يمثل الدكتور كمال ميرزا (عالم الاجتماع والأكاديمي، والكاتب في مجالات القصة والشعر والمقال الساخر) نموذجاً للمثقف المشتبك مع قضايا أمته. فاز مؤخراً بجائزة الفكر التنويري ونقد الفكر الاستشراقي "إدوارد سعيد" لعام 2026 (مناصفة مع الباحث الجزائري د. نور الدين جويني)، وهي الجائزة التي تمنحها جمعية فلسطين الدولية.
أصدر ميرزا أربع مجموعات قصصية: "عبودة"، "أبو العبد"، "المتجهم"، و"الحلزونة"، وديوانين شعريين هما: "شريعة الإسمنت"، و"ساعي البريد". تمتاز كتاباته بلغة رشيقة وجريئة وناقدة، تُصنّف ضمن "الواقعية الاجتماعية"، محلاة أحياناً بإنجليزية معرّبة ولهجة دارجة تجعلها قريبة من العقول والقلوب. فإلى تفاصيل حواره مع "الجزيرة":
فوزي جاء عن بحثي المُقدّم بعنوان: "فيما يتجاوز السياسية: الاستشراق والصهيونيّة والطوفان". الباعث المعرفيّ الرئيسيّ وراء هذا البحث كان قناعتي، منذ أيام الدراسة، أنّ تعامل الأكاديميّين والمثقّفين العرب مع فكر "إدوارد سعيد" وغيره يغلب عليه الطابع الاحتفاليّ، في حين أن ما يمنحنا إيّاه أمثال هؤلاء المفكّرين (يُفتَرَض) هو مفاتيح وأدوات مفاهيميّة تساعدنا في الاشتباك مع الواقع بظواهره ووقائعه وأحداثه، وفي الوقت نفسه اختبار "القيمة التفسيريّة" لهذه المفاهيم وتوسيع مداها وحقلها الدلاليّ وفق مخرجات عملية البحث والتحليل.
وأنا وظّفت العلاقة بين الاستشراق والصهيونيّة، التي سبق لـ "إدوارد سعيد" الإشارة إليها، في قراءة حدث مهم ومفصليّ ومركّب ومتعدّد الأبعاد والمستويات ومستمّر ومتواصل الأثر مثل " طوفان الأقصى" قراءةً معرفيّة. وحالياً أنا أعكف على إصدار نسخة موسّعة ومزيدة من بحثي الفائز على شكل كتاب منشور.
أتصوّر أنّ منطلقاتي الفكريّة واضحة ومتسقة إلى حدّ كبير، ويستطيع القارئ التعرّف عليها وتلمّس كنهها من خلال جميع كتاباتي وليس فقط مجموعاتي القصصيّة المنشورة لغاية الآن.
بالنسبة لشخصياتي، فأظنّ أنّ ما أكتبه يُصنّف ضمن خانة "الأدب الواقعيّ"، أو "الواقعيّة الاجتماعيّة" إذا جاز التعبير تلافياً للالتباس مع ضروب أخرى من الواقعيّة؛ وفي المجتمع، أي مجتمع، هناك جميع النماذج البشريّة والسلوكيّة. بالنسبة لمصطلح "هامشيّ" تحديداً، فأنا أستخدمه هنا بتحفّظ شديد؛ فبخلاف المعنى الدارج لما هو هامشيّ ولمَن هم هامشيّون، فإنّ كل شخص طبيعيّ أو اعتباريّ في المجتمع يمكن أن يكون هامشيّاً أو غير هامشيّ من موقعه، و"مشتبكاً" أو غير مشتبك من موقعه.
قبل ولوجي عالم الأدب، زاولتُ الكتابة الساخرة لسنوات، وبصدق، لم يسبق لي أن تعرّضت إلى أيّة ضغوطات أو تهديدات أو حتى مجرد سؤال مباشر إزاء ما أكتب… هذه تجربتي الشخصيّة على الأقل، وقطعاً للآخرين تجاربهم الشخصيّة الخاصّة.
للإنصاف، لدينا في الأردن سقف حريات يُعتدُّ به، وهامش حريّات واسع نسبياً، أكثر اتساعاً من الانطباع السائد، وأكثر اتساعاً ممّا يتوسّم الكتّاب والمثقفون أنفسهم. ولكن في ضوء ما أرى، فإنّ نسبة كبيرة ممَّن يُصنّفون ضمن "انتلجنسيا" المجتمع، أو "النخبة" إذا جازت تسميتهم نخبة، يختارون طواعيةً أن يُخفّضوا سقوفهم ويضيّقوا هوامشهم بأنفسهم، والبقاء في دائرة ما يتوسّمون أنّه "خانة أمانهم"، لأسباب ودوافع وغايات يُسألون عنها هم كلّ شخص بشخصه! نعم، "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق"، ولكن أيضاً التذرّع بـ "لقمة العيش" و"ضرورات العيش" هي "مطاطة" يوسّعها ويضيّقها الكثيرون كيفما يشاؤون!
المسألة بين البينين؛ ليس مُتوقّعاً من الكاتب في لغته وأسلوبه الهبوط عن حدّ أدنى يُلبّي شرط الأدب أو "أدبيّة الأدب"، وذلك بذريعة الوصول إلى القارئ والتواصل معه، ولدرجة تبلغ حدّ الإسفاف، أو "الجمهور والسوق عايزين كدّه". وفي المقابل، ليس مُتوقعّاً ولا مقبولاً من الكاتب أن يجلس في برجه العاجيّ وينتظر من القرّاء الصعود إليه!
في حالة كلّ كاتب منفرداً، أظنّ أنّ هذه المسألة مرتبطة بسؤالين أساسيّين ينبغي على أي كاتب أن يسألهما لنفسه، وأن يمتلك إجابة واضحة ومحددة و"صادقة" عليهما، على الأقل بينه وبين نفسه: لماذا أكتب؟ ولمَن أكتب؟
أظنّ أنّ جُلّ ما أكتبه هو "تذكير" أكثر منه "تحذير". نحن لا نحتاج لمن يحذّرنا؛ ففي تصوّري كلّ شخص منّا هذه الأيام يعرف تماماً ما ينبغي عليه أن يعرفه، على الأقل فيما يتعلّق بالثوابت والمقولات الكبرى و"ما ينبغي أن يكون": العدو بيّن.. والحقّ بيّن.. والباطل بيّن.. وكلّنا من موقعه مُلزَم الحُجّة!
ومع هذا أتفهّم كيف يمكن لبعض قصائدي أن تُقرأ باعتبارها "تحذيراً"؛ فمثلاً، آخر مقطع، في آخر قصيدة، في ديواني "شريعة الإسمنت"، يقول: "يفنى البشرُ.. والاسمنتُ يفني.. هكذا قال الزلزال". وقد كُتِبَتْ هذه القصيدة القديمة نوعاً ما في وقت سابق على وقوع كثير من الأحداث العاصفة التي شهدناها لاحقاً مثل "الربيع العربيّ" المزعوم.
أمّا العلاقة بين ما هو "ثقافيّ" وما هو "سياسيّ" فهي علاقة عضويّة، باعتبار أنّ السياسة هي مناط ما اصطُلح على تسميته بـ "المجال العام"، وإنّ كان المجال العام نفسه هو عرضة للتحوير وإعادة التعريف و"الخصخصة" هذه الأيام!
ظنّي أنّ كلّ ما أكتب، وليس فقط الشعر، يأتي في إطار ما سبق وأن أشرتُ إليه: "التذكير" (تذكير نفسي قبل الآخرين) وإلزام الحُجّة!
لو تُرك الأمر لي لاعتبرتُ "الشعر العموديّ" هو الشعر، ولاحتفظتُ له حصراً بهذه التسمية. ولاعتبرتُ ما يُسمّى الشعر الحرّ/ شعر التفعيلة وما تُسمّى "قصيدة النثر" بمثابة جنسين أدبيّين منفصلين، بعيداً عن "المُشاحّة" في المصطلحات والتسميات.
المهم أنّ لكلّ جنس من هذه الأجناس الكتابيّة ممكناته الخاصّة، وطاقته التعبيريّة الخاصّة، ومقترحه الجماليّ الخاص.. والعبرة أو العمدة في نهاية المطاف على النتاج النهائيّ، كلّ نصّ بنصّه وكلّ شاعر بذاته وكلّ تجربة بذاتها. ليس كلّ شعر عموديّ يُكتَب "أصيلاً" بالضرورة، وليس كلّ شعر حرّ يُكتَب "حداثيّاً" و"مواكِباً"، وليس كلّ قصيدة نثرية تُكتَب "ركيكةً" و"متهتّكةً" و"متهافتةً"! شخصيّاً أرى أنّ جزءاً من النزاع القائم يدور حول كلمة "شاعر" نفسها، فلهذه الكلمة قيمتها ورمزيّتها ومكانتها ووقعها في ثقافتنا وتراثنا، والكّل يريد أن يكون له نصيب من ألق هذه الكلمة و"برستيجها".
لست متابعاً حثيثاً للخارطة الثقافيّة والشعريّة في الأردن إلاّ بمقدار هوايتي في القراءة وحضور ما تيسّر من فعاليات… أتصوّر أنّ هذه مهمة النقّاد والأكاديميّين، وهي أيضاً جزء من أزمتي النقد والأكاديميا اللتين نعاني منهما.
نحن في زمن "السيولة" كما يقول عالم الاجتماع "زيجمونت باومان"، أو زمن "نزع القداسة والمعياريّة" كما يقول "عبد الوهاب المسيري"، وفي زمن السيولة من السهل أن تصبح شاعراً مثلما أنّه من السهل أن تصبح أي شيء آخر! السيولة في المشهد الشعريّ هي مظهر للمشكلة، وليست أُسّ المشكلة.
الحديث عن البيئة الحاضنة للآداب والفنون حديث يطول، وذو شجون، ولا يمكن أن يكون إلّا في إطار حوار جماعيّ وجهد جمعيّ، على افتراض أن حسن النوايا حاصل عند الجميع! إذا كان هناك من شيء أرغب بقوله بهذا الخصوص فهو: أرجو الحذر، ففي كثير من الأحيان "سوس الخشب منه وفيه" كما يُقال!
وعلى ذكر "إدوارد سعيد" الذي ابتدأ به الحوار، أنا دائماً أطرح من باب التندّر على الزملاء من "المثقّفين" و"الأكاديميّين" ما أسمّيه "متلازمة إدوار سعيد": ماذا لو أنّ إدوارد سعيد كان مُدرّساً في جامعة "النجاح" أو "بيرزيت" أو "الأردنيّة" أو "اليرموك" أو أي جامعة عربيّة أخرى.. وكتب الذي كتبه نفسه وطرح الذي طرحه نفسه، ولم يأتينا مُكرّساً ومُعترفاً به (وجاهز مجهّز) من الغرب.. هل كان نتاجه سيُستقبل بذات الاحتفاليّة والاحتفائيّة؟ أم أنّ الكلّ وقتها، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن أدنى رتبة إلى أعلى رتبة، كانوا سيتسابقون لتفنيده وتسخيفه و"تكسير مجاديفه"؟!
مثلاً، الطريقة التي استُقبِلتْ وهوجمتْ بها طروحات الدكتور "عبد العزيز حمودة" ومشروعه النقديّ على أهميّته الفائقة مثال صارخ على "متلازمة إدوارد سعيد"، أو متلازمة "الإفرنجي برنجي" كما يُقال في اللهجة الشعبيّة!
شخصيّاً لا أتفق مع العديد من مواقف "إدوارد سعيد" السياسيّة أو المُسيّسة، ولكن الاختلاف في الموقف إزاء حدث بعينه أو تفصيلة بعينها شيء.. وأن ينسحب هذا الاختلاف على مجمل نتاج الشخص الفكريّ والمعرفيّ قبل حتى قراءته والاشتباك معه ومساءلته، فذلك شيء آخر!
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة