في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بمجرد أن تطأ قدماك ساحة أودان بقلب العاصمة الجزائرية أو تتجول في شارع ديدوش مراد تفاجئك مشاهد بصرية وسيمفونيات صوتية لم تكن مألوفة قبل سنوات قليلة، جدران إسمنتية باردة تحولت إلى لوحات تنبض بالحياة وأرصفة صامتة أصبحت مسارح مفتوحة تحتضن موسيقيين محترفين وهواة يعزفون بشغف.
إنه "فن الشارع"، الظاهرة التي انتشرت في الجزائر العاصمة وحملت معها أسئلة حول الهوية الثقافية والفضاء العام، وحدود ما بين حرية الإبداع والنصوص القانونية. بين من يراها متنفسا جماليا وسياحيا ومن يتساءل عن شرعيتها، اقتربت "الجزيرة نت" من هؤلاء الشباب لفهم فن اختار الشارع بدلا من القاعات المغلقة.
في ظل النقص الملحوظ في قاعات العرض الكلاسيكية، وجد الشباب الجزائري في الشارع فضاءه الطبيعي. لم يكن هذا الخيار عبثيا، بل قرارا واعيا للوصول إلى جمهور أوسع وكسر الحواجز التقليدية بين الفنان والمتلقي.
يقول الفنان التشكيلي مياح إبراهيم، خريج المدرسة العليا للفنون الجميلة، في حديثه للجزيرة نت: "اخترت الشارع لأنني نشأت في حي شعبي، وهو مصدر إلهامي. الدراسة الأكاديمية ليست كل شيء.. اليوم أرسم شخصيات الأنمي والوجوه وحتى المعالم الجزائرية كالقصبة، والناس يقبلون عليها بشغف".
هذا التوجه إلى الفضاء المفتوح يتجلى أيضا في الموسيقى. يروي العازف الشاب قشاشا محمد (38 عاما) لـ"الجزيرة نت" رحلته مع موسيقى الديوان والفن الشعبي، مؤكدا أن "الشارع هو من اختاره"، ويضيف: "جئت إلى شارع ديدوش مراد لأكسر جميع الحواجز بيني وبين الناس. قد يكون عزفي بسيطا، لكن نغمتين صادقتين قد تكفيان للوصول إلى القلوب".
على مدخل ساحة أودان، اتخذ الفنان العصامي عبد العزيز مكانا ثابتا لعزفه. يقول لـ"الجزيرة نت" إن ما يقدمه "فن من أجل المتعة، ولتقديم ثقافة راقية تليق بالعائلات"، موجها نداء لزملائه: "لا تختبئوا، اخرجوا للعلن، فالفنان هو من يصنع فرصته".
وتشاركهم الحلم مايا (16 عاما)، التي تروي لـ"الجزيرة نت" كيف انتصرت على خجلها: "في البداية كنت أتردد، لكن بمجرد أن أبدأ العزف مع خالي أمام المارة، أندمج في الموسيقى وأنسى أنني في فضاء عام مفتوح".
تفاعل سكان العاصمة مع فنون الشارع لم يكن على وتيرة واحدة، إذ تأرجح بين الإعجاب والرفض، مع ميل واضح لصالح التشجيع.
خلال جولة ميدانية، استطلعت "الجزيرة نت" آراء المارة بساحة أودان. يقول أحد المواطنين: "بفضل هؤلاء الفنانين تزدهر الساحة وتدب فيها الحياة. رأينا نجوما عالميين انطلقوا من الغناء في محطات المترو في أوروبا". ويضيف آخر أن هذا الفن "يبعد الشباب عن الأغاني المبتذلة، ويعرف الأجانب بتراثنا الأصيل بطريقة عفوية".
لكن الصورة ليست مثالية دائما، خاصة بالنسبة لرسامي الغرافيتي. يقول "أيمن"، وهو فنان غرافيتي طلب عدم كشف هويته، للجزيرة نت: "نختار الجدران المشوهة لتزيينها وتفادي مشاكل الملكية الخاصة. عندما ترغب مجموعة من الشباب في إنجاز جدارية، يطرحون علي تصورهم المبدئي ويتكفلون بشراء الطلاء، بينما أطور الفكرة وأحولها إلى لوحة متكاملة مستخدما أدواتي الخاصة. أكثر ما يحبطني هو أن أبذل جهدا كبيرا في إنجاز جدارية، لأستيقظ وأجدها محيت تماما أو رُسم فوقها عمل آخر".
لجماهير كرة القدم (الألتراس) نصيب كبير في تشكيل هوية الغرافيتي بالعاصمة، خاصة في أحياء عريقة مثل باب الوادي، حيث تتجاور شعارات "المولودية" و"اتحاد العاصمة" على الجدران.
الأستاذ كريم سرقوة، من المدرسة العليا للفنون الجميلة، يقدم لـ"الجزيرة نت" قراءة أكاديمية لظاهرة فن الشارع في الجزائر، ويقسمها إلى ثلاثة محاور رئيسية:
ويشير سرقوة إلى أن "التراكمات اللونية الناتجة عن تنافس الألتراس، وطمسهم لرسومات بعضهم البعض، تعد في حد ذاتها عملا فنيا وتوثيقا عشوائيا لتاريخ الجدار".
كما يربط بين موسيقيي الشوارع اليوم وثقافة "الغوال" (الحكواتي) في أسواق الغرب الجزائري، معتبرا أن هذه الفنون "امتداد لجذور ضاربة في التاريخ، تصل إلى نقوش الطاسيلي في عصور ما قبل التاريخ بالنسبة لسكان شمال أفريقيا".
سؤال الشرعية يلاحق فناني الشارع باستمرار: هل ما يفعلونه قانوني؟ المحامي كريم منى يوضح لـ"الجزيرة نت" الإطار القانوني لهذه الممارسات، قائلا إنه "لا يوجد نص صريح يمنع فنون الشارع في الجزائر، لكنه يضع شروطا صارمة لتنظيمها". ويشرح أن "الأنشطة الفنية في الفضاء العام تستوجب من الناحية القانونية الحصول على تراخيص مسبقة من الإدارة المحلية (البلديات)".
ويحذر من "خطوط حمراء" قد تعرض الفنان للعقوبة، أبرزها "الرسم على ممتلكات خاصة أو مباني سيادية دون إذن، أو تضمين الأعمال رسائل تحريضية تتنافى مع مبادئ الجمهورية".
مع ذلك، يكشف منى عن "مرونة إدارية وتسامح ملحوظ مؤخرا من قبل السلطات، التي توقفت عن التضييق بسبب الطبيعة السلمية والجمالية لمعظم الأعمال، ما دامت لا تمس بالنظام العام".
هذا التحول يؤكده أيضا الأستاذ سرقوة، مشيرا إلى أن البلديات باتت تمنح تراخيص رسمية لجماهير الأندية لتزيين الجدران، إدراكا منها لدور هذه الأعمال في إضفاء حيوية على المدينة. ويتقاطع ذلك مع تجربة الموسيقي قشاشا، الذي قال لـ"الجزيرة نت" إنه حصل على ترخيص من بلدية الجزائر الوسطى، ويتعاون بمرونة مع قوات الأمن حين يُطلب منه التوقف المؤقت لأسباب تنظيمية.
ما بين رسومات الألتراس وجداريات القصبة وعازفي الشوارع في ديدوش مراد وساحة أودان، يبدو أن فن الشارع في الجزائر العاصمة تجاوز مرحلة "التمرد" المؤقت، ليؤسس لنفسه مكانة ضمن ملامح الهوية الثقافية والسياحية.
اللوحات التي تُباع اليوم لسياح أجانب والمقاطع الموسيقية التي تنتشر عبر منصات التواصل، تصب في قالب واحد: تسويق صورة حيوية ومثقفة عن الجزائر، مدينة لا تكتفي بعمارتها الرسمية، بل تجعل من جدرانها وأرصفتها معرضا مفتوحا لطاقات شابة تبحث عن اعتراف وفضاء للتعبير.
يبقى المطلب الأبرز لهؤلاء المبدعين، كما نقلوه لـ"الجزيرة نت"، هو توفير مساحات مخصصة واحتضان هذه الطاقات، حتى يتحول الفضاء العام إلى لوحة فنية تعكس روح مدينة حية، وتكتب على جدرانها حكاية مجتمع يتحرك بين القانون والإبداع وشغف شباب يرفض أن يصمت الجدار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة