قد يبدو يوم الطفل الصغير قصيرا ومليئا بالجلوس بين الطعام والنوم واللعب، لكن حركة صغيرة تتكرر عشرات ومئات المرات قد تصنع في نهاية اليوم رقما لا يتوقعه كثير من الآباء.

فبين الركض خلف كرة والتنقل بين الغرف واللعب في الحديقة والصعود والنزول، لا تبدو أي من هذه الحركات وحدها استثنائية. لكن جمعها في يوم واحد يكشف صورة مختلفة تماما عن مستوى النشاط لدى الأطفال في سنواتهم الأولى.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 شقيقتان أفغانيتان تُحوّلان فن النحت على الخشب إلى مصدر دخل
* list 2 of 2 الكومبارس.. شركة حكمت العالم end of list

هذا ما تكشفه دراسة دولية بعنوان "القيم المرجعية العالمية للخطوات اليومية لدى أطفال ما قبل المدرسة"، وهي تحليل شمل أطفالا في الثالثة والرابعة من العمر من 44 دولة، ضمن مشروع "صنرايز" (SUNRISE) الدولي.

الباحثون لم يسألوا عن كم يتحرك الأطفال فقط، بل وضعوا بيانات حركتهم اليومية في سياق عالمي، لتظهر فروق لافتة بين الأعمار والبيئات والجنسين.

مصدر الصورة الدراسة أتاحت للباحثين مقارنة حركة أطفال من بيئات مختلفة ومستويات دخل متفاوتة (شترستوك)

الرقم أكبر مما نتوقع

وبلغ متوسط عدد الخطوات التي سجلها الأطفال المشاركون في الدراسة 18 ألفا و542 خطوة يوميا.

ولم يكن الرقم متساويا بين جميع الأعمار؛ فالأطفال الذين هم في الثالثة سجلوا نحو 17 ألفا و500 خطوة في المتوسط، بينما اقترب العدد لدى من هم في الرابعة من 19 ألف خطوة.

لكن الرقم الأكثر إثارة للاهتمام ربما لا يكمن في المتوسط نفسه، بل في الفرق الكبير بين عدد الخطوات التي يخطوها الأطفال.

فقد تراوحت النتائج من نحو 1100 خطوة فقط في اليوم إلى قرابة 29 ألفا و800 خطوة، أي أن الفرق بين طفل قليل الحركة وآخر شديد النشاط قد يتجاوز 25 ألف خطوة في اليوم نفسه.

والسبب أن الدراسة لم تتعامل مع المشي باعتباره تمرينا رياضيا مستقلا، بل قاست الحركة التي يقوم بها الأطفال بصورة طبيعية في حياتهم اليومية.

مصدر الصورة الدراسة قاست مقدار حركة الأطفال في أعمار مختلفة وفي دول عديدة (شترستوك)

كيف عُدّت خطوات الأطفال؟

اعتمد الباحثون على بيانات جمعت بين عامي 2018 و2025 ضمن دراسة "صنرايز" الدولية، التي تنسقها جامعة ولونغونغ الأسترالية.

إعلان

وارتدى الأطفال أجهزة استشعار لقياس الحركة حول منطقة الخصر مدة ثلاثة أيام على الأقل، لتسجيل مستوى نشاطهم في اليوم الواحد.

وشملت الدراسة أكثر من 3500 طفل في سن الثالثة والرابعة من 44 دولة، مما أتاح للباحثين مقارنة حركة أطفال من بيئات مختلفة ومستويات دخل متفاوتة.

والهدف لم يكن تحديد عدد الخطوات الذي "ينبغي" لكل طفل الوصول إليه، بل إنشاء صورة عالمية عن مقدار الحركة في مرحلة عمرية لا تزال البيانات المتعلقة بها محدودة مقارنة بالأطفال الأكبر سنا والبالغين.

مصدر الصورة الدراسة وجدت أن أطفال الريف يسجلون نحو ألفي خطوة إضافية مقارنة بأقرانهم في المدن (شترستوك)

طفل الريف يتحرك أكثر من طفل المدينة

عندما انتقل الباحثون من عدّ الخطوات إلى مقارنة البيئات التي يعيش فيها الأطفال، ظهرت مفارقة أخرى.

فالأطفال الذين يعيشون في بلدان منخفضة الدخل سجلوا في المتوسط نحو 23 ألف خطوة يوميا، أي أكثر بنحو 5 آلاف خطوة من أطفال البلدان المرتفعة الدخل.

كما سجل الأطفال الذين يعيشون في المناطق الريفية نحو ألفي خطوة إضافية يوميا مقارنة بنظرائهم في المدن.

وتشير هذه الفروق إلى أن حركة الطفل لا تعتمد فقط على رغبته في اللعب أو نشاطه الشخصي، بل تتأثر أيضا بالبيئة التي يقضي فيها يومه والفرص المتاحة له للحركة.

فالطفل الذي يعيش في بيئة تتيح له التنقل والمشي واللعب خارج المنزل قد يجمع آلاف الخطوات من دون أن تكون هناك حصة رياضية محددة في يومه.

مصدر الصورة الركض خلف كرة والتنقل بين الغرف واللعب في الحديقة حركات تكشف صورة مختلفة تماما عن مستوى النشاط (غيتي)

الأولاد أكثر حركة من البنات

كشفت البيانات أيضا عن فرق بين الجنسين ظهر في سن مبكرة. فالأولاد الذين هم في الثالثة سجلوا نحو 1640 خطوة إضافية يوميا مقارنة بالبنات من العمر نفسه، وبلغ الفرق بينهم في الرابعة نحو 1150 خطوة.

ويرجح الباحثون أن تكون الاختلافات في أنماط اللعب والأنشطة الترفيهية، إلى جانب العوامل الاجتماعية والثقافية، من بين الأسباب التي تقف وراء هذا التفاوت.

كما أشاروا إلى انخفاض عدد الخطوات لدى الأطفال ذوي الوزن الأعلى، واقترحوا إيلاء اهتمام خاص للبنات والأطفال ذوي النشاط البدني الأقل عند تصميم البرامج التي تشجع الحركة في مرحلة الطفولة المبكرة.

مصدر الصورة الأولاد يتقدمون على البنات في متوسط عدد الخطوات اليومية (شترستوك)

هل يحتاج الطفل إلى 18 ألف خطوة؟

هنا تكمن النقطة التي قد يُساء فهمها عند قراءة الرقم لأول مرة.

الدراسة لا تقول إن الطفل في الثالثة أو الرابعة يحتاج إلى تحقيق 18 ألف خطوة يوميا، ولا تقدم حدا أدنى أو هدفا يوميا للخطوات.

فالخطوات وحدها لا تصف كل النشاط البدني للطفل، ولذلك يرى الباحثون ضرورة إجراء دراسات لاحقة تبحث ربط هذه البيانات بعوامل أخرى، مثل الوقت الذي يقضيه الطفل جالسا وأنماط نومه.

توصي منظمة الصحة العالمية الأطفال الذين هم بين الثالثة والرابعة بممارسة النشاط البدني لمدة 180 دقيقة على الأقل موزعة على مدار اليوم، على أن تكون 60 دقيقة منها على الأقل من النشاط المتوسط أو المرتفع الشدة.

وبذلك تصبح 18 ألف خطوة أقرب إلى صورة لما يفعله الأطفال فعليا منها إلى رقم مطلوب من الأهل ملاحقته يوميا.

منظمة الصحة العالمية توصي الأطفال بالنشاط البدني 180 دقيقة على الأقل يوميا (الأوروبية)

يوم صغير.. وحركة كثيرة

تكشف الدراسة في النهاية شيئا أبسط من الرقم الكبير: الطفل الصغير لا يحتاج بالضرورة إلى أن "يذهب للرياضة" حتى يكون كثير الحركة.

إعلان

فاللعب والتنقل والاستكشاف والركض والحركة العفوية تتراكم طوال ساعات اليوم، وقد تحول يوما يبدو عاديا في عين الكبار إلى آلاف الخطوات.

ولهذا يأمل الباحثون أن تساعد هذه البيانات في وضع مراجع عالمية للنشاط البدني في مرحلة ما قبل المدرسة، بما يسمح بفهم حركة الأطفال بصورة أدق، بدلا من النظر إليها في رقم واحد أو نشاط واحد.