في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وجد نيوكاسل نفسه في ورطة بعدما طُرد مدافعه سياران كلارك مبكرا أمام نوريتش، واضطر إيدي هاو إلى إعادة ترتيب فريقه بعشرة لاعبين.
حينها جاء القرار الفني بإرجاع المهاجم جويلينتون إلى خط الوسط. انتهت المباراة بالتعادل، لكن التعديل الاضطراري فتح للمهاجم البرازيلي أفقا ومسيرة مختلفة.
تتكرر الحكاية بصور مختلفة في تاريخ كرة القدم، جناح يتألق في العمق، وصانع لعب تتسع رؤيته حين يتراجع إلى مركز "الريجيستا"، ولاعب يكتشف موقعا يحفظ له مكانه مع التقدم في العمر. وقد يأتي القرار من قراءة مدرب، أو إصابة زميل، أو أزمة تفرض التجربة. وتكشف الحالات التالية أن نجاح التحول يتوقف على ما يتغير حول اللاعب أيضا مثل من يمرر إليه؟ ومن يغطي خلفه؟ وأي مهارة سيستخدمها أكثر في موقعه الجديد؟
أعاد استخدام رافينيا في عمق هجوم برشلونة هذه الأسئلة إلى الواجهة خاصة مع تسجيله 8 أهداف في أول 5 مباريات رسمية من الموسم. تكمن جاذبية الفكرة في تغيير نقطة انطلاق اللاعب، فالجناح الذي يبدأ قرب الخط يحتاج غالبا إلى المرور من منافس قبل بلوغ منطقة الخطر. أما المهاجم المتحرك في العمق، فيستطيع استهداف المسافة بين قلبي الدفاع، أو التراجع لتسلّم الكرة ثم الانطلاق من جديد. وقد يكون الأثر الأهم في عدد المرات التي يصل فيها إلى موقع مناسب للتسديد، لا في عدد مراوغاته.
ومع ذلك، لا تكفي بداية قوية لوضع التجربة في مرتبة التحولات التي استقرت سنوات. سيحتاج الحكم عليها إلى متابعة مواجهات الدفاع المتكتل، وتوزيع الفرص بين مهاجمي برشلونة، واستمرار الفاعلية حين يعرف الخصوم الدور الجديد. أما هنري، الذي سبقه في الرحلة من الطرف إلى المرمى، فقد احتاج إلى تجاوز الشكوك بنفسه أولا.
انتقل تييري هنري إلى أرسنال عام 1999 بعد تجربة قصيرة ومخيبة مع يوفنتوس. عرفه الجمهور جناحا سريعا، لكن آرسين فينغر أراد توظيف هذه السرعة في مواجهة المرمى مباشرة، في مركز المهاجم. وبعد سبع مشاركات في الدوري لم يسجل فيها، فكر هنري في طلب العودة إلى الطرف، وهي لحظة تكشف أن اقتناع المدرب بالمشروع سبق اقتناع اللاعب به لأن فينغر رفض طلب مهاجمه.
لم يتحول هنري إلى مهاجم تقليدي يتمركز في المنطقة وينتظر العرضيات. بل احتفظ بعادته في الميل يسارا، ثم استدار نحو الداخل، مستفيدا من المساحة التي يستطيع رؤيتها أمامه. لذلك كان وصف التغيير بأنه انتقال من "جناح" إلى "رأس حربة" صحيحا، لكنه لا يشرح كل ما جرى. لقد احتفظ هنري بأسلحته القديمة، وأصبح يستخدمها للوصول إلى مرمى الخصوم.
وبلغت حصيلته مع أرسنال 228 هدفا في 377 مباراة، بحسب سجل النادي. ويجعل هذا الامتداد الزمني قصته مختلفة عن تجربة ناجحة لبضعة أسابيع، فالمركز الجديد أصبح أساس مكانته، بعدما كاد يتخلى عنه في بدايته.
حين سجل غاريث بيل ثلاثيته الشهيرة أمام إنتر ميلان في "سان سيرو"، في أكتوبر/تشرين الأول 2010، كان لا يزال يرتدي الرقم 3، أحد الأرقام المرتبطة تقليديا بالظهير الأيسر. لكن انطلاقاته المتكررة نحو المرمى قدمت صورة مختلفة للاعب الذي ظهر في ساوثهامبتون مدافعا على الطرف، قبل أن يدفعه هاري ريدناب إلى الأمام في توتنهام.
يعني التمركز في موقع متقدم أن اللاعب يقضي جزءا أكبر من جهده في مهاجمة الظهير، ويصل إلى الثلث الأخير بعد مسافة أقصر. ومع بيل، أضيف إلى السرعة سلاح التسديد من بعيد مما نجم عنه في موسم 2012-2013، 21 هدفا في الدوري، منها 9 من خارج المنطقة، وفق الأرقام التي أوردتها صحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية.
توسع الدور إذن على مراحل، من ظهير إلى جناح، ثم مهاجم أكثر حرية. وتكتسب مواجهة إنتر معناها من أنها كشفت قدرة يمكن تكرارها، فقد تحدث ريدناب لاحقا عن دهشته من ترك الظهير الأيمن مايكون ليواجه بيل منفردا مجددا في لقاء العودة بعدما استغل توتنهام تلك المواجهة لصالحه بأفضل طريقة ممكنة.
لم يدخل ماوريتسيو ساري موسم 2016-2017 وهو على دراية بأنه سيكتشف أحد أبرز هدافي نابولي. رحل غونزالو هيغواين، ثم أصيب أركاديوش ميليك، فاضطر المدرب إلى البحث عن حل داخل تشكيلته. نقل دريس ميرتينز من الجناح إلى قلب الهجوم، وانتهى الموسم بتسجيل البلجيكي 34 هدفا في جميع المسابقات، بينها 28 في الدوري الإيطالي.
وفي سبتمبر/أيلول 2017، أقر ساري بأنه كان محظوظا باكتشافه في هذا الموقع، موضحا أن إصابة ميليك فرضت التغيير، وأنه لم يتوقع أن يصل اللاعب إلى تلك الدرجة من التألق. كان التحول مناسبا لهجوم يستطيع تبادل التمريرات والتحرك حول المنطقة. لا يحتاج ميرتينز إلى كسب الصراع البدني مع قلب الدفاع في كل هجمة، بل يستطيع الإفلات منه بخطوة، أو تبادل تمريرة قصيرة ثم تغيير اتجاهه. والفرق جوهري بين أن تطلب من جناح قصير أداء عمل مهاجم طويل، وأن تعيد ترتيب الهجوم حتى تصبح خفة الجناح ميزة في مركزه الجديد. في الحالة الثانية، يتكيف الفريق مع اللاعب بالقدر الذي يتكيف فيه اللاعب مع الفريق.
لم يكن ليونيل ميسي بحاجة إلى إنقاذ مسيرته عندما أعاد بيب غوارديولا توظيفه في العمق. كان نجما بالفعل، لكن دوره مهاجما وهميا وسّع تأثيره في بناء الهجمة وإنهائها. وقد برز ذلك في انتصار برشلونة 6-2 على ريال مدريد عام 2009، وأشاد ميسي بقراءة مدربه للمواجهة.
يقوم هذا الدور على خلق حيرة في صفوف الخصم، عندما يتراجع المهاجم من بين قلبي الدفاع إلى المسافة أمامهما، يضطر أحدهما إلى الاختيار، هل يتبعه ويترك فراغا خلفه، أم يحافظ على موقعه ويمنحه فرصة الاستلام؟ يصبح الأمر أشد تعقيدا مع لاعب يستطيع الدوران والمراوغة والتمرير، بينما ينطلق زملاؤه إلى المساحات التي يفتحها.
سجل ميسي 73 هدفا رسميا لبرشلونة في موسم 2011-2012، بينها 50 في الدوري. لا يمكن بطبيعة الحال نسب الحصيلة كلها إلى تغيير المركز، فقد اجتمعت موهبته مع نضجه وجودة الفريق. لكن الحصيلة تكشف أن ابتعاد المهاجم عن منطقة الجزاء أثناء بناء اللعب لا يعني أن محصلته التهديفية ستقل.
في 1 أبريل/نيسان 2001، أرسل أندريا بيرلو تمريرة طويلة إلى روبرتو باجيو، الذي استثمرها في هدف تعادل بريشيا مع يوفنتوس. كان باجيو يشغل موقع صانع اللعب المتقدم، فأعاد المدرب كارلو ماتسوني بيرلو إلى الخلف، حيث أمكن جمع موهبتيهما بدل التنافس على المكان نفسه.
أندريا بيرلو مع منتخب إيطاليا (رويترز)سبق ذلك انتقال بيرلو إلى ميلان، حيث رسخ كارلو أنشيلوتي دوره أمام خط الدفاع بوصفه لاعب ارتكاز ومهندسا للهجمات. ومن هذا الموقع، يستطيع صانع اللعب رؤية اتجاه الهجمة مبكرا وتوزيع الكرات وتحديد مسارات الهجوم. غير أن المساحة الإضافية لا تعفيه من الضغط، فهي تنقل مسؤولية فقدان الكرة إلى منطقة أقرب إلى مرماه، وتفرض على زملائه توفير خيارات تمرير وحماية مناسبة. تلك الأخيرة وفرها أنشيلوتي لبيرلو مع إيه سي ميلان بوضع غاتوزو وسيدورف إلى جواره.
أمضى باستيان شفاينشتايغر سنوات يلعب على الأطراف في بايرن ميونخ، قبل وصول لويس فان غال عام 2009. رأى الهولندي أن قدراته أنسب للوسط، وقال عن موقعه السابق: "لم يكن يناسبني في مركز الجناح الأيسر".
يتطلب اللعب في عمق الملعب أدوارا مختلفة عن اللعب بجوار خط التماس. على الجناح أن يتعامل كثيرا مع الملعب الممتد إلى جهة واحدة، أما لاعب الوسط فيحتاج إلى معرفة ما يحدث خلفه وبجواره، وتحديد اتجاه الضغط قبل التسلّم، وتقدير اللحظة المناسبة لتهدئة الإيقاع أو تسريعه. صار شفاينشتايغر مسؤولا عن وصل أجزاء الفريق، إلى جانب الافتكاك والتقدم عندما تسمح الهجمة.
ويربط تحليل نشره الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) عام 2015 بين نقله إلى الوسط وتسارع تطوره إلى لاعب عالمي. ومن موقعه المركزي ساهم في تتويج بايرن بدوري الأبطال عام 2013، وألمانيا بكأس العالم عام 2014. وفي نهائي المونديال، أكمل 120 دقيقة في مواجهة الأرجنتين، مقدما صورة للاعب أصبحت قيمته في قدرته على إبقاء الفريق متماسكا تحت الضغط.
تظهر أهمية المركز بوضوح حين نقارن ما كان يُطلب من جويلينتون بما أصبح يجيده. ففي موسم 2019-2020، بلغ متوسط تسديداته 1.67 لكل 90 دقيقة، وسجل هدفين من فرص قدرتها أوبتا بنحو 5.47 أهداف متوقعة. ويقيس المؤشر جودة فرص التسديد، ولا يعني أن اللاعب كان ملزما بتسجيل عدد بعينه.
عندما انتقل إلى الوسط مع هاو، أصبحت قدرته على حمل الكرة والالتحام والعمل المتواصل جزءا أساسيا من وظيفته. لم يعد تقييم أدائه يبدأ كل أسبوع بالسؤال عن الهدف الذي لم يسجله. وفي نهاية موسم 2021-2022، اختير لاعب العام في نيوكاسل، بعد أشهر من التعديل الذي فرضه الطرد أمام نوريتش. وتتيح الأرقام اللاحقة قياس نوع الفاعلية الجديد. ففي نهائي كأس الرابطة أمام ليفربول في مارس/آذار 2025، كسب 9 التحامات من أصل 13، وفق أوبتا، ولم يكسب أي لاعب وسط في ليفربول أكثر من ثلاثة. هذه حصيلة مباراة واحدة وليست دليلا كافيا بمفردها، لكنها توضح أن جويلينتون أصبح يصنع الفارق بمنع المنافس من التحكم بالكرة، ومنح زملائه فرصة بدء الهجوم.
قبل بيرلو، نقل فرانز بيكنباور مهارات لاعب الوسط إلى موقع أعمق. لعب في وسط منتخب ألمانيا الغربية خلال مونديال 1966، لكن شهرته الكبرى ارتبطت بدور "الليبرو"، أي المدافع الحر الذي يوفر التغطية خلف زملائه ويتقدم عندما تسمح المباراة. ولم يخترع بيكنباور هذا المركز، بل منح أداءه الهجومي حضورا استثنائيا.
يتيح وجود لاعب ماهر بالكرة في الخلف تجاوز أول خط للضغط بتمريرة، أو التقدم بها حتى يضطر منافس إلى ترك موقعه. ويشرح ذلك لماذا لا تكفي كلمة "مدافع" لوصف تأثيره. كان يستطيع بدء الهجمة من منطقة اعتاد الآخرون أن تنتهي فيها مهامهم بمجرد إبعاد الخطر. وبتعبير بول لامبرت، كان في الأساس لاعب وسط يؤدي من الخلف.
فاز بيكنباور بالكرة الذهبية عامي 1972 و1976، وقاد بايرن إلى ثلاثة ألقاب متتالية في كأس أوروبا بين 1974 و1976. ويروي موقع البوندسليغا أنه ربط دقة تمريراته بساعات قضاها صغيرا في تبادل الكرة مع جدار المنزل. انتقلت المهارة المكتسبة نفسها عبر مراكز متعددة، وما تغير هو المكان الذي صار منه قادرا على استخدامها لصالح الفريق.
في خريف 2019، أجبرت إصابات نيكلاس زوله ولوكاس هيرنانديز بايرن ميونخ على إعادة ترتيب دفاعه. انتقل ديفيد ألابا إلى قلب الدفاع، ووجد ألفونسو ديفيز مساحة في الظهير الأيسر. كانت السلسلة مثل أحجار الدومينو، تحرك لاعب من موقعه، فأصبح موقع آخر متاحا أمام زميله.
قال ديفيز لتلفزيون بايرن إنه وجد الانتقال سهلا نسبيا لأنه سبق أن لعب ظهيرا مع فانكوفر. وتصحح هذه الشهادة رواية الاكتشاف المفاجئ، فالفكرة لم تكن غريبة تماما عليه. كما تحدث عن مساعدة ألابا، الذي يعرف دقائق المركز ويقف قريبا منه داخل الملعب. وبحلول 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، كان ديفيز قد بدأ المباريات الست الأخيرة للفريق في جميع المسابقات.
ألفونسو ديفيز في مواجهة عثمان ديمبيلي (رويترز)وأشاد هانزي فليك آنذاك بأدائه الدفاعي أمام أشرف حكيمي وجادون سانشو، معتبرا أن اللاعب ما زال قادرا على التطور هجوميا. لفت ديفيز الأنظار بسرعته الهجومية، لكن تثبيت مكانه احتاج إلى إثبات قدرته على التعامل مع جناحين سريعين. وجد في المركز مساحة لانطلاقاته، وتعلم في الوقت نفسه كيف يمنع منافسيه من استغلال المساحة خلفه.
بلغ لوثار ماتيوس قمة المجد قائدا لمنتخب ألمانيا الغربية في مونديال 1990، لاعب وسط قادرا على الافتكاك والانطلاق والتسجيل. ثم ساعده التراجع إلى دور المدافع الحر خلال مرحلته الثانية مع بايرن على الاستمرار في القمة مع التقدم في العمر. انتقلت قيمة خبرته إلى قراءة الهجمة من الخلف وتنظيم الخروج بالكرة.
وتوضح شهادته عن نهائي دوري الأبطال عام 1999 الفرق البدني بين الوظيفتين. قال إنه لعب يومها في الوسط أمام ديفيد بيكهام، وإنه شعر بالإرهاق بعد 80 دقيقة، لأن نوع الركض وسرعته اختلفا عما اعتاده مدافعا حرا. كان عمره 38 عاما، ونال في ذلك العام جائزة أفضل لاعب في ألمانيا.
لوثار ماتيوس لاعب منتخب ألمانيا وبايرن ميونخ السابق (غيتي)
اللعب في مركز أعمق أو متأخر لا يعني انعدام الحاجة للركض، لكنه يعيد توزيع الجهد. يستطيع اللاعب الخبير أن يستفيد من قراءته المبكرة للمشهد، فيبدأ التحرك قبل أن تتحول المواجهة إلى سباق سرعة. وتكشف العودة المؤقتة لماتيوس إلى الوسط أن التحول ليس عقدا أبديا مع مركز واحد، قد يحتفظ اللاعب بقدرته على أداء أكثر من وظيفة، وإن اختلف الجهد البدني لكل منها.
تختلف المكاسب في هذه الحكايات. اقترب هنري وميرتينز من المرمى أكثر للتسجيل، واتسعت مسؤولية بيرلو وشفاينشتايغر عن صناعة اللعب والتحكم في الإيقاع، بينما أعاد ماتيوس توزيع جهده. أما ميسي فقد أضاف أدوارا إلى تفوق قائم أصلا. لهذا لا تصلح الأهداف وحدها مقياسا مشتركا للحكم على الجميع.
وما يجمع التجارب الناجحة أن التغيير تجاوز التعليمات الأولية من المدرب. احتاج كل لاعب إلى تكرار العمل في التدريب، وفهم حركة زملائه، ووقت لاكتساب الثقة والتعود.
قد تكون الإصابة أو الطرد سبب اكتشاف الفرصة، لكن بقاء الفرصة يتطلب أكثر من المصادفة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة