في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت– لم يعتد أبو عفيف الدهني أن يبدأ يومه بالقلق، غير أن الحرب التي تتسلل تدريجيا إلى تفاصيل الحياة اليومية في لبنان، جعلت حتى بسطة الخضروات التي يعتاش منها مساحة مفتوحة على كل الاحتمالات.
يقف الرجل خلف صناديق الخيار والبندورة (الطماطم)، يراقب حركة المارة بعين متحفّزة، ويقول بصوت يمتزج فيه الإرهاق بالترقّب للجزيرة نت إن الأسعار لم تعد مستقرة، وإن الغد بات عصيًّا على التوقع.
فكل شيء، برأيه، مرهون بمصير الطرقات والجسور:" إذا قُطعت، قد ترتفع الأسعار، وقد لا يتمكن الناس حتى من الوصول إلى أعمالهم".
لا يخفي أبو عفيف ضيقه، يتمتم بدعاء مقتضب قبل أن يعود سريعا إلى حساباته اليومية، حيث تختلط السياسة بلقمة العيش، ويتجاور الخوف مع تفاصيل الرزق.
على بسطته، تبدو الأرقام أكثر وضوحا من المشهد العام، لكنها تعكس تقلباته الحادة. فقد بلغ سعر الخيار نحو دولار واحد بعد أن كان يقارب دولارين، فيما انخفضت البندورة من نحو 2.2 دولار إلى حوالي 1.1 دولار.
ويعدد ما يصفه بـ"الأسعار الجيدة": أربع خسات مقابل نحو 1.1 دولار، وست أو سبع ربطات من البقدونس بالسعر نفسه، قبل أن يختصر المشهد بعبارة تحمل كثيرا من الحذر: "الوضع جيد"… لكن هذا "الجيد" يبقى مؤقتًا، رهين يوم قد لا يشبه ما سبقه.
في أحد الأفران، حيث تختلط رائحة الخبز الساخن بقلق دائم، يقف إبراهيم منصور، صاحب "أفران منصور"، منشغلا بما هو أبعد من حركة البيع اليومية، لا يتحدث عن الحاضر فقط، بل عن مخاوف تتصل بالمستقبل القريب، أبرزها احتمال انقطاع الطحين والقمح في ظل تعثر تفريغ البواخر في مرفأ بيروت.
يوضح للجزيرة نت أن سفنا محمّلة لا تزال في عرض البحر، من دون أن تفرغ حمولتها، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات غير مضمونة، ورغم تطمينات التجار بتوافر الطحين حتى ما بعد العيد، فإن الشك يظل حاضرًا:" لا أحد يستطيع أن يضمن شيئا في مثل هذا الوضع".
حتى الآن، يحافظ الفرن على أسعاره، إذ تُباع ربطة الخبز بنحو 0.8 دولار، وهي -كما يوضح- تختلف عن الخبز المدعوم ولا تخضع للتسعير الرسمي، لكن هذا الاستقرار يبقى هشًا، وقد يتبدل سريعًا مع أي ارتفاع في الكلفة أو انقطاع في المواد.
وبالنسبة لمنصور، تبقى الأولوية واضحة: تأمين الطحين أولًا، أما الأسعار فمرهونة بما ستؤول إليه الأيام.
أمام ملحمته، يقف نصرالدين أبو ضهر مراقبا حركة السوق بنظرة ناقدة لا تخلو من غضب، يتوقف عند مسألة الرقابة على الأسعار، متسائلًا عن جدواها الفعلية بالنسبة للناس:" هل المطلوب التركيز على العدس والرز والحمص، أم على الأساسيات التي يحتاجها الناس فعلًا؟".
بالنسبة له، الأولويات واضحة: اللحوم والدواجن، ويشير -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن سعر كيلو اللحم وصل إلى نحو 14.5 دولارا، وهو رقم يفوق قدرة كثيرين.
ويرى أن هذا الارتفاع لا يرتبط بموسم أو ظرف استثنائي، فالسوق -كما يقول- لا يشهد ضغطا غير اعتيادي، بل يعاني من ضعف في الإقبال.
يلفت إلى الشوارع المحيطة، حيث تبدو الحركة باهتة:" لا أحد يشتري كما في الأعياد… بل أقل من الأيام العادية"، ويضيف أن موجة الغلاء سبقت الحرب، لكنها تسارعت مع دخول شهر رمضان، لتستمر بوتيرة تصاعدية.
في حديثه، تختصر الحكاية تحولات أعمق من مجرد أرقام: قدرة شرائية تتآكل، وأولويات يعاد ترتيبها، وسوق يعكس واقعًا معيشيًا أكثر قسوة.
داخل محل لبيع الألبسة، تتدلى القطع الملونة بانتظار زبائن قلّة، يقف أبو علي خلفها، ويختصر المشهد برقم صادم: "التراجع بلغ 99% مقارنة بالعام الماضي"، رقم يعكس، برأيه، حجم الانكماش في الطلب، في ظل ضغوط اقتصادية وحرب دفعت بالكماليات إلى خارج حسابات الناس.
يحاول الرجل التكيّف مع الواقع الجديد، فيعرض بضاعته بأسعار مخفّضة تبدأ من 5 دولارات وتصل إلى 20 دولارا، بعد حسومات تصل إلى 50%، فالسعر الذي كان 10 دولارات أصبح 5، والعشرون صارت 10، وحتى الثلاثون انخفضت إلى 15.
لكن، رغم هذه التخفيضات، تبقى الحركة ضعيفة، وحركة الزبائن أقل بكثير مما كانت عليه في مواسم سابقة، وفي نهاية حديثه للجزيرة نت، يترك الأرقام جانبًا، ويعود إلى الناس: "الله يكون بعون العالم… الناس تعبانة كثير".
على بسطة صغيرة للحلويات، حيث يفترض أن تكون النكهة عنوانا للفرح، يروي محمود السلطاني حكاية مختلفة، يغلب عليها طعم المرارة، يقول إن المبيعات تراجعت بشكل ملحوظ، في ظل وضع اقتصادي صعب تفاقم أكثر مع الحرب.
ورغم ذلك، لم ترتفع الأسعار، بل يضطر أحيانًا إلى البيع برأس المال فقط "لتسيير الحال"، في واقع يصفه بالمأساوي، يقدّم مثالًا بسيطًا: بضاعة كانت تُباع بنحو 6.5 دولارات، أصبحت اليوم بحوالي 5.5 دولارات، بهامش ربح يكاد يكون معدومًا، إذ لا تتجاوز كلفتها الفعلية ما بين 4.5 و5 دولارات.
لكن الأزمة، بالنسبة إليه تتجاوز حدود السوق. فالحرب، كما يقول، تركت أثرها على مختلف مناحي الحياة، من الاقتصاد إلى المجتمع، يضيف بهدوء، قبل أن يختم بدعاء يشبه أمنية جماعية تختصر حال الناس: "الله يهدي الأحوال".
في المحصلة، لا تبدو الحرب حدثًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل عاملًا يعيد تشكيله يومًا بعد يوم. من تقلب الأسعار، إلى تراجع القدرة الشرائية، مرورًا بقلق الإمدادات وضعف حركة الأسواق، تتكشف صورة حياة يومية مثقلة بالانتظار، حيث كل شيء مؤجل على ما قد تحمله الأيام المقبلة.
تشير الخبيرة والباحثة الاقتصادية باتريسيا جلاد للجزيرة نت إلى أن الأسواق شهدت خلال العشرين يومًا الماضية صدمة قوية منذ اندلاع الحرب، فقد هرع المواطنون لتخزين المواد الغذائية الأساسية، مثل الطحين والخبز والزيت والحبوب وعلب التونة والسردين، مما أدى إلى فراغ رفوف بعض المتاجر، قبل أن تعود الأسواق تدريجيًا إلى نسقها الطبيعي وسط طمأنة على وفرة المواد الغذائية للأشهر القادمة.
وتضيف جلاد أن المواد الكمالية، التي يمكن الاستغناء عنها، شهدت تراجعًا في الطلب، ما تسبب في جمود جزئي لحركة الأسواق وإغلاق بعض المحال، خاصة في المناطق المستهدفة أو المجاورة لها.
بعد عشرين يوما على اندلاع الحرب، أكدت وزارة الاقتصاد ونقابة مستوردي المواد الغذائية أن لبنان لا يواجه خطر نقص في المواد الأساسية، إذ سبق استيراد كميات تكفي أربعة أشهر، مع استمرار عمليات الاستيراد لضمان استمرار سلاسل الإمداد، تزامنًا مع صيام المسيحيين ورمضان لدى المسلمين.
وتوضح جلاد أن استمرارية الإمدادات تعود إلى عدم إقفال مرفأ ومطار بيروت، واستمرار وصول الشحنات البحرية رغم التوترات في مضيق هرمز، فيما لم تتأثر البضائع القادمة من أوروبا بالإغلاقات.
وفي المقابل، يبقى التضخم مصدر القلق الأكبر، فقد ارتفع سعر برميل النفط إلى 110 دولارات، مما انعكس على أسعار المحروقات في لبنان، ورفع سعر صفيحة البنزين من 20 إلى 25 دولارًا، بالإضافة إلى زيادة تكاليف النقل والمواد الغذائية، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
وتشير الخبيرة جلاد إلى أن هذه العوامل مجتمعة ساهمت في تراجع القدرة الشرائية وبطء حركة الأسواق، رغم استقرار سلاسل الإمداد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة