ينطلق الروائي المغربي محمد سعيد أحجيوج في روايته الجديدة "يد من رمال" نحو تفكيك السرديات الكبرى ومساءلة "الحقيقة الرسمية" حول القضية الفلسطينية، عبر مقاربة فنية تتجاوز الخطاب العاطفي لتختبر قدرة السرد على إنتاج "لا يقين أخلاقي". ففي هذا العمل، يغوص أحجيوج في "الأساطير المؤسسة لإسرائيل، والدماء الفلسطينية التي سالت، والحقائق التي دُفنت"، متكئا على وعيه النقدي الحاد الذي سبق وأن طرحه في كتابه "البوليفونية الزائفة في الرواية العربية".
والتقت الجزيرة نت الكاتب المغربي في حوار يفكك فيه آليات إنتاج "الحقيقة" وعلاقتها بمثلث (القوة والسرد والشرعية).
وتبرز في هذا الحوار جرأته في اختيار صوت "الجاني الإسرائيلي" كبطل لروايته بدلاً من الضحية، في محاولة لهزّ يقينيات القارئ، وإخضاعه لاختبار أخلاقي مربك بعيدا عن التعاطف التقليدي، مع تسليط الضوء على فخ السقوط في الأيديولوجيا الذي تعاني منه الرواية العربية على حساب الفن.
قبل الحرب الأخيرة على إيران كان مفهوم "السردية" محدود الاستخدام بين عدد محدود من النقاد والمفكرين. لكن اليوم صار اللفظ على كل لسان، وها أنت تستخدمه في سؤالك بشكل عفوي. وأعتقد أن هذا في حد ذاته جواب على سؤالك عن اختراق السردية السياسية للذاكرة الفردية.
مسألة الحرية الشخصية والاستقلال الفردي نتعامل معها بسطحية ومبالغة. الإنسان كائن هش، وأيضاً مغرور، يعتقد نفسه مالكاً زمام نفسه، لكنه يغفل عن حقيقة أنه يسهل السيطرة عليه وتوجيهه. ولا أقصد هنا التوجيه الفكري فقط، القائم على الأيديولوجيات، بل أيضاً التوجيه الاستهلاكي، مثل ما تفعل الإعلانات التجارية، وغير ذلك.
خلاصة القول، وجواباً عن السؤال بشكل مباشر، الذاكرة الفردية مخترقة والاستقلال الفردي مجرد وهم، حتى حين نتحدث عن الذاكرة المقاومة فإنما هي أيضاً مخترقة لكن من سردية أخرى مختلفة، ليس إلا. لا يملك الفرد أن يتخلص من هذه الهيمنة الخارجية، لكنه يملك أن يخفف منها، أولاً بالوعي بها، وثانياً بامتلاك التفكير النقدي لمساءلة كل شيء وعدم التسليم بأي سردية كيفما كانت.
"الذاكرة الفردية مخترقة والاستقلال الفردي محض وهم .. ألا يملك الفرد الانعتاق من هذه الهيمنة الخارجية أولا بالوعي وثانيا بامتلاك التفكير النقدي لمساءلة كل شيء؟!"
أولاً وقبل كل شيء هي رواية، وللرواية متطلباتها الفنية. وأبرز ما أنتقده في الرواية العربية هو سقوطها في فخ الأيديولوجيا على حساب المتطلبات الفنية للنص الأدبي، لذلك لا يمكنني أن أفعل الأمر نفسه، على الأقل ليس بشكل واع، ولذلك فإن "يد من رمال" هي نص روائي قبل أي شيء آخر.
أما عن سؤالك، مشروعي في مجمله، بدءاً من "أحجية إدمون عمران المالح"، ثم "متاهة الأوهام" و"كهف الألواح"، قائم على تفكيك السرديات (وأنا أستخدم مفهوم السردية من قبل أن يصير مستهلكاً في الإعلام هذه الأيام) ومساءلة القناعات والأوهام الأيديولوجية.
ولذلك، نعم، رواية "يد من رمال" تقوم على الأمر نفسه، وتغوص عميقا في تفكيك السرديات الدينية، بخاصة التوراتية، وكيف تؤسس إسرائيل كل اشتراطات وجودها على تلك السرديات. هذا ما تحفر فيه الرواية وتنقده، لكن ليس بشكل مباشر وتقريري كما يفترض في المقالات الفكرية، بل بصيغة مندمجة عضويا في النسيج الحكائي للرواية.
يمكنك أن تجد لقى مادية في حفريات عميقة تشير إلى حدث تاريخي ما، مع ذلك ستجد تفسيرات متناقضة مبنية على نفس "الأدلة التاريخية المادية". لذلك أقول دائما، لا توجد حقيقة تاريخية ولا حقيقة من أي نوع، المسألة دوماً: وجهة نظر. ولنا في قصة الفيل والعميان خير مثال؛ فكل أعمى وصف الفيل من الزاوية التي تحسسها، وهكذا نحن جميعاً، ولا أحسبني خارج هذه الفخاخ السردية.
أما عن روايتي "يد من رمال"، لو قدمتها من زاوية نظر الضحية فلن يكون ثمة جديد. كل الروايات العربية التي تتحدث عن القضية الفلسطينية تسجن نفسها دائماً في سجن المظلومية. لذلك، لكي أقدم جديدا فعليا للقارئ العربي، كان عليّ أن أقلب كل شيء وأغوص في عقل الجاني وأفكك سرديته من داخلها، وأترك القارئ يراها تتفتت أمامه دون تقريرية فجة.
يتأسس اختياري هذا على إيماني بنسبية الحقيقة. الكتابة من زاوية نظر الجاني هي فعلاً هزّ لثقة القارئ المفرطة في قناعاته، ووضعه في موقع أخلاقي مربك يقوم على مساءلة أفكار المتلقي نفسه، من خلال كشف الأوهام التي تبرر العنف. في العالم الواقعي لا يوجد خير مطلق ولا شر مطلق، بل كل فرد يحمل داخله النقيضين ويعتبر ما يقوم به خيراً مطلقاً.
لدينا طرفان يحاربان بعضيهما، وكل منهما يعتبر نفسه مالكاً للحقيقة المطلقة، وإذا نظرنا من زاوية خارجية فسنراهما معاً على حق ومعاً على خطأ. في الرواية يكتشف البطل أن ما كان يقاتل من أجله هو مجرد وهم، وهذا ما أحاول قوله: ليس "هذه هي الحقيقة وتلك وهم"، إنما كل الحقائق أوهام مسكونة بنسبية زاوية النظر.
"روايتي الجديدة تغوص عميقا في تفكيك السردية الدينية وبخاصة التوراتية، وكيف تؤسس إسرائيل كل اشتراطات وجودها على تلك السرديات، وهذا ما تحفر فيه الرواية وتنقده بصيغة مندمجة عضويا في النسيج الحكائي."
لا أفصل بين الرواية والوثيقة. من زاويتين: الرواية هي أيضاً وثيقة، هي في حد ذاتها وثيقة، ومن زاوية أخرى، معاكسة تماما، الوثيقة هي أيضاً رواية، مجرد رواية واحدة من بين روايات متعددة.
هنا تحديداً يكمن المعنى الدقيق لمصطلح السردية الذي صار يُتداول بسطحية في الإعلام. إنه يعني أن الحقيقة نسبية (طبعاً حين ننظر إليها من الخارج، أما من داخلها فكل حقيقة هي مطلقة، وهذا في حد ذاته يثبت نسبيتها).
لكن لو سأتعامل مع سؤالك بمعناه الحرفي فإن "التوثيق" الذي تجنح إليه الرواية هو مجرد أسلوب فني يختاره الكاتب عن وعي، إذا كان يملك بعض الوعي وشيئاً قليلاً من الاستقلالية الفردية، أو يلجأ إليه مدفوعاً بالتقليد والرضوخ لمتطلبات السوق التي تسيطر على وعيه وانفعالاته.
تماما، وحتى لو عدت إلى روايتي الأولى التي تناولت فيها القضية الفلسطينية، "أحجية إدمون عمران المالح"، فإن هاجسي كان، وما يزال، هو تفكيك السرديات الكبرى ومساءلة ما يوصف بأنه الحقيقة الرسمية. ولأن الرواية لها متطلباتها الفنية، التي للأسف يغفل عنها كثير من الكتاب العرب، وهو ما أتحدث عنه تحديداً في كتابي "البوليفونية الزائفة في الرواية العربية"، فإنني، على قدر المستطاع، لا أستسلم للموضوع (الفكري) على حساب الشكل (الفني)، واختيارات زوايا النظر والمنعطفات الحكائية، وبناء الشخصيات، وما إلى ذلك، مثل البناء على ثنائية الأسطورة والدم، يدخل تماماً في منح النص الروائي حقه الذاتي في ممارسة اشتراطاته الفنية.
في هذه الرواية تحديداً، وعلى عكس ما سبقها من روايات، لم ألجأ إلى أسلوب الميتاسرد لأنه لا يخدم الاختيارات الجمالية للرواية. دائما ما أقول إن الشكل الفني للرواية لا ينفصل عن مضمونها، وإذا كنت أختار الميتاسرد فليس لأنني مهووس بها هكذا بشكل سطحي، إنما لأن الرواية فرضت ذلك الاختيار.
أما في "يد من رمال" فطبيعة المضمون تماهت مع اختيارات جمالية مختلفة ولم تتطلب اعتماد التجريب الشكلي وتداخل أصوات الميتاسرد. غير أنها فرضت نوعاً مختلفاً من التجديد تمثل بشكل أساسي في تبني السرد من زاوية نظر الجاني، الإسرائيلي، على غير ما هو معتاد في الرواية العربية. وبرأيي أن التجريب في الرواية لا يكون فقط من خلال الشكل الفني، بل أيضاً من خلال المواضيع والثيمات التي تتناولها الرواية.
في تجاربي الأخرى تظهر الرواية واعية بنفسها، وحتى أنها أحياناً تسائل نفسها. هذا يندرج تماماً ضمن مشروعي في تفكيك السرديات. فالرواية عندي تدرك أنها رواية وتدرك نسبية الحقيقة وهيمنة زوايا النظر على تشكل الحقيقة، وترسيخ سردية الطرف المهيمن.
ينبع حذري من إدراكي للمغالطات السردية وكيف تهيمن الأساطير المؤسسة للجماعة (السرديات الكبرى) على التوجهات الفردية. ربما هذا أحد أسباب اعتمادي أسلوب الميتاسرد في أكثر من رواية، لأنه أداة فنية تسمح للرواية بمساءلة نفسها، وقلب كل الحقائق رأساً على عقب، وبالتالي السماح بتعدد زوايا النظر والحقائق ونقائضها معاً جنباً إلى جنب. هذا كان مفيداً في روايتي "أحجية إدمون عمران المالح"، فلولا ذلك ما كان للرواية أن تنجح في عرض التناقضات التي تمور في ذهن بطل الرواية بين كونه مغربيا من جهة، وإسرائيليا من جهة أخرى.
"أعتمد في كتابة الرواية على السماح بتعدد زوايا النظر والحقائق ونقائضها ومساءلة الرواية لنفسها، ولولا ذلك لما نجحت روايتي الأولى في عرض التناقضات التي تمور في ذهن البطل."
هذا هو عين التجديد الذي قلت في كتابي "البوليفونية الزائفة في الرواية العربية" إن الرواية العربية تفتقده لصالح هيمنة التجديد أو التجريب الشكلي السطحي. والحق أن هذا ليس بمحاولة جديدة لدي في "يد من رمال"، بل هي محاولات تعود إلى أغلب رواياتي السابقة. هنا، قبل أن أكتب، أضع نفسي في مكان القارئ: ماذا ستقدم لي هذه الرواية؟ بصفتي قارئاً فإنني أتخلى عن متابعة قراءة الكثير جداً من الروايات، لسبب بسيط أنها تقع في التكرار ولا تقدم لي أي جديد. لذلك، حين أنتقل إلى كرسي الكاتب أضع هذا نصب عيني: هل تقدم الرواية أي جديد للقارئ مقارنة مع ما هو متوفر في المكتبات؟ إن كانت لا تقدم جديداً فإنني أتخطاها إلى غيرها.
بشكل آني وفوري لا تملك الرواية، بصفتها صوتاً فردياً، أي سلطة على إعادة كتابة التاريخ ولا صناعة الأسطورة المؤسسة، لأنها عندها تتوقف عن كونها رواية لتصير منشوراً دعائياً أو كتاباً مقدساً. ما تحاوله الرواية هو الكشف والتساؤل وتحفيز القارئ على المساءلة النقدية، من خلال تسليطها الضوء على آليات كتابة التاريخ، المركّز أساسا في كشف طرق عمل السرديات.
حتى إذا ما امتلكت رواية ما، يوماً ما، سلطة إعادة كتابة التاريخ، فإنه لا يفترض بها أن تفعل ذلك؛ لأنها ستكون مجرد أداة في يد السلطة الجديدة التي تريد إعادة كتابة التاريخ لمصلحتها الخاصة. الرواية عندي هي أداة مساءلة ونقد، لا يجب أن تصطف إلى جانب على حساب آخر، بل أن تبقى دوماً أداة للكشف والحفر والتفكيك وعرض وجهات النظر المتعددة، وليس آلية لفرض هيمنة وجهة نظر محددة على أخرى.
أكرر، طالما أنه لا توجد حقيقة مطلقة، وكل الحقائق خاضعة لزوايا النظر، فإن الرواية تموت إذا أرادت إعادة كتابة التاريخ، من منطلق أن إعادة الكتابة تعني إزالة حقيقة معينة لترسيخ حقيقة أخرى. الرواية بهذه الطريقة لا تزيد عن كونها مجرد أداة في يد السلطة.
أعترف هنا أن هذا ليس بالأمر السهل، فنحن أبعد ما نكون عن التوصيف بأننا كائنات فردية مستقلة حرة في اختياراتها وقناعاتها، لكني أحاول على قدر ما أستطيع الآن. قد أنجح حيناً وقد لا أنجح أحياناً، المهم أنها صيرورة مستدامة وليست فعلاً واحداً ثابتاً في نقطة زمنية وحيدة.
لا تفترض الرواية قارئاً معيناً بل تتمناه. أن تفترضه يعني أنه موجود وأنها تقيد نفسها به، أما أن تتمناه فهو إدراكها أن ذلك القارئ غير موجود بعد، وهي منفتحة على أي قارئ ومستعدة للسير معه لعله يرتقي معها إلى حيث تريد من مستويات النقد والتفكيك. أما هل يكون القارئ شريكا في تعيين الحقيقة أم يبقى ضحية السرد فهو، في حالته المثلى، الاثنان معاً. هو ليس قارئاً سلبيا بالمطلق لا يفعل إلا الاستهلاك، وليس قارئا منغلقا على قناعاته يأتي النص فاتحاً غازيا ليفرض عليه سرديته.
أقول إن الحقيقة المطلقة مجرد وهم، وأن يشارك القارئ في تعيين الحقيقة داخل النص الروائي هو في الغالب فرض ما يعرفه القارئ مسبقا على النص. إنما الأمر يكمن في حاجتنا إلى خلق نوع من التوازن بين "الحقائق"، لكن ليس بمعنى إمساك العصا من الوسط في تعاطينا مع السرديات المتصارعة، بل من حيث إدراكنا للوهم القابع، للأكاذيب الكامنة، في كل سردية، وبالتالي التعامل معها بنوع من التعاطف، أو الشفقة، أو الإدراك لمحدوديتها وزيفها.
الحروب جميعها تقوم على السرديات التي تتأسس عليها قناعاتنا، ويبقى أن لكل رواية متطلباتها الفنية، فالشكل الفني للرواية لا ينفصل عن مضمونها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة