آخر الأخبار

أكاديميون ينتقدون "إلسيفير-ستانفورد".. مؤشرات علمية أم أدوات تجارية مشوشة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يكشف هذا التحليل العميق لما يُعرف بـ "قائمة ستانفورد لأعلى 2% من علماء العالم"، عن حقائق صادمة حول تبعية هذا المؤشر الذي يعكس في واقعه منتجا تجاريا لشركة "إلسفير" (Elsevier) وليس جائزة رسمية ترعاها جامعة ستانفورد.

بدأت القائمة كمبادرة بحثية عام 2019 نُشرت في دورية بلوس بيولوجي (PLOS Biology) بقيادة الباحث جون إيوانيديس (John Ioannidis) من ستانفورد، لمعالجة قصور مقاييس الاستشهاد.

لكن سرعان ما استُخدم اسم الجامعة كغطاء لتضليل الأوساط الأكاديمية وترسيخ هيمنة قاعدة بيانات "سكوبس" (Scopus).

ورغم أن أصحاب العلامة التجارية يصرحون بوضوح على موقعهم: "نحن لسنا تابعين أو مرتبطين أو مصرحاً لنا أو معتمدين من قِبل جامعة ستانفورد أو إلسفير…"، إلا أن التسمية خلقت "وهماً مؤسسياً" دفع العديد من الجامعات -لا سيما في العالم العربي- إلى اتخاذها معيارا ذهبيا للترقية والتوظيف.

مصدر الصورة موقع المؤسسة يؤكد عدم تبعيته لجامعة ستانفورد أو إلسفير المصدر: لقطة شاشة لموقع top2percentscientists.com

أفرز هذا سباقا محموما للانضمام إلى "نادي الـ 2%"، وهو تدافع وصفه الباحث ووترماير ورفاقه بأنه "نسج لأسطورة الجدارة بناء على مقاييس استشهادات مصطنعة". بل وإن تعجب فعجب تصرف بعض الجامعات العربية التي باتت لا تعترف -لأغراض الترقية- بالمجلات التي تصدرها هي نفسها إن لم تكن مدرجة في قاعدة بيانات "سكوبس"!

كيف تحول البحث العلمي إلى سلعة؟

تشمل قاعدة البيانات أكثر من مئة ألف عالم، يتم رصد الاستشهاد بمنشوراتهم عبر 22 مجالاً علمياً تتوزع على 174 تخصصاً فرعياً، مقدمة مقياسين: أحدهما للأثر الممتد طوال المسيرة المهنية، والآخر لأداء عام واحد. ووعد مبتكرو القائمة بأن تكون منصفة للأدوار القيادية (المؤلف المنفرد، الأول، الأخير) لحماية العلماء من الضياع في "الفرق الضخمة"، فضلاً عن إبراز التخصصات الفرعية الدقيقة واستبعاد الاستشهادات الذاتية.

إعلان

لكن، رغم تصريحهم بأنها "مصدر للتحليل وليست أداة تقييم نهائية"، تُستخدم القائمة بشكل متكرر وخاطئ من قبل الجامعات لاتخاذ قرارات التوظيف والترقية والتمويل؛ في تعارض صارخ مع "بيان ليدن" وإعلان "سان فرانسيسكو-دورا" اللذين يؤكدان أن التقييم الكمي يجب أن يدعم التقييم النوعي لا أن يحل محله.

وقد نتج عن ذلك ما أسماه الباحث مولر بـ "طغيان المقاييس"، وتجسد "قانون جودهارت" الذي ينص على أنه: "عندما يصبح المقياس هدفاً، فإنه يتوقف عن كونه مقياساً جيداً". لقد اكتسبت القائمة "قيمة شعبوية" تقيس الشعبية لا الجودة، وخدمت غرضا تجاريا يحول النشر الأكاديمي إلى بنية اقتصادية تتحكم فيها كارتيلات النشر.

كما يجادل الباحثان بوسادا وولش، فإن هذه التصنيفات تجسد منطق السوق، مما يعرض النزاهة العلمية للخطر ويخلق "حوافز منحرفة"؛ مثل قيام بعض الباحثين باستغلال وزن "المؤلف الأخير" لإدراج أسمائهم في أوراق لفرق ضخمة دون مساهمة فعلية (تضخيم التأليف المشترك).

"الفضائح المنهجية".. الكنز الصحفي الضائع

يرتكز المؤشر على قاعدة بيانات "سكوبس"، ورغم مظهرها المتطور، فقد تضررت القاعدة (عام 2023) بسبب خلل في مراقبة الجودة وغياب الفحص المنطقي، وهو ما تؤكده الاختلالات الغريبة التالية:

الموتى الأحياء ينشرون

تتضمن القائمة باحثين توفوا منذ أكثر من قرن ومع ذلك أُدرجوا كما لو أنهم نشروا مؤخراً. من الأمثلة الصارخة اللورد كلفن (توفي عام 1907) والمدرج على أنه نشر حتى عام 2011، وويليام مارشال بفترة تمتد لـ 187 عاما.

وتدرج القاعدة 221 مؤلفا يُزعم أنهم ينشرون منذ أكثر من 80 عاما. وكما جاء في دراسة أوليري، هذا التراكم يخلق منافسة غير عادلة مع الباحثين الأحياء الذين يصارعون ضغوط "انشر أو اندثر".

الصحفيون يتفوقون على حائزي نوبل

لكون القاعدة تسمح بإدراج المواد الصحفية، فشلت المنهجية في التمييز بين البحث المحكم والخبر. أدى ذلك لتصنيف صحفية مثل "إليزابيث ماهاسي" (من المجلة الطبية البريطانية) ومحررين من مجلة نيتشر (Nature) في مراتب عليا متفوقين على حائزي جائزة نوبل مثل أردم باتابوتيان وآلان أسبكت. وقد انتقد الباحث "مازيك" بشدة هذا الخلل بوصفه مأزق "البيانات المتسخة" الذي يُعد إهانة للبحث العلمي التجريبي.

المؤسسات تُعامل كأفراد

تم إدراج مؤسسات مثل مراكز السيطرة على الأمراض (CDC) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) كباحثين أفراد. يحذر الباحث جينغراس (Gingras) من أن الخلط بين الهيئات المؤسسية والعلماء الأفراد يقوض مبدأ المنافسة العلمية.

تضمين أبحاث مسحوبة (Retracted)

كشف تحديث يربط البيانات بقاعدة ريتراكشن ووتش (Retraction Watch) أن ما يقرب من 3.3% إلى 4.0% من هؤلاء النخبة لديهم منشور مسحوب على الأقل. ومن الحالات اللافتة، اكتشاف رسالة نُشرت عام 2024 في مجلة تابعة لـ سبرينغر نيتشر (Springer Nature) اعتمدت على مراجع وهمية ولّدها الذكاء الاصطناعي.

وفي تحليل أوسع للباحث ليونيد ورفاقه، رُبط 39,468 مقالا مسحوبا ببيانات سكوبس، وتبين أن من لديهم سحوبات يميلون لتحقيق نتائج نشر واستشهادات ذاتية أعلى.

إعلان

الخلل الرياضي في المؤشر سي-سكور (C-score)

يعتمد التصنيف على الدرجة المركبة سي-سكور (C-score) المشتقة من ستة مقاييس ببليومترية. لكن المراجعات النقدية كشفت أن المعادلة الرياضية تعاني من خلل هيكلي؛ فهذه المكونات مترابطة إحصائياً بشكل عالٍ، مما يؤدي إلى "عدّ مزدوج" وخلق "دقة زائفة". بل إن مكونين فقط سيطرا على 40% من تباين التصنيف، بينما لم تتجاوز مساهمة "المؤلف المنفرد" 9%.

برزت هنا مفارقة "ذكاء الموقع"؛ فقد أوضح أوليري أن الباحث الذي لديه 500 استشهاد بصفته مؤلفا منفردا سيتفوق على باحث لديه 3000 استشهاد كـ "مؤلف ثانوي" في فريق كبير. بفضل هذا المؤشر يمكن لباحث مستجد نشر ورقة واحدة أن يقفز فوق باحثين مسيرتهم طويلة. وكما ينسب لفلاديمير نابوكوف: "كن قائدا فالتاريخ لا يتذكر الجنود".

التحيزات الهيكلية المتأصلة

ليست القائمة مؤشراً محايداً، بل تعكس تحيزات بنيوية تقصي إنتاجات علمية وأكاديمية هائلة خارج الاهتمامات الغربية:

التحيز اللغوي

يهمش التصنيف الأبحاث المنشورة بغير الإنجليزية. وكما لاحظ مونجون وبول-هوس، فإن الأبحاث في العلوم الإنسانية المكتوبة بلغات محلية (كالعربية) تُستبعد تماماً، ليصبح المقياس "أنجلوفونياً" بامتياز، ويجعل مقولة (Publish or Perish) في حقيقتها: "انشر (باللغة الإنجليزية) أو اندثر!".

التحيز الجنساني

في تحليل للباحثين في إحدى الدول العربية بلغت نسبة الإناث حوالي 6.1%، وفي مجال طب الأسنان عالمياً شكلت النساء 14.8% فقط.

التحيز للمجال

تحابي القائمة المجالات كثيفة الاستشهاد (كالعلوم الطبية الحيوية) على حساب مجالات ذات ثقافة نشر أقل (كالرياضيات والفيزياء النظرية)، مما يخفي اختلافات كبيرة بين المجالات كما أشار وولتمان.

التحيز العمري و"تأثير ماثيو" (Matthew Effect)

تكافئ القائمة "النخبة القديمة" وتهمش الشباب؛ حيث "يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً". وقد كشفت دراسة ضخمة لمؤسسة (RoRI) شملت 109 آلاف طلب تمويل أن التمويل الأول يتحول إلى بوابة حصرية للموارد المستقبلية.

التحيز الإقليمي

في تحليل لعلماء طب الأسنان، تبين أن 96.1% من كبار العلماء يتمركزون في البلدان ذات الدخل المرتفع. وحافظت خمس دول (أمريكا، بريطانيا، ألمانيا، كندا، اليابان) على المراتب الأولى لسنوات.

مصدر الصورة باحثون في محطة تجارب هندسية (أسوشيتد برس)

التلاعب بالمقاييس

عبر إستراتيجية تجزئة البحث الواحد لأوراق صغيرة (سحق السجق) حيث رصد إيوانيديس باحثين ينشرون ورقة كل 5 أيام، فضلاً عن "الاستشهاد الذاتي" الذي يؤدي استبعاده إلى هبوط حاد في ترتيب دول وباحثين بأكملهم.

التحيز الأخطر النتائج الإيجابية

وهو التمييز المؤسسي ضد النتائج السلبية (الصفرية)، خاصة في الأبحاث الممولة تجارياً، مما يضخم الفعالية الظاهرية للتدخلات العلاجية ويهدد صحة الناس ورفاههم باحتكار الدلالات الإحصائية لصالح الرعاة.

ردود أصحاب المؤشر.. "لا تلوموني ولوموا أنفسكم"

أمام هذه الانتقادات، يرفض إيوانيديس وزملاؤه التراجع عن المشروع، معتبرين إياه "مرآة للواقع العلمي بكل عيوبه ومزاياه". ويقترحون إضافة مزيد من "الكواشف/الفلاتر" (كبيانات السحب والاستشهاد الذاتي) للتعامل مع البيانات المتسخة ومصانع الأبحاث، مجادلين بأن سحب الأبحاث ليس دائماً دليلاً على التزوير.

وكان ردهم الأبرز هو تحميل المؤسسات مسؤولية "التوظيف الخاطئ للمؤشر"، بإلقاء اللوم على الجامعات والجهات الحكومية التي تستخدم القائمة كـ "جائزة" أو "معيار وحيد" للتعيين والترقية. فهم يدافعون عن منهجيتهم بأن العيب ليس في الأرقام، بل في الثقافة الأكاديمية التي "تُقدس المقاييس". وردا على نقد (فورثمان وآخرين) حول التكرار الرياضي، يجادل إيوانيديس بأن المؤشر يظل "الأفضل المتاح" مقارنة بمؤشر هيرش التقليدي.

من أداة قياس إلى سلطة أكاديمية

وهكذا نستخلص من أكثر من تسعين دراسة مرجعية أن هذه القائمة تحولت من استفسار بحثي مشروع إلى آلية فعالة تجاريا لكنها معيبة منهجيا وعلميا.

إعلان

لقد باتت القائمة "أداة تقنية جيدة للتحليل، ولكنها كارثة إذا استُخدمت كمعيار وحيد للترقية"؛ إذ تُكافئ "الذكاء الإحصائي" (فهم كيفية التلاعب بالمواقع) أكثر من الابتكار العلمي الحقيقي.

من المستغرب تدافع الأوساط الأكاديمية نحو هذه التصنيفات مع علمهم بمحدوديتها. كيف يمكن لمؤشر يدّعي قياس التأثير العالمي أن يبقى الباحث فيه غير مرئي في المجال العلمي إلا لحظة الإعلان السنوي عن المؤشر والذي أصبح "عيداً أكاديمياً" بُني على الأساطير؟ بينما الأولى حقيقة هو أن تتحلل المؤسسات التعليمية من قيود وإغواءات هذه الأدوات الموجهة في عصر "ما بعد الحقيقة".

إن المعضلة تكمن في المنظومة التي تعيد تعريف شروط الاعتراف وفق مبدأ: "ما لا يُفهرس لا يُقاس، وما لا يُقاس لا يُعترف به، وما لا يُعترف به يتراجع في توزيع الموارد".

تتحول القوائم بذلك -حتى دون نية تحيز مباشر- إلى وسيلة لإعادة إنتاج المركزية اللغوية والمؤسسية.

لا نحاول تقويض شرعية القائمة كأداة ببليومترية، ولكن الخطورة تكمن في تضخيم سلطتها التأويلية وتوظيفها خارج شروط إنتاجها؛ حيث تتحول الاستشهادات -التي تعكس في باطنها مصالح شبكات النشر أكثر من الصرامة المنهجية- إلى ختم نهائي للجودة. ففي النهاية: قلة الاستشهادات ليست عيباً، وكثرتها ليست بالضرورة تميزاً.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار