في تمويله بتدفقات رأسمالية غير مستقرة. وهكذا، تتجلى التبعية في 3 صور رئيسية: اعتماد متزايد على استيراد السلع الأساسية، مقابل تصدير السلع الأولية، إلى جانب انكشاف مالي على مصادر تمويل خارجية، خاصة رؤوس الأموال قصيرة الأجل.
"تتجلى التبعية الأفريقية في 3 صور: اعتماد متزايد على استيراد السلع الأساسية، وتصدير السلع الأولية، والحساسية لمصادر التمويل الخارجية"
يُظهر هيكل التجارة الأفريقية بوضوح ما أشار إليه الاقتصادي المصري سمير أمين حول طبيعة "التبعية البنيوية" التي تحكم علاقة الأطراف بالمركز في النظام الاقتصادي العالمي. فالتجارة الأفريقية لا تعكس مجرد اختلالات كمية في الميزان التجاري، بل تكشف عن نمط غير متكافئ من الاندماج في الاقتصاد العالمي، يقوم على تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة. إذ تُهيمن السلع الأولية على ما يقرب من 70% من الصادرات خارج القارة، في حين تستحوذ السلع المصنعة على نحو 60% من الواردات. كما يزداد هذا الانكشاف في ظل تمركز الشركاء التجاريين، إذ لا يزال الاتحاد الأوروبي الشريك الأكبر، مستحوذا على نحو 43% من الصادرات و34.5% من الواردات.
لا يبدوإذن أن نموذج الاقتصادي البريطاني ديفيد ريكاردو حول "الميزة النسبية" قد قاد الاقتصادات الأفريقية إلى الكفاءة، بقدر ما رسَّخ نمطا يقوم على التخصص في تصدير السلع الأولية، بما يعيد إنتاج الفخ الهيكلي للصادرات ويُعمِّق التبعية. ويتجلى ذلك في تركُّز صادرات دول مثل مالي وغانا والسودان في الذهب، مع اعتماد كبير على أسواق محددة منها الإمارات مثلا، ما يجعل هذه الصادرات أكثر عرضة لاضطرابات الأسواق المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية.
وفي قطاع الطاقة، تُصدِّر دول مثل نيجيريا وأنغولا نحو 70% من نفطها الخام و45% من غازها الطبيعي دون تكرير، ما يُكلِّفها نحو 15 مليار دولار سنويا نتيجة غياب القيمة المضافة. كما تكبَّدت الصادرات الزراعية الكينية خسائر تُقدَّر بنحو 2 مليون دولار أسبوعيا منذ اندلاع الحرب. ولا يتوقف هذا النمط عند حدود التجارة السلعية، بل يمتد إلى الأمن الغذائي ذاته، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 80% من المواد الغذائية الأساسية في أفريقيا تُستوَرَد من الخارج، بما يُعمِّق من اعتماد أفريقيا على الأسواق العالمية في تأمين احتياجاتها الأساسية.
"تشير التقديرات إلى أن نحو 80% من المواد الغذائية الأساسية في أفريقيا تُستوَرَد من الخارج"
وقد أشار تقرير آفاق التجارة والاقتصاد في أفريقيا لعام 2026 الصادر عن البنك الأفريقي للاستيراد والتصدير "أفركسيم بنك" إلى أن مسارات التجارة الأفريقية لا تتحدد بمعزل عن الخارج، بل تخضع بدرجة كبيرة لدورات أسعار الأسواق العالمية التي لا تملك القارة السيطرة عليها. فأسعار النفط والمعادن والمنتجات الزراعية لا تُصاغ داخل الاقتصادات الأفريقية، بل تُفرض عليها من الأسواق الدولية، بينما لا تسهم المتغيرات الاقتصادية الأفريقية من تضخم أو نمو أو ميزان مالي إلا هامشيا في تشكيلها. غير أن تأثير هذه الأسعار لا يقف عند حدود السوق العالمية، بل يتغلغل عميقا في الداخل الأفريقي، إذ تنتقل صدماتها عبر قنوات الاقتصاد الكلي، لتنعكس على سعر الصرف، والإيرادات العامة، ومستويات الدين، ومعدلات النمو، والتضخم.
إذا كانت تبعية التجارة تعني ارتهان الأسواق الأفريقية بتصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة، فإن النُسخة التمويلية من "التبعية" هي الأخطر؛ وهي تعني اعتماد القارة على تدفقات رؤوس الأموال الخارجية، والديون المُقوَّمة بالعملات الصعبة، والمعونات الدولية لتمويل ميزانياتها ومشاريعها التنموية. هذا النمط من "الارتهان" يحرم الدول الأفريقية من الحيز المالي اللازم للاستجابة للأزمات.
تتجلى خطورة التوترات الجيوسياسية في كونها السبب الأساسي لتعميق فجوة التمويل في أفريقيا. فبينما تنشغل القوى الدولية بالصراعات، تجد القارة نفسها أمام واقع مالي مرير؛ حيث تشير البيانات إلى أن نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر المُوجَّه لأفريقيا هَوَت إلى النصف عام 2022 تحت وطأة الجائحة والحرب الروسية الأوكرانية، واستمر هذا النزيف ليصل إلى 42% في النصف الأول من عام 2025. هذا الهروب لرؤوس الأموال ليس مجرد رقم، بل إعلان عن فقدان الثقة العالمي في استقرار الأسواق الناشئة عند كل هزة سياسية.
"بلغ الدين العام في أفريقيا 63.5% من الناتج الإجمالي عام 2024، فيما تلتهم الديون المقومة بالعملات الأجنبية أكثر من 31% من إيرادات الحكومات"
وعلى عكس ما تروج له المؤسسات الدولية من أن الاقتراض وسيلة للنمو، وصل الدين العام في أفريقيا إلى ذروة تاريخية بلغت 63.5% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024، حيث تلتهم مدفوعات الديون الخارجية المقومة بالعملات الأجنبية أكثر من 31% من إيرادات الحكومات (وهي نسبة قياسية وفقا لتصنيفات ستاندرد آند بورز). هذا يعني أن ثلث جهد الشعوب الأفريقية يذهب لسداد الديون بدلا من الاستثمار في الصحة والتعليم، ما يضع احتياطيات النقد الأجنبي تحت ضغط هائل ويجعل مخاطر إعادة التمويل كابوسا يطارد صانع القرار الأفريقي.
وتبرز منطقة شمال أفريقيا كأكثر المناطق تضررا وتحملا لأعباء هذا الدين عام 2026، حيث تستحوذ مصر وحدها على نحو ثلث المبالغ المستحقة، مما يفسر لجوء الحكومات للاقتراض المحلي والأجنبي لسد العجز المتزايد في الميزانيات، الناتج عن أعباء الدعم وخدمة الدين. هذه الهشاشة تجعل القارة منطقة مكشوفة ماليا. ووفقا لمختبر تمويل التنمية، تقع 13 دولة أفريقية ضمن قائمة أول 20 دولة مُتعسِّرة عالميا، وهو ليس قدرا جغرافيا، بل نتيجة مباشرة لهيكل تمويلي يربط مصير القارة بتقلبات الأسواق والصراعات البعيدة، ويجعل من استرداد السيادة النقدية والتمويلية ضرورة وجودية حقيقة لا مجازا.
ومع انحسار الاستثمارات الأجنبية وتفاقم أعباء الديون التي كبلت السيادة المالية للدول، لم يجد الاقتصاد الأفريقي مفرا من الاعتماد على العاملين بالخارج. هنا، لم تعد التحويلات المالية مجرد دعم للأسر، بل تحولت إلى الرئة الوحيدة التي تتنفس بها القارة، لتكشف عن وجه جديد من وجوه الهشاشة الهيكلية. ففي عام 2023، بلغت هذه التحويلات نحو 100 مليار دولار، ما يمثل حوالي 52% من إجمالي مصادر التمويل الخارجي، متجاوزة كل من الاستثمارات الأجنبية المباشرة (48 مليار دولار) والمساعدات الإنمائية الرسمية (42 مليار دولار).
"دول الخليج أهم مصادر التحويلات إلى أفريقيا، نظرا لعمل ملايين الأفارقة بها"
تلعب هذه التدفقات دورا محوريا في دعم الاستقرار الاقتصادي، من خلال تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي والمساهمة في استقرار العملات المحلية، فضلا عن كونها شريان حياة لأكثر من 200 مليون أفريقي، حيث تعتمد عليها الأسر بشكل مباشر في تلبية احتياجاتها المعيشية، كما هو الحال في كينيا التي يعتمد فيها نحو 65% من السكان على هذه التحويلات.
غير أن هذا الاعتماد، رغم أهميته، ينطوي على مخاطر هيكلية، إذ تظل هذه التدفقات رهينة للأوضاع الاقتصادية في الدول المضيفة. وفي هذا السياق، تمثل دول الخليج أهم مصادر التحويلات إلى أفريقيا، نظرا لعمل ملايين الأفارقة بها. إلا أن أي اضطراب نتيجة تباطؤ اقتصادي أو صراعات يؤدي إلى تراجع هذه التدفقات، ما يفرض ضغوطا مالية حادة على الاقتصادات التي تعتمد عليها، خاصة في شمال أفريقيا.
إن تضافر هذه الأبعاد الثلاثة من خلل في هيكل التجارة، وارتهان للتمويلات والديون الأجنبية، وصولا إلى الاعتماد المصيري على تحويلات العاملين بالخارج، يرسم صورة مكتملة لتبعية اقتصادية مركبة. هذه البنية الهشة تجعل القارة الأفريقية مكشوفة أمام أي عاصفة جيوسياسية في الخارج؛ إذ إن توترا بعيدا في الشرق الأوسط، يرتد فورا في عمق القارة على شكل جفاف في السيولة، وارتفاع في كلفة المعيشة، وضغط لا يطاق على العملات المحلية.
في نهاية المطاف، تجد الاقتصادات الأفريقية نفسها مُجبرة على تجرُّع الدواء المُر، الذي تمليه المؤسسات الدولية، وهو علاج لم ينجح تاريخيا في استئصال المرض، بقدر ما أعاد إنتاج أسبابه في صورة أعقد. فالإصرار على السياسات "النيوليبرالية" استجابةً للصدمات الخارجية، لا يكشف عن عمق الهشاشة فحسب، بل يعيد ترسيخها، إذ تلجأ الحكومات إلى الاقتراض لسد فجوات الإيرادات، لتجد نفسها أسيرة في فخ شروط التقشُّف مُجددا.
تبدأ الدائرة المفرغة بإجراءات تقشفية تشمل رفع الدعم وزيادة أسعار الفائدة، في محاولة لاحتواء التضخم واستعادة الاستقرار المالي، غير أن هذه السياسات تأتي بتكلفة مرتفعة، إذ تؤدي إلى تضخم أعباء خدمة الدين الخارجي وتآكل الحيز المالي، ما يدفع الدول نحو صندوق النقد الدولي طلبا للإنقاذ، في مسار يُعمِّق الاعتماد على الخارج بدلا من كسره.
"مقابل كل دولار تقترضه الدول الأفريقية، يعود نحو 70 سنتا إلى الخارج في صورة هروب لرؤوس الأموال"
وما يزيد من قسوة هذا الواقع أن التقديرات تشير إلى أنه مقابل كل دولار تقترضه الدول الأفريقية، يعود نحو 70 سنتا إلى الخارج في صورة هروب لرؤوس الأموال، بما يعكس نزيفا مستمرا للموارد. وفي ظل هذا الوضع، يُضطر صانعو السياسات تحت ضغط الالتزامات المالية إلى تقليص برامج الرعاية الاجتماعية في اللحظة التي يواجه فيها المواطن الأفريقي أعلى مستويات الضغط المعيشي.
وهكذا تنقل الحكومات الأفريقية مجبرة كلفة الصدمات الاقتصادية إلى مواطنيها، حيث تدفع الأسر الثمن كاملا، فيما تظل القارة عالقة في بنية اقتصادية يُتحكم بها خارجيا، وتُعيد إنتاج التبعية على حساب سيادتها ورفاهية شعوبها، ما يعني تعميق الأزمات وتدويرها، بلا نهاية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة